عادةً ما تُصنَّف الروايات التاريخية على أنها مساحة سردية تفتقر إلى التخييل، وربما هذا ما يجعل بعضها بعيدًا عن تصنيفها كمساحة أدبية. ومن يلجأ إلى حكاية التاريخ، ولو كان تاريخًا شفهيًّا، قد يقع في أفخاخ عدة، منها تحويل التاريخ إلى سيرة ذاتية تركز على الأنا وعالمها وتفتقد الخيال، ومنها من يهتم بالمعلومات بدلًا من صناعة رواية أدبية قبل أن تكون تاريخية. ولكن يبدو أن سمر نور تجاوزت هذه الأفكار الراسخة في فن الرواية التي تُبنى على التاريخ، وحولت التاريخ الشفهي إلى مساحة تخييل أدبية تسائل السلطة والزمن، وترسم أبعادًا جديدة للمجتمع النوبي في القرن التاسع عشر، وتتجاوز الكتابات التي تناولت المجتمع النوبي من وجهة نظر المهاجر إلى المدينة، بل في عملَيها الصادرين عن ديوان للنشر، "آشا: الجعران والقمر" و"آشا: يوم وصول الرجل الأحمر"، ترسم أبعاد هذا المجتمع من قلبه، ومن تاريخه الشفهي الذي أثّر في هذا المجتمع ورسم أعرافه. لذا؛ في هذا الحوار نعرف من سمر نور كيف صنعت هذه الطبخة الأدبية التي يتقاطع فيها التاريخ مع التخييل لمساءلة السُلطة بمختلف أشكالها.
(*) البحث عن الخلاص ربما هو الرابط بين أعمالك كلها من مجموعة "معراج" حتى رواية "آشا" بجزأيها؟
أعتقد أن كتاباتي الأولى كانت محاولة للخلاص بالمفهوم الديني، الرغبة في فهم مأزقنا الوجودي والنجاة سواء من الخطيئة أو الموت، أو من الألم والعذاب، فالخطيئة ترتبط بالحياة التي نعيشها كأطفال ومراهقين في ثقافتنا خاصة كإناث. والموت والألم والعذاب عرفته مبكرًا مع رحيل أحباء مقربين، لكنني أتصوّر أن الخلاص بهذا المعنى لا ينتج أدبًا حقيقيًّا، بل يدفعك نحو محاولة اجترار الآلام والانغلاق على الذات، وربما يقف عند حدود التعافي والسلام الداخلي. وهذه مرحلة أيضًا ربما يعبرها الكاتب، لكن القلق الداخلي هو ما يولد أدبًا أكثر نضجًا، وقدرة على التفاعل مع الواقع عبر التخييل. ليس هناك خلاص بهذا المعنى في حياتنا القصيرة. أرى الخلاص بمعانيه الفلسفية المنفتحة على مسارات مختلفة، كأننا أمام محاولات لا تنتهي من التجربة، ما بين الالتصاق بالذات وما عاشته، وما بين الإيمان بأن الخلاص هو تجاوز الذات، نعيش في حالة من القلق الوجودي، وغياب المسلمات، في حالة بحث دائم، الإنسان يعيش واقعه متأرجحًا بين قوة وانكسار، العالم كله بمساراته التاريخية هو تجلٍّ لهذا التأرجح بين هشاشتنا وقوتنا، والخلاص في الانعتاق من الرغبة الدائمة في الاستقرار المزعوم، في المرحلة الأخيرة من كتاباتي، والتي بدأت من مجموعتي القصصية "في بيت مصاص دماء"، مرورًا بروايات "الست" و"تماثيل الجان"، ثم ثنائية "آشا"، لا أبحث عن خلاص بقدر ما أبحث عن معنى للحظة التي أعيشها ويعيشها العالم من حولي، البحث عن المعنى هو الأكثر تعبيرًا عن تلك المرحلة من كتابتي.
(*) الجنون كان المسيطر على الأعمال الأولى من "معراج" إلى "محلك سر"، والآن تسيطر على عالمك فكرة مقاومة السلطة ولو بالخيال، كيف ترين هذا؟
الجنون فكرة تشغلني دومًا، وتلقي بظلالها على كل أعمالي تقريبًا، حالة فقدان العقل، فقد الاتصال بالعالم كأنك تنتمي لعالم آخر، المعاناة الداخلية والخوف من عالم يخاف منك بدوره، وإن كان قد احتل هذا العالم جزءًا كبيرًا من روايتي الأولى "محلك سر"، فإن الفكرة في إطارها الأكبر شغلتني أيضًا في روايتي "تماثيل الجان"، أذكر أثناء كتابة هذه الرواية توقفت كثيرًا، لكنني عدت للكتابة حين قلت لصديق إننا نعيش في عالم ذهاني الهوى، إنه عالم ذهاني بامتياز إن جاز التعبير! ثم انطلقت في الكتابة كأنني وجدت مفتاحي للعالم كما يرويه البطلان؛ الإنسي والجني، ما زال الجنون بأشكاله المختلفة يشغلني وسوف تجد سياقات أخرى له في رواية "آشا: يوم وصول الرجل الأحمر"، أما فكرة مقاومة السلطة فلا أعتقد أنها تحوّل في كتابتي، فلا كتابة تخلو من مقاومة سلطة ما، بطلة رواية "الست" قاومت سلطة مجتمع يضعها في إطار محدد، وقررت أن تعيش وحيدة ولا تشغلها فكرة العنوسة قدر ما يشغلها أن تكون أكثر تماسًا مع حقيقتها وتكتشف أكثر ذاتها، هذا نوع من مقاومة السلطة، كما كانت شخصية دنيا في رواية "تماثيل الجان" المروي عنها تكسر أي سلطة تقف حائلًا بينها وبين رغبتها، حتى لو كان هذا نابعًا من عقد قديمة، وأعتقد أن كل شخصيات رواياتي متمردون بمعانٍ مختلفة ومشتبكون مع السلطة حتى لو انتهى الأمر بالهزيمة، في سياق اللحظة التي اخترتها للسرد، لكنها ليست هزيمة مطلقة، فلا هزيمة ولا انتصار مطلقان. أدرك أنك تقصد حضور الفكرة بشكل واضح في ثنائية آشا، سواء بالمعنى الاجتماعي أو السياسي، لكن هذا من وجهة نظري مجرد تجلٍّ مختلف لا يعني غياب الفكرة في الأعمال السابقة.
(*) كيف تعاملت مع أن الجزأين ربما يُصنَّفان على كونهما روايتين تاريخيتين، خصوصًا وأنك في حوارات سابقة نفيتِ تهمة أنك روائية تاريخية، وكيف أنقذتِ هذا التاريخ بالتخييل؟
سأرد بعبارة رددتها كثيرًا؛ أنا لست مؤرخة، أنا روائية أتعامل مع شخصياتي بنفس الحساسية سواء أكانوا يعيشون في الحاضر أو الماضي أو المستقبل، لكن فهم الشخصيات لا ينفصل عن فهم طبيعة المكان والزمان اللذين اخترت العمل في إطارهما، لذلك كان لا بد من البحث في التاريخ والجغرافيا والتراث وكل ما يتعلق بشخوصي قبل العمل على الكتابة، لكن في النهاية لا يهمني كل ذلك في ذاته، ولم أختر شخصيات مشهورة تاريخيًّا أو معلوم تاريخها بالضرورة حتى تُعد آشا رواية تاريخية، وشخصياتي خرجت من حكايات عائلية عن جدود رحلوا لم يرهم أحد، وربما كانت تلك الحكايات العائلية مجرد خيال لمن رواها، أو هو خيال جمعي مُرِّر عبر الأجيال. وهذا ليس انتقاصًا من الرواية التاريخية، فهناك أعمال أدبية يمكن أن تُصنَّف تاريخية وتناولت شخصيات حقيقية من التاريخ أو مستلهمة عنه، أو فترات تاريخية بعينها، ولم تخلُ من التخييل وزاوية نظر خاصة، بل وإسقاط على اللحظة المعاشة، وإلا لكانت مجرد نسخ من كتب التاريخ.
التاريخ الشفهي النوبي نسوي بامتياز
(*) في "آشا: الجعران والقمر" تبدو المساحة الأكبر مخصصة لسرد تاريخ النساء في النوبة، هل كان هذا دافعًا لهذه الرحلة؟
التاريخ الشفهي النوبي نسوي بامتياز، من السهل أن تجد في الحكايات الشعبية النوبية شخصيات مثل "كري"، البطلة النوبية التي رفضت الزواج من أخيها، وهربت مع صديقاتها من القرية وخاضت مغامرات هزمت فيها كل المخلوقات الخرافية النوبية، وتزوجت الملك بذكائها وشجاعتها وليس لجمالها، حكايات ملهمة بالإضافة إلى حكايات عائلية عن نساء قياديات كان لهن سطوة وحضور، وما لمسته من الحضور نفسه في نساء عائلتي، كل ذلك أكد لي أن المجتمع النوبي القديم كان مجتمعًا أموميًّا، حتى وقت قريب كان يُنسب الابن لأمه حتى يُميَّز عن من يحمل الاسم نفسه، بمنتهى الأريحية، فاسم الأم ليس عيبًا، وأعتقد أن تلك القناعة ألقت بظلالها على الروايتين، لكن الجزء الثاني حطم سردية الجزء الأول في مناحٍ أخرى مثل مصداقية التاريخ سواء أكان شفهيًّا أو رسميًّا، ولعل ما جعل هناك إيحاءً بغياب هذا العالم الأمومي عن الجزء الثاني هو تقنية الأصوات التي غلب عليها أصوات رجال رواة، لكن حضور حكايات الجدة زينب كوتود كان مسيطرًا على رؤية الرجال للعالم.
(*) في الجزء الأول كان هناك راوٍ واحد، بينما في الجزء الثاني يتعدّد الرواة من أجيال مختلفة، أي أن الزمن أصبح متعددًا، لماذا اختلف الأمر بين الجزأين؟
في "آشا: الجعران والقمر" كان هناك راوٍ عليم يمثل راوية نوبية لديها يقين بموروثها الشعبي وترويه بلا ذرة شك في تفاصيل الأحداث ومشاعر الأبطال، إنها ترى كل شيء قد حدث لآشا ولكرم باش بطلي الرواية منذ طفولتهما وحتى لقائهما في صباهما وقصة حبهما وزواجهما وفراقهما، تثق الراوية في كل معارفها، بتفاصيل القرية وعاداتها وتقاليدها وتاريخها وحكاياتها الشعبية، وهذا الارتباط بين ما هو خرافي وما هو يومي، إنها رسول مؤمن بما انتقل إليها وتحاول إيصاله إلى من بعدها، وكنت أنا ككاتبة متمثلة شخصية هذا الراوي العليم، لكن في الجزء الثاني العالم مختلف، في "آشا: يوم وصول الرجل الأحمر" لا يكتفي الراوي الشعبي بما يعرفه بل يتخطاه لمحاولة كشف ما لم يره عبر عدد كبير من الرواة، أشبه بشهود ما حدث منذ فجر يوم وصول القائد الإنكليزي إلى قرية الشباك وحتى انتهاء الأحداث في أول ليل ذلك اليوم، رواة من أجيال مختلفة ينظرون إلى الحدث وما يحيلهم إليه الحدث في الماضي، في لحظة خطر تفجر الشك في كل شيء، حتى فيما هو موروث ويومي، وتستدعي أكثر من وجهة نظر. ببساطة اختلف أسلوب الرواية لأن العالم مختلف، ما بين رواية بناء لسردية تاريخية ورواية هدم لتلك السردية وبناء سرديات أخرى. أعتقد أن هذا ما يحدث في تاريخ العالم، وفي كل المجالات، سرديات نتعامل معها باعتبارها حقيقة دامغة، ليأتي جيل آخر لينسف تلك السرديات ويكتب سرديته الخاصة.
مع بداية الحرب في غزة أعلن الغرب عن وجهه القبيح
(*) يبدو المسيطر على عالم رواية "آشا: يوم وصول الرجل الأحمر" محاولة الفكاك من السلطة، سواء كانت سلطة التاريخ الشفهي أو سلطة الاستعمار، لماذا رغبتِ في هذا؟
مع بداية الحرب في غزة، أعلن الغرب عن وجهه القبيح، وبدأ استعمار هذا العصر يعبّر عن نفسه من خلال تصريحات المسؤولين الأميركيين، والتي بدت معبّرة تمامًا عن رؤية قديمة لا تتغير، ترى ما عداهم مجرد حيوانات بشرية. نظرة تحكمها مصالح استعمارية مباشرة حتى إن تغيرت آلياتها، مع مرور الوقت وتأكد تلك النظرة أصبحت حكاية جدي الذي سلّم نفسه للقائد الإنكليزي فداءً لأبيه العجوز، ليتلقى سياط المستعمر الإنكليزي بدلًا منه، تسيطر عليّ، لأجد أن تلك هي اللحظة المناسبة لخروج تلك الحكاية. الرجل الأحمر، كما رآه أهل القرية البسيطة، التي لم يزرها من قبل رجل أبيض بوجه أحمر، كان يحمل في أواخر القرن التاسع عشر نفس النظرة المتعالية التي يحملها قادة عصرنا، لم يكن هناك تواصل بين الماضي والحاضر أكثر من ذلك، كأن هناك بوابة زمنية فُتحت أمامي تصل بين حكاية من طفولتي وبين اللحظة المعاشة، وحتى عجز أبناء القرية الصغيرة لا يفرق شيئًا عن عجز عالم بأكمله.
(*) تحضر السلطة بمعناها التقليدي كالاستعمار أو القوة التي توكل إلى فرد ضد جماعة في الجزأين، وكأنها اللاعب الأكبر في تغيير التاريخ النوبي، كيف ترين هذا؟
أبحث في تاريخ النوبة منذ سنوات، وكان هناك سؤال مسيطر: كيف لجماعة بشرية عُرفت في العصر الحديث بالمسالمة والطيبة أن يكون تاريخها القديم بهذا العنف؟ كيف لمنطقة لم يستطع الاحتلال، ممثلًا في رومان وعرب وغيرهم، التوغل جنوبًا لقوة النوبيين، رغم سيطرتهم على مصر في مراحل ضعفها، إلى حد لجوء الرومان والعرب إلى عقد اتفاقيات مع النوبيين؟ فكيف وصل النوبيون إلى هذا الضعف، حتى إنها أصبحت معبرًا سهلًا للمماليك وغيرهم؟ كنت أبحث عن لحظة تحول ما، ولأنني لست مؤرخة فأعملت خيالي بناءً على ما قرأته من تاريخ، فكانت معركة جزيرة فيله مرحلة مفصلية بالنسبة لي، فرماة الأحداق، كما وصف العرب النوبيين، الذين أوقفوا تقدمهم في الجنوب وعقدوا معهم اتفاقية البقط لعدم استطاعتهم دخول الأراضي النوبية بقوة السلاح، الذين قهروا الرومان في نفس توقيت هزيمة كليوباترا، واجهوا أسلحة الفرنسيين الحديثة في موقعة فيله، والتي كانت في الأساس بسبب المماليك المحتمين بالجزيرة، وانهزم النوبيون آنذاك، وهناك تقديرات لعدد كبير من القتلى قد يمثل ثلث أعداد النوبيين آنذاك، كل ذلك في سرديتي المتخيلة أحدث تحولًا في الشخصية النوبية، من شخصية مقاتلة إلى شخصية مسالمة، ليس هناك كتابات تاريخية مؤكدة في هذا الشأن، لكن هذه سرديتي الخاصة. في "آشا" نبدأ من بعد هذه المرحلة، نبدأ مع مجتمع مسالم بالفعل، يحمل ميراثًا من الخوف من مخلوقات خرافية، ويعتبر أي غريب هو بالضرورة مخلوقًا شريرًا.
(*) أثناء قراءة الجزأين، كانت الشجرة العائلية قد امتدت من الجزء الأول إلى الثاني، وهذا ربما يُطلق عليه الحس المحفوظي نسبة إلى نجيب محفوظ وعمله الخالد "الحرافيش"، هل فكرتِ في هذا أثناء الكتابة؟
الحقيقة لا، لم أفكر في كتابة رواية أجيال بالحس المحفوظي، الجزء الأول يدور في النصف الأول من القرن التاسع عشر، تحديدًا من 1813 حين وُلدت آشا في نفس العام الذي زار فيه المستشرق بوركهارت النوبة، وحتى بلغت آشا خمسة عشر عامًا، لكن في الجزء الثاني تدور كل الأحداث في يوم واحد في عام 1898 أثناء معركة توشكى بين جيش المهدي القادم من السودان ضد الخديوي والإنكليز، لم أتخذ التتابع الطبيعي للأجيال المعتاد. أنا مغرمة بمحفوظ كقارئة، لكنني لا أرى نفسي ككاتبة ابنة مخلصة له.
(*) يبدو المكان تخييليًّا في العملين وكأن القرية لا وجود لها، هل تعمدتِ ذلك؟
المكان تخييلي بالتأكيد، فرغم أن قرية الشباك هي قرية حقيقية من قرى النوبة القديمة، وعائلتي تنتمي إلى هذه القرية التي تحمل اسم "الجنينة والشباك" في قرى التهجير بالنوبة القديمة، لكنها لم تعد موجودة بصورتها القديمة، واعتمدت على وسائل مختلفة لتخيله كما كان في الواقع، خرائط وقياسًا مع قرى أخرى مجاورة أكثر شهرة، ومحاولة لفهم طبيعة القرية الجغرافية واختلافها عن القرى على الضفة الأخرى لاختلاف تربتها، وشهادات لكتاب عاصروا النوبة القديمة، وهكذا فهي خيالية بشكل ما، رغم كل بحثي عنها لم أجد أي سيرة لها سوى في كتاب رحلات بوركهارت في النوبة والسودان بشكل عابر، وللمصادفة فحكاية بوركهارت مثيرة للخيال، حيث زار القرية ولم يجد بها أحد، كانت البيوت مفتوحة ومكتملة بأثاثها وبقايا الطعام والمشرب وكل ما يدل على أن هناك بشرًا كانوا يعيشون فيها، لكن لا أثر لهؤلاء البشر، ومر بوركهارت من المكان كأنه قد مر بقرية مسحورة! من هنا شعرت أن كل شيء يقودني إلى التخييل، ليس فقط ملء حكايات عائلتي المبتورة، بل حتى ما قرأته عنها وما سجلته من شهادات، كل ما يتعلق بها مثير للخيال وللتفكر.
(*) عادةً لا ترحب المجتمعات الثقافية العربية بكتابة عمل على جزأين، كيف فكرتِ في هذا أثناء كتابة الجزء الثاني؟
لا أكتب تحت ضغط أي حسابات خارج العالم الذي أبنيه، فلم يعنني ما هو مستقر بالضرورة في المجتمع الثقافي العربي، أدرك أن فكرة الثلاثية هي الأقرب للأذهان، وبالفعل نصحني أصدقاء أن أترك نهاية الجزء الثاني مفتوحة حتى أستطيع كتابة أجزاء أخرى، لكنني لم أتحمس لذلك، هناك بالطبع عوالم كثيرة خرجت من عالم آشا وتتشكل في ذهني، لكنها لن تحمل نفس العنوان، ولن تكون محملة بنفس الهواجس، وقد أكمل السرد يومًا ما مع بعض الشخصيات بأساليب أخرى.
(*) "النهاية مختلقة، رتقتها الراوية كما شاءت، لكيلا تبقى الندبة ندبة، نجعلها في الحكايات وسامًا، أما أنا فأعرف أن سكان القصور في الشمال البعيد لا يهتمون كثيرًا بسكان قرية منعزلة في الجنوب، إلا حين يكون هناك خطر قادم من الجهة الأخرى"... تقع النوبة في جنوب مصر، ورغم وجود أدباء تناولوا عالمها من أصل نوبي، إلا أن الكتابة كانت تتحرك من المركز في القاهرة، كيف ترين ما يُطلق عليه الأدب النوبي في خريطة الأدب المصري؟
مصطلح الأدب النوبي يرتبط بالكتابة المنشغلة بهاجس التهجير ومعاناة النوبيين، وارتبط أكثر برواية "الشمندورة" للأديب والمناضل محمد خليل قاسم، وهي روايته الوحيدة لكنها الأكثر تأثيرًا على جيل من الكتاب، وهم يحيى مختار وإدريس علي وحجاج أدول وحسن نور، رغم اختلاف عوالم الكتاب الأربعة، ففي حين كان يحيى مختار ملتصقًا بالحلم النوبي المغدور، وعوالمه كلها تقدم النوبة كجنة مفقودة، فإن إدريس علي كان يقدم النوبة كما عاشها في قرية فقيرة كواقع كابوسي، لكن حجاج أدول انفك عن هذا كله بتقديم النوبة الأسطورية من خلال قصص حب أحيانًا وعالم ساخر أحيانًا أخرى، كما أنه كان أكثر ارتباطًا بمدينة الإسكندرية حيث وُلد وعاش، فلم يعش طفولته في النوبة مثل يحيى وإدريس، ولم أقرأ لحسن نور كثيرًا، لكنه فيما قرأت قدم النوبة بشكل كلاسيكي أشبه بأدب القرية كما قُدِّم في الأدب المصري، لكن هذا كله لم يحظَ بموقعه الطبيعي في الأدب المصري، أو بالأحرى الأدب العربي، فمن وجهة نظري الأدب يُنسب للغته، فكان في تصنيف الأدب وفقًا لموضوعه ظلم كبير لتجارب هؤلاء الكتاب، في جيلي والأجيال التي لحقت بي كتاب من أصول نوبية يعيشون في مدن تحمل هواجسها، ولا يحملون نفس الهم والهاجس المرتبط بالتهجير وحلم الجنة المفقودة أو الواقع الكابوسي.
(*) هناك انشغال واضح في العملين بين الخيال والحقيقة واضطراب ذاكرة الأبطال بينهما، وكأن هناك رغبة في تحطيم الذاكرة الجماعية، هل تتفقين مع ذلك؟
مساءلة الذاكرة، سواء الشخصية أو الجماعية، تشغلني. ما تحمله ذاكرتنا على أنه واقع ربما يكون مجرد تخيلات تراكمت عبر السنين وأزاحت الواقع لتحل محله. في روايتي الأولى كنت أسائل ذاكرة الطفولة وأعرضها للاختبار، وفي روايتي الأحدث كانت الذاكرة الجمعية محلًّا للبناء والهدم ثم إعادة البناء.


تحميل المقال التالي...