تنتمي لونا أبو سويرح، المديرة العامة لمركز دراسات الوحدة العربية، إلى جيل يعتنق ثوابت مشروع نهضة عروبي، وفلسطين محررة من بحرها إلى النهر، وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني.
عن المركز وتحديات استمراره عملًا وإنتاجًا وثباتًا في النهج، كان هذا الحوار مع ابنة غزة المولودة في بيروت.
(*) من خلال متابعاتك الدراسية في جامعات ما بين أميركا وأوروبا وتخصصك بالاقتصاد والتنمية، كيف حاولتِ تقريب النظري إلى العملي لتذليل الصعوبات عندما توليت المسؤوليات تباعًا في مؤسسات دولية؟
بعد تخرّجي من الجامعة بدأت العمل مباشرة في غزة، وعملت كمتطوعة أمم متحدة أشرف على مشروع له علاقة بتنمية قدرات الشباب في سبعة مخيمات للاجئين في القطاع، ما أتاح لي دخول معترك العمل الميداني. وبعد ثلاث سنوات قررت أن أصقل خبرتي هذه بدراسة أكاديمية وأتابع الدراسات العليا في مجال التنمية والشؤون العامة والدولية. ومن ثم، عدت للعمل في الأمم المتحدة في مجالات التنمية المستدامة وإدارة مخاطر الكوارث.
(*) وهل استطعت تحقيق إنجازات خلال عملك مع الأمم المتحدة؟
عملت لعقدين من الزمن مع الأمم المتحدة والبداية كانت في غزة حيث خيارات العمل كانت بين مؤسسات السلطة الفلسطينية أو القطاع الخاص أو المنظمات الدولية. ولرفضي الارتباط بأي شكل من الأشكال مع السلطة الفلسطينية، وعدم اهتمامي بأنشطة القطاع الخاص وجني الأرباح، توجهت للعمل بالأمم المتحدة باعتبارها هيئة دولية محايدة "نوعًا ما" وتقنية أستطيع من خلالها تقديم المساعدات التقنية وتنفيذ المشاريع لخدمة المجتمعات المحلية والمؤسسات الوطنية والإقليمية. ومن خلال عملي مع الأمم المتحدة انطلقت من غزة إلى العالم.
(*) إلى أين كان مستقرك؟
تركت عملي مع الأمم المتحدة بعد حرب غزة 2014 والموقف الدولي من هذه الحرب والمآسي التي شهدناها في حينه، والتي لا تقاس بما نشهده اليوم، وقد كنت في مهمة أممية في غزة قبل الحرب بأربعة أشهر، ومن ضمن مهامي كانت وضع سيناريوهات المخاطر والتي كان إحداها تجدّد الحرب على قطاع غزة. وبدأت أشعر بالعجز بعد عدة أشهر من تلك الحرب، لا سيما أن إسرائيل دخلت نادي باريس الاقتصادي، وأصبحت إحدى الدول المانحة لبعض منظمات الأمم المتحدة، وعرضت تمويل أنشطة للمكتب الإقليمي للدول العربية الذي كنت أديره في القاهرة، وبالطبع رفضت رفضًا قاطعًا، وقررت بعد ذلك أن الوقت قد حان لتجربة جديدة خارج نطاق العمل الأممي. وكنت قد تصادفت مع رئيس مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية في إحدى ندوات الأمم المتحدة وعرض علي أن أدير المركز في بيروت. وبعد تركي لعملي في الأمم المتحدة ازداد إلحاحًا وطلب مني زيارة المركز. وكان لنشأتي العروبية وانتمائي الوحدوي العربي أثر كبير على قراري بالموافقة والانتقال إلى بيروت، مسقط رأسي.
(*) لو شئت إجراء تقييم مختصر مذ بدأت بالمركز وإلى اليوم؟
لا يخفى على معظم متابعي المركز ومحبيه أنني استلمت مؤسسة على وشك الإفلاس ومثقلة بالديون، والمبنى الذي تملكه كان مرهونًا للبنك، والسيولة تعتبر صفرًا. تعددت الأسباب لكن أهمها كان الحصار المالي على المركز، وانحسار المتبرعين والداعمين، وضعف المبيعات الورقية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتآكل الوقفيات التي للأسف تم إساءة استخدامها من الإدارة السابقة لتغطية النفقات العالية. تم حل مشاكل الديون ورهن المبنى بشحذ موارد ساعدتنا على حماية المركز لضمان استمراريته، لكن للأسف داهمتنا أزمة المصارف في لبنان ليتم الحجز على أموال المركز المودعة في البنك كما هي حال جميع المودعين في لبنان.
(*) ألم يستطع المركز النفاد بأمواله من المصرف كحالة استثنائية؟
كلا. لم يكن هناك أي اعتبار لمركز دراسات الوحدة العربية الذي تأسس في بيروت عام 1975 مع العلم أن المركز حصل عام 2000 على وضع دبلوماسي بقرار من الرئيس سليم الحص، رحمه الله. يعني مرجعية المركز هي وزارة الخارجية في لبنان، ولسنا مؤسسة أهلية، أو "إن. جي. أوز" N.G.Os. وعندما شرحت لإدارة المصرف عن صفة مؤسستنا كان رده "خدوا فلوسكم شيك ونغلق حسابكم" وطبعًا نحن نعلم أن قيمة الشيك عند صرفه في السوق لا تتعدى 15% من قيمته الاسمية. هنا دخلنا مرحلة تقشف جديدة، وبدأنا نعتمد على مردود المركز الشهري من المبيعات أو التبرعات الفردية المحدودة، مع الإشارة إلى المصاعب التي سببتها جائحة كورونا وما تلاها من حروب دولية وإقليمية والتضخم في العالم كله وانعكاس ذلك على أسعار الورق والمحروقات والطباعة والشحن؛ إضافة إلى منع المشاركة في معارض الكتب الذي ترك أثره المادي على المركز مما أدى إلى إعادة هيكلة فريق العمل من جهة بتقليل عدد الموظفين، والعمل بالحد الأدنى، مما تسبب بأن يتولى الشخص الواحد عدة مسؤوليات في المركز. ولكن من ناحية أخرى استفدنا من الثورة الرقمية لتخفيض النفقات، فعقدنا الندوات عبر تطبيق الزوم وهذا ساعد أيضًا بانتشار أفكار المركز وتوسيع دائرة التواصل. الثورة الرقمية أتاحت لنا تسويق وبيع إصدارات المركز على منصات مكتبات رقمية مختلفة، عربية وعالمية.
(*) رب ضارة نافعة، فمحاولات المنع من المشاركة حضوريًا (ورقيًا) لم تفلح مع هذا الفضاء السيبراني؟
أكيد نحن نصل إلى القارئ في أي مكان في أرجاء المعمورة. كما أن القرّاء العرب يستطيعون الآن قراءة مجلة "المستقبل العربي" إلكترونيًا، وهي التي تصدر شهريًا دون انقطاع منذ عام 1978. وقد أتحنا أعداد المجلة منذ 1978 وحتى 2022 مجانًا للمهتمين على موقع المركز ونعمل على إتاحة أعداد جديدة بشكل دوري.
(*) كم عدد إصدارات المركز؟
وصلت إصدارات المركز منذ تأسيسه عام 1975 إلى يقرب 1200 كتاب إضافة إلى 568 عددًا من مجلة "المستقبل العربي" وعشرات الأعداد من المجلات الفصلية المتخصصة التي يصدرها.
(*) تَمر منطقتنا العربية بشتى احتمالات المصائر، وخاصة الشرذمة وغياب مشروع نهضوي عربي حضاري. من هنا، كيف لهذه الإصدارات أن تنتقل إلى عقول الأجيال الشابة لا أن تبقى في مخازن المستودعات؟
نعمل، كما ذكرت، من خلال منصاتنا الإلكترونية وإصداراتنا الرقمية وندواتنا على نقل المعرفة المتراكمة منذ عقود إلى الأجيال الجديدة وأهمها الفكر المؤسس للنهوض العربي وفكر متجدد يواكب المتغيرات التي مرت وتمر بها هذه الأمة. حيث بات من الضروري اليوم، وبعد مرر نصف قرن على تأسيس المركز، مراجعة المنطلقات الستة للمشروع النهضوي العربي التي تبناها المركز والتوقف عندها ومراجعة مقاربتها أمام التحولات التاريخية الكبرى في المنطقة والعالم.
(*) وسط تسارع الأحداث في المنطقة، وتشابكها مع التطورات العالمية، وتباين المرونة مع التغيُّر مع الجمود، كيف لمركزكم أن يبقى مواكبًا هذه التدرجات بدون مساس بمبادئه، وبما يضمن له الاستمرارية؟
كلمة مرونة حمّالة أوجه، لكن الثابت لدينا هو أن غايتنا تحرير الأرض العربية كلها واستقلالها من التبعية والهيمنة وأن فلسطين من النهر إلى البحر ولا تقبل القسمة، وهذا الكيان الصهيوني لا نعترف به ولا نتعامل معه. المركز لا يمثل جهة سياسية أو حزبية لكنه يتبنى رؤية عربية وحدوية في إطار سعينا للنهوض بالأمة العربية وتنمية قطاعاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وتعزيز التكامل بين دولنا العربية.
(*) أين تركت لونا أبو سويرح بصمتها على المركز؟
لقد أتمّ المركز العام الماضي 50 عامًا من مسيرته الفكرية والثقافية. نصف قرن من العمل المستقل والفكر الملتزم وقد أصدرنا كتابًا تذكاريًا مع مرور نصف قرن على التأسيس قدمنا فيه للقراء مراجعة نقدية لمسيرة المركز من خلال أقلام عدد من السياسيين والباحثين والمثقفين العرب، ونسعى من خلال هذه المراجعة لتجديد المسيرة في ضوء ما يحدث في العالم من تحولات وفي المنطقة العربية من مخاطر وتحديات.
(*) لو حاولتِ استعادة المشهد الذي واكبت فيه طموحاتك وأحلامك أين توقفين عقارب الزمن؟
ليتني أستطيع أن أوقّف الزمن في غزة. أحلى سنوات عمري كانت في غزة. تعلمت بمدارسها، وكبرت فيها، وبدأت العمل هناك، أنتمي لها وتنتمي لي. غزة العشق الأول والأبدي وبيروت، مسقط رأسي، هي معشوقتي الثانية. ولدت فيها بالصدفة وغادرتها وعمري أربعين يومًا فقط وحلمت أن أعود لها يومًا، وعدت وقد تجاوزت الأربعين عامًا. كلّمني والدي عن بيروت كثيرًا وكان يتخصص بطب الأطفال في الجامعة الأميركية، وفيها كان يلتقي برفاق تنظيم الطليعة الناصري ومنها عملوا على تأسيس المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي. أحببتها قبل أن أراها وعشقتها بعد أن انتقلت إليها لا سيما أن بحرها يأخذني إلى غزة وبحرها وسمائها ونضالها المستمر نحو الحرية.
(*) ما هي مشاريع المركز مستقبلًا؟
ما زال المركز يعاني حصارًا ماليًا واقتصاديًا مما يؤثر على كثير من الأنشطة التي نخطط لها ونطورها. مع ذلك، كثفنا الدراسات حول معركة طوفان الأقصى وأصدرنا عشرات الدراسات ضمن ملفات خاصة في المجلة على مدار العامين الماضيين. قمنا بتطوير الموقع الإلكتروني ليتيح للمهتمين بالشأن العربي الاطلاع على عشرات الدراسات والمقالات إضافة إلى مجموعات مختلفة من إصداراتنا متاحة للقراءة بالمجان. كما طوّرنا منصة تدريب إلكتروني، ستنطلق بحلة جديدة قريبًا لتقدم مساقات تعليمية تهدف لتطوير المهارات والقدرات المعرفية للشباب والباحثين والمهتمين العرب. نعمل أيضًا على دراسة التحولات الجيوسياسية في المنطقة وحولنا وتنظيم حلقات نقاشية وندوات (معظمها افتراضية) حول التطورات الإقليمية والدولية وسبل مواجهة التحديات الناشئة عنها.


تحميل المقال التالي...