يُعدّ الكاتب السعودي يوسف المحيميد من الأصوات السردية البارزة في المشهد العربي المعاصر، حيث راكم تجربة أدبية امتدت لعدة عقود، تنوّعت بين الرواية والقصة القصيرة، واتّسمت بحساسية عالية تجاه التفاصيل الإنسانية، وبقدرة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى مادة جمالية كثيفة.
أصدر المحيميد عددًا من الأعمال التي لاقت حضورًا عربيًا وعالميًا، وتُرجمت إلى لغات عدة، وحصدت جوائز عديدة، ما رسّخ مكانته ككاتب يمتلك مشروعًا سرديًا واضح المعالم.
بالتزامن مع صدور مجموعته القصصية "مجرّد ظلال منسيّة" أجرينا معه الحوار التالي:
(*) يحمل عنوان مجموعتك القصصية الأحدث "مجرّد ظلال منسيّة" كثافة دلالية عالية. ما الذي يمثّله الظل بالنسبة إليك: أثر وجود، أم ذاكرة عالقة، أم صورة للذات حين تتخفّف من صخبها؟
الظل هو دليلي منذ البدايات، فأول نص في مجموعتي القصصية الأولى عام 1989، كان نص "الظل" كافتتاحية لاشتغالي القصصي، فيما بعد أدركت دلالات الظل والأثر والهامش، حتى في اشتغالي الفوتوغرافي أجد العدسة تقودني دومًا نحو الظلال، ظلال الجدران، ظلال الأشجار، ظلال الكائنات، ظلال الأشياء، فالظل غير كاشف ولا مباشر، بل موحٍ وموارب وشفيف. الظلال متنوعة، والضوء الخفيف مختلف.
(*) هل جاء العنوان بعد اكتمال النصوص بوصفه خلاصة لها، أم كان فكرة أولى قادتك إلى كتابة هذه القصص؟
بالتأكيد بعد اكتمال النصوص كالعادة مع كل أعمالي الروائية والقصصية، تظهر أمامي عدة خيارات للعنوان، أؤمن أن العنوان هو عتبة النص الأولى، تقود ولا تقول، تشفُّ ولا تكشف، تُضمر ولا تُظهر، وهذا ما يجذب القارئ، ويدعوه إلى التساؤل والفضول.
(*) في هذه المجموعة، يبدو الإنسان أقرب إلى أثر منه إلى حضور مكتمل. هل ترى أن هذا التصوّر يعكس تحوّلًا في رؤيتك للسرد أم امتدادًا لمسار سابق؟
كما ذكرت لك، هو امتداد لتجارب مبكرة، خاصة في القصة القصيرة، منذ البدايات، لو تتبعت العناوين فحسب: ظهيرة لا مشاة لها، رجفة أثوابهم البيض، لا بد أن أحدًا حرَّك الكراسة، وهكذا كنت وما زلت شغوفًا لتتبع الأثر الذي يدعو للاحتمالات، حيث احتمالات الحكاية والقص هي ما يجعل للظلال قيمة كبيرة في نظري.
(*) يتكرّر حضور الظل بوصفه كائنًا شبه مستقل عن صاحبه. هل يمكن قراءة الظل هنا كوجه آخر للهوية، أو كذاكرة تمشي إلى جوار الإنسان؟
هي إشارة للفقد، وربما للتيه، أو التمرد أحيانًا، فالظل هنا بوصفه قادرًا على البقاء في انتظار حدث ما، أو الهروب خلسة، هو يحمل في ذاته أبعادًا مختلفة، هو بقايا ذاكرة، تلك الذاكرة التي تولدها الأشياء، ليس الإنسان لوحده.
(*) في بعض القصص، يظهر الظل أكثر وعيًا أو هدوءًا من الشخصية نفسها. ما الذي يدفعك إلى منح الظل هذا الدور الرمزي؟
هي غالبًا حالة تأمل، وهي أحيانًا موقف من الإنسان ذاته، انسحاب نحو الهدأة، ميل إلى العزلة، وهو قول ما لم يُقل، النظر إلى ما وراء الأشياء، وإلى أعماقها.
(*) هل ترى أن الظل في هذه المجموعة يحمل بعدًا وجوديًا، أم أنه اشتغال جمالي على فكرة التلاشي؟
أعتقد أن فكرة التلاشي تحمل بُعدًا وجوديًا عميقًا، وهي تعبير عن أسئلة جوهرية تتعلق بالإنسان ومعنى وجوده. ولعل أكثر ما يجعلني أتورط في هذه الأبعاد الفلسفية هي إخراجها من نمطيتها إلى منح الظل دوره المفقود.
(*) تعتمد قصص المجموعة على مشاهد قصيرة مكثّفة تنتهي غالبًا عند حافة مفتوحة. ما الذي يجذبك إلى هذا الشكل السردي القائم على اللقطة الخاطفة؟
هذا هو اشتغالي منذ البدايات، أراهن على التكثيف في العبارة، واللغة المقتصدة، الكلمات كالنسيج، حين تضع خيطًا أو غرزة في غير مكانها بالضبط، يفسد النسيج بأكمله، هكذا أتعامل مع النص، الكلمات هي تطريز مدروس وواعٍ للنص السردي. لا مكان عندي للكلمات الزائدة.
(*) لغتك في هذا الكتاب مقتصدة، مشحونة بالإيحاء، وتبتعد عن الشرح المباشر. كيف توازن بين التكثيف والوضوح أثناء الكتابة؟
بل الموازنة الحذرة هي بين الوضوح والإيحاء، بين الكشف والمواربة. هي خط رفيع جدًا بين هذين الضدين، فالنص العميق أو الخالد في نظري هو الذي لا يعطيك كل شيء دفعة واحدة، هو الذي كلما قرأته مجدَّدًا اكتشفت فيه ما لم تكتشفه في قراءات سابقة. خاصة في فن القصة القصيرة يصعب أن يتحول السرد إلى ثرثرة بلا قيمة مضافة، يجب أن يكون النص القصصي متوترًا وحذرًا من السقوط في الفضفضة المجانية.
(*) في "مجرّد ظلال منسيّة" يخرج الغرائبي من قلب التفاصيل اليومية. كيف ترى العلاقة بين الواقع والخيال في هذه القصص؟
أعتقد أن الغرائبي أو العجائبي، أو حالة ما فوق الواقع، هو جزء حميم من اليومي، من تساؤلاتنا ودهشتنا في ما يحيط بنا، قد يحدث أو لا يحدث، وإنما يتمدد بجنون في مخيلتنا ويحفزها لتمضي أبعد. هي علاقة مشتبكة ومتداخلة يصعب فصلها، إلى الحد الذي لا ندرك فيه أيهما الواقعي، وأيهما المتخيل.
(*) هل تسعى إلى زعزعة يقين القارئ تجاه ما يراه مألوفًا، أم إلى تعميق نظرته إلى العادي؟
أريد أن أحرّضه على إعادة النظر والتأمل تجاه العادي والمألوف، أو إلى ما وراءهما. كيف نكتشف العادي كما لو كنا نراه لأول مرة، نطلق الأسئلة ونتماهى مع فلسفة الشك والدهشة، هذا جزء مهم من دور الأدب والإبداع.
(*) إلى أي حدّ يمكن اعتبار هذه المجموعة محاولة لالتقاط اللحظات التي تبدو عابرة، ثم الكشف عن عمقها الإنساني؟
هي بالفعل محاولة، وتحفيز الحواس حتى أقصاها لالتقاط المنسي والمهمل، واصطياد العابر من اليومي والعادي، سبر أغوارها والقبض على ما لا تكشفه، هي محاولة اكتشاف المخبوء والموارب، وتشريحه فوق طاولة الكتابة.
(*) شخصياتك في هذه المجموعة تبدو عادية في ظاهرها، غير أنّها تعيش لحظة انكشاف داخلي. ما الذي يجذبك إلى هذه الشخصيات تحديدًا؟
كل الشخصيات تبدو عادية، حتى نخاتلها، ونستل منها الصوت الداخلي، الوسوسة والأسئلة، المشاعر والأحاسيس الدفينة، لا تجذبني شخصيات بعينها، لكن حركاتها وسكناتها هي ما يشير إلى شيء ما، مبطن، قد لا يظهر من أول وهلة، لكنه بلا شك يظهر جليًا لمن يلتقط أصغر الالتفاتات والأنفاس، هكذا تحرضني شخصية ما، إلى ما لم تفصح به بوضوح، لكنها أوحت به وكأنها تقول لي: "أيها الكاتب، خذ ما تظنه بي، أنت ونصيبك".
(*) هل تكتب عن أفراد محدّدين عرفتهم في حياتك، أم أنك تصوغ شخصيات مركّبة تنبثق من الخيال والتجربة معًا؟
ليس بالضرورة، أحيانًا وأنا أكتب ملامح شخصية ما، تلمع في الذاكرة شخصية أعرفها، لكن النص ليس بالضرورة يعبّر عنها تمامًا. الكلمات والعبارات والمخيلة تصنع شخصيات سردية جديدة، حتى وإن تشابهت مع شخصيات محفورة في أعماق الذاكرة.
(*) الذاكرة حاضرة بقوة في أكثر من قصة. كيف تنظر إلى علاقتك الشخصية بالذاكرة بوصفها مادة سردية؟
لا شك في أن الذاكرة بما تمتلكه من خزائن سرِّيَّة وصناديق صغيرة مخبوءة، تمنح مادة سردية جميلة، تتناغم مع مخيلة حرَّة لتصنع نصًّا سرديًّا مختلفًا. الذاكرة لا تعني الذاكرة الشخصية فحسب، وإنما ذاكرات أشخاص كثر، سجَّلت مواقف وأحداثًا كثيرة ومؤثرة، تجمع الحس الدرامي والنفسي، وتمنح طاولة الكتابة مزيدًا من الفرص القابلة للسرد.
(*) تتنوّع الأمكنة في "مجرّد ظلال منسيّة" بين الحانة، الشارع، البيت المهجور، والطائرة. كيف تختار فضاء القصة، وهل يشكّل المكان عندك شخصية موازية؟
المكان يغدو بطلًا بأثاثه وكائناته، فهو رافد مهم للسرد في نصِّي القصصي، وقد يتحول إلى شخصية فاعلة ومؤثرة ومحرِّكة للسرد، بكل ما فيه من جمال أو قبح، بكل ما فيه من سكون أو تحولات، بكل ما فيه من قسوة وغموض.
(*) تبدو العزلة حالة مشتركة بين عدد من الشخصيات. هل ترى العزلة شرطًا للرؤية، أم نتيجة لتحوّلات اجتماعية أوسع؟
العزلة هي جزء من حالة التأمل، وهو ما يميِّز نصوص هذا العمل، فهي حالات تأمل وتركيز شديد للوصول إلى ما وراء الأشياء، أنت لا تستطيع القبض على كينونة الأشياء والكائنات بدون صمت هائل، صمت في كل شيء ما عدا الذاكرة والهجس.
(*) أين تضع "مجرّد ظلال منسيّة" ضمن مسارك الروائي والقصصي؟ هل تمثّل مرحلة جديدة أم تكثيفًا لتجربة سابقة؟
ربما تكون مختلفة عن اشتغالي السردي السابق، وإن كانت تنويعًا جديدًا على اهتمامات سابقة. أظن أنني أصبحت أكثر حرصًا على نقاء اللغة وتهذيبها من الزوائد، فهل هذا العمل يحمل وعيًا والتقاطًا للدهشة أكبر مما جاء في مجموعتي "لا بدَّ أن أحدًا حرّك الكراسة"- 1996؟ ربما... أظن أن الدارسين قادرون على مراجعة مثل هذه الأعمال خلال ثلاثة عقود تقريبًا.
(*) بعد هذه المجموعة، هل تشعر بأن عالم الظلال قد استُنفد سرديًا، أم أنه ما زال يفتح أمامك احتمالات جديدة؟
صدّقني أن نوافذ السرد لم تُكتشف بعد. ثمَّة نوافذ منسيَّة، ثمَّة شيء مفقود في خارطة السرد الإنساني، كلنا نبحث عنه، ولم نعثر عليه بعد، كما لم يعثر عليه من سبقنا، لهذا نحن نتوارث السرد، بحثًا عمَّا يُدهش، فالظلال عالمي الأثير، أظن أنه يشبه صحراء غامضة مليئة بالمفازات، أو غابة مشحونة بالأسرار والكائنات المتربصة… يبدو أن الظلال تتربَّص بي، بدون الحاجة إلى البحث عنها.


تحميل المقال التالي...