خلف مي مسيرة حافلة من الباليه المُتَدفق على وقع الموسيقى والكلمة/ القصيدة، وصلاةٍ خاصة.
هنا حوار مع مي بعد عقود من صمتٍ وتأمل وتحوّلات نحو التنسّك الروحاني.
(*) من أنت؟
وُلدت في مدينة حلب. أبي جوزيف وأمي ريتا. نحن ثلاث إناث وذكر واحد. نشأت في حلب وتلقيت تعليمي وأخوتي في مدرسة الفرنسيسكان. إلى هذه المدرسة كانت تأتي من بيروت كل شهرين معلمة رقص الباليه تعطينا دروسًا في هذا الفن الذي أحببته كثيرًا من حينها، وامتهنته لاحقًا، وصار اسمي مي شلحت راقصة الباليه المعاصر. في حلب عشت في بيئة خليط من طبقة برجوازية من مسيحيين ومسلمين، وتميزت بالانغلاق. كنا نذهب إلى نادي حلب والمسبح ضمنه. فلم نكن نعرف حلب المدينة الجميلة إلا في أواسط ثمانينيات القرن الماضي عندما زرتها وبقيت فيها لمدة عام. عشقتها وعشقت أحياءها وقلعتها. أما بالنسبة لتعلم الرقص فكان أهلي من المشجعين لأن بدت عليَّ ملامح هذه الموهبة. ولكن كل شيء توقف عام 1961 بعد إعلان الوحدة بين مصر عبد الناصر وسورية.
(*) ولهذا السبب أتيتم إلى لبنان؟
أتينا إلى لبنان عام 1965، بعد أن حصل تأميم المؤسسات والشركات الاقتصادية في سورية عام 1963 بقرار من حزب البعث. والدي كان يملك معمل نسيج قماش البروكار (البروكار الدمشقي أعرق أنواع الأنسجة ويتميّز بجمالية خاصة) وقد ورثه عن والده. حصل التأميم ليلة رأس السنة. كنا نسهر في نادي حلب. أهلي وأخوة والدي باستثناء واحد منهم بقي في منزله. فجأة سمع خبر قرار التأميم عبر الإذاعة مع ذكر أسماء المُؤَمَّمة مؤسساتهم، ومنهم والدي وأخوته. فسارع عمّي إلى النادي لنقل الخبر. طبعًا والدي تفاجأ وانصدم. قام وسارع إلى حيث المعمل كمحاولة لإنقاذ البضائع، لكن قرار تنفيذ التأميم سبق إعلان النبأ عبر الإذاعة، إذ عمدوا إلى لصق شارة الشمع الأحمر. عاد والدي وأخوته إلى البيت. بعد تلقي الصدمة ناقش وأخوته قرار الانتقال إلى بيروت حيث كان للمعمل فرعٌ فيها. ولكن كان قراره أيضًا بالتريث كي يتم نقل مفروشات البيت وأغراضه الثمينة والنادرة من لوحات وأدوات من الفضة الأصلية والسجاد... إلخ. وفي عام 1965 انتقلنا إلى بيروت، وأقمنا في محلة بدارو قرب مدرسة الفرنسيسكان والتي صارت مدرستنا وأخوتي.
(*) وهل تابعت دروس رقص الباليه هنا في بيروت؟
نعم تابعت تلقي الدروس، ولكن انتقلت من المعلمة ليزيت دامسيس إلى مَدْرَسة راقصة الباليه الشهيرة جورجيت جبارة في شارع الحمرا. جورجيت كانت صديقة لموظفين في السفارة الأميركية، وصودف حينها مجيء فرقة آلفين آلي من نيويورك للرقص في مهرجانات بعلبك، فحصل اتفاق مع جبارة أن يعطينا آلفين دروسًا في الرقص مرتين في الأسبوع. وكان هذا واحدًا من أساليب الرقص التي تتقنها الفرقة، وتنتمي إلى مدرسة مارتا غراهام الأميركية مُطوّرة الرقص المعاصر. أثناءها شاهد آلفين أدائي فطلب مني أن أحضر إلى بعلبك لمشاهدة تدريبات فرقته قبل العرض. وهكذا ساعدني بتقديم تأشيرة دخول سياحية إلى نيويورك وتأمين منحة نَشَرت خبرها صحف تلك الأيام. وقال لي هناك: أطلبي من مدرسة مارتا غراهام مساعدتك في تأمين إقامة. وهذا ما حصل، وبقيت لمدة سنة في مدرستها أتلقى دروسًا في رقص الباليه المعاصر. وبذات الوقت تابعت الدروس عند آلفين آلي.
(*) كيف بَدَت لك نيويورك؟
عشت سنة في نيويورك. لم أحبها. مدينة "ثقيلة". ولكني تابعت الدراسة في الرقص ومشاهدة كل عروض الباليه في المسارح. وتعلمت كلمات بالإنكليزية للمتابعة اليومية. أشير هنا إلى أن موافقة أهلي على الذهاب إلى نيويورك سببها وجود أخوين لوالدتي هناك، ويسكنان على مسافة قريبة من المدرسة.
(*) لنعُد إلى زمن انتقالك وأهلك إلى بيروت، ودخولك مدرسة الفرنسيسكان؟
كنت في الصف الأول الثانوي، لكنني لم أنجح، فانتقلت إلى مدرسة التجارة التابعة للفرنسيسكان. فيها درست سنتين ونلت الشهادة. وكنت أتابع دروس الباليه. ذات يوم كنت عند نورا ابنة خالتي في محلة الريفييرا قبالة البحر، فاقتربت مني نسوة مسؤولات بمؤسسة الأرتيزانا اللبنانية، وسألوني إن كنت أوافقهم المشاركة في عروض أزياء فولكلور لبناني سيقام في الكوت دازور في مدينة كان/ فرنسا. سألت أهلي ونلت موافقتهم، وكذلك شجعتني معلمتي وقالت لي: اذهبي إلى هناك، واستفيدي من مدرسة روزيللا هايتاور الأميركية، وكانت قد افتتحت مدرسة لتعليم الباليه في فرنسا. ولكن بعد أيام تلقيت اتصالًا من مسؤولة في الأرتيزانا تقول إنهم ألغوا مشاركتهم. ومع ذلك أصرّت معلمتي على ذهابي ولو لمدة شهر. وهنا برزت مشكلة الحصول على موافقة أهلي!
(*) وكيف أقنعتهم؟ هل كنت تستشعرين التمرد الداخلي؟
رفضوا. ولكنني قررت أن أعمل وأتولى مصروفي بنفسي، وأن أبيع إسوارتي الذهب، وعندما علم أهلي بذلك اعترضوا بشدة، ورفضوا فكرة أن أعمل بالتدريس في مدرسة صيفية، أو أن أبيع من مقتنياتي من الذهب لتأمين شراء تذكرة السفر. فكان أن اشتروا التذكرة مع شرط أن أعود بعد شهر، لكنني ذهبت إلى مدينة كان الفرنسية وعلقت هناك في متابعة دروس الباليه المعاصر. هناك تعرفت إلى طالبة باليه من سويسرا، شجعتني أن نعمل في خدمة عائلتين لتأمين مصروفنا. ولكي أقنع أهلي بالبقاء قلت لهم إنني حصلت على عمل سكرتيرة مدير مع أنني "مش خرج". مرّت علينا سنة، انتقلنا للعمل في فندق. زميلتي السويسرانية منفتحة الشخصية، وأنا شخصيتي انطوائية ولا أجيد الكلام.
(*) وربما هذا جعلك أكثر قدرة على التعبير بحركات الجسد، وانفعالاتك الداخلية؟
من خلال التدريبات اليومية، ومن مدارس الباليه المتعددة، وتأثري بالكوريغرافيات اللاتي خلقن الرقص أمثال إيزادورا دانكن، ومارتا غراهام، ودوريس همفري، وماري فيغمان. ولكن غراهام علمتني أسرار اكتشاف التعابير المتحررة في الجسد. ومن الباليه الكلاسيك انتقلت عندها إلى الباليه المعاصر الذي يتيح خلق الحركات بمرونة أكبر وانفعال داخلي روحي أوسع. لا يمكن لراقص الباليه المعاصر أن يخلق أداءه من دون توترات الداخل الروحيّة فيه.
(*) بقيتِ في كان؟
في كان انتقلنا من العمل عند العائلتين إلى العمل في الفندق في فصل الصيف. وذات يوم، اتصلت بي المسؤولة في الفندق تطلب مني النزول إلى البهو، وكنت أرتدي "مريلة" التنظيفات وأحمل المكنسة بيدي، وإذ أرى عمي شقيق أبي وزوجته. وهنا برزت عقبة جديدة، واعتراض أشد بأنه لا يحق لابنة عائلة شلحت البرجوازية أن تقوم بمثل هذه الأعمال.
(*) متى عدتِ إلى لبنان؟
عدت عام 1974، ولكن بعد بدء الحرب عام 1975 عدت إلى باريس بعد وفاة زوجي توفيق مجدلاني. في باريس أقمت عند صديقتي تينا، ثم انتقلت إلى جنيف عند صديقتي السويسرانية وبقيت ثلاث سنوات في مدرسة الباليه خاصتها هي وزوجها. بعد ذلك اتخذت قراري بالعودة إلى بيروت رغم الحرب. كان قرارًا بالحدس لا بالعقل. وفي محلة فرن الشباك في بيروت بدأت العمل في نادي الأخوين سعادة، ثم في تعليم الرقص في مدرسة "مون لاسال" عين سعادة. وبعدها ساعدني أهلي بشراء شقة في محلة أدونيس (شرق العاصمة بيروت) حيث أقمت وبدأت بتعليم الرقص.
(*) وماذا عن الأنشطة المرتبطة بعناوين ثقافية والتي قمت بها؟
في مدرستي في محلة أدونيس رقصت على إيقاع قصيدة للشاعر أنسي الحاج (1937-2014)، وبحضوره ونخبة من أهل الثقافة والصحافيين. ثم أدّيت رقصة صممتها على إيقاع قصيدة "الأعمى" للشاعر يوسف الخال (1917-1987) وبحفل تكريمي له، وعلى وقع موسيقى مغربية. أدّيت الرقص بمفردي، وكانت الموسيقى تتميز بوقع حوافر الخيول وقرع الطبول. كانت محفّزة لدواخلي بالتعبير الجسدي الحر.
(*) لاحظت أنك ترتدين التنانير الطويلة في رقص الباليه، وليس الكلاسيك منه؟
التنورة الواسعة والطويلة تساعد في تحرر الحركات، وتضفي على مشهدية الأداء تموجات بصرية.
(*) هل كانت من باب الاستعراض و"التشاوف" الاجتماعي من كان يأتي بأولاده إلى مدرستك لتعليمهم هذا الفن أم كانوا يمتلكون هذه الثقافة؟
قلة من كانوا يتابعون.
(*) سؤال على صلة بسؤالي هذا: هل التقيت طلابًا من دول عربية يتعلمون رقص الباليه
كلا ولا مرة. فقط من لبنان وبعدد أقل من أصابع اليد الواحدة.
(*) هناك تقصير في تقديم ثقافة هذا الفن الراقي؟
صحيح. هناك تقصير إعلامي. كانت الفرق الخارجية تأتي للمشاركة في المهرجانات الدولية في لبنان. أما الفرق المحلية فلم تحصل على ذلك. هناك نظرة مختلفة لدى اللبنانيين تجاه الخارج "بيعملوا له قيمة أكتر". مع ذلك كان لي حضور في بعض وسائل الإعلام المحلية.
(*) هل تعتبرين نفسك راقصة باليه عالمية؟
كلا.
(*) ما هي شروط العالمية في مجالك؟
لكي تصبح راقص باليه عالمي عليك أن ترقص في الخارج.
(*) هل أقمت حفلات رقص باليه في الدول العربية؟
كلا.
(*) هل زرت موسكو ومسرح البولشوي العريق بالباليه؟
كلا ولا مرة، لأن كثيرين من الروس كانوا موجودين في تعليم الباليه في أوروبا. كما أن مدرسة الباليه الروسية كلاسيكية فقط، وأنا أتابع المودرن.
(*) بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان كيف استأنفت عملك، ومتى اعتكفت عن تقديم الحفلات؟
قدمت قليلًا من الحفلات، واحدة منها أديت شخصية كاميل كلوديل (نحّاتة فرنسية)، وأدت تلميذة راقصة شخصية حتشبسوت الفرعونية، وفي عرض آخر أديّت شخصية أولامب دو غوج التي عاشت مرحلة الثورة الفرنسية وأول امرأة فرنسية طالبت بحقوق المرأة. أيضًا شاركت في مهرجانات دير القمر، وأخرى على مسرح بيروت. تعليمي للرقص وموهبتي خلقت عندي أسلوبي الخاص في الأداء المنفرد المحترف بكل إحساس مرهف.
(*) أية مدرسة باليه أحدثت تطورًا على الصعيد العالمي؟
أميركا أحدثت تطورًا في رقص الباليه المعاصر.
(*) ومن الأشهر في التأسيس: روسيا أم أوروبا؟
روسيا، ولكن القدير كان الفرنسي/ الروسي ماريوس إيفانوفيتش بيتيبا (1818-1910) ويعتبر الأكثر تأثيرًا في تاريخ فن الباليه إذ ترأس مدرسة الباليه الامبراطورية في سانت بطرسبورغ.
(*) كيف تمضين أوقاتك؟
أقرأ كثيرًا.
(*) في ميزان الربح والخسارة أين تجدين نفسك؟
ربحت تجربتي في الرقص وتقديم ما هو جميل وراق في أدائي التعبيري. كنت أشعر خلال العروض أنني بين الصلاة والتأمل الروحاني. نسيت السلبيات بعد كل هذه التجارب في الحياة، وتخطيت شعور الألم البشري.


تحميل المقال التالي...