"أنا إنسانة تحاول أن تلتقط أنفاسها، وتمنح الآخرين مساحة للتنفّس والتفكير من خلال الكلمة والصورة"- هذا ما تقوله لنا الكاتبة والفنّانة البصرية الشابّة بيسان نتيل، المولودة في مدينة غزّة عام 1996.
درست صاحبة "ذاكرة العدوان" علم النفس في جامعة الأزهر بغزّة، وهي تركّز في مشروعها الإبداعي على التقاطع بين الأدب والفنّ المعاصر، من خلال استلهام التجربة الفلسطينية وذاكرة المكان وكيفية تفاعل الإنسان معه. وهي تعمل على تطوير مشاريع أدبية وفنّية توثّق الغياب والذاكرة في سياق الحرب والنزوح، بما في ذلك أرشيف بصري لمدينة غزّة قبل العدوان الأخير المستمرّ منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023.
ضيفتنا في هذا الحوار نشرت عدّة أعمال أدبية وفنّية من بينها: "لونا الفتاة المجنونة"، قصّة للأطفال (2022)؛ و"بيتنا شجرتنا"، مشروع أدبي وفنّي مشترك مع شقيقتها الفنّانة التشكيلية مجدل نتيل (2024)؛ و"كيف نعيد بناء الحكاية؟" (2025) وهو كتاب يجمع ملاحظات ميدانية وسرديات من فترة النزوح إلى جنوب غزّة. كما يتضمّن شذرات من حياة الكاتبة نفسها، خصوصًا تأمّلاتها حول الحدود ووطنٍ مثقلٍ بالحواجز.
وآخر إصداراتها كتاب "ذاكرة العدوان" (2025)، وهو توثيق لكيفية إعادة الحرب في غزة تشكيل الحياة اليومية، وإعادة تعريف الروابط الاجتماعية والعائلية، وإعادة تكوين الصمود المجتمعي في مواجهة العنف الإسرائيلي والمحو.
في الحوار التالي، تأخذنا بيسان نتيل إلى عوالمها الإبداعية في زمنٍ فلسطينيٍ يقاوم الاقتلاع والمحو والإلغاء، ويثبّت حضوره في المشهد الإنساني والحضاري والثقافي الكوني.
(*) بداية، أودّ أن يتعرّف قرّاؤنا على الكاتبة والفنّانة بيسان نتيل؟
هذا السؤال بالنسبة لي صعب؛ لأنّني أكون مشوشة أحيانًا، ولا أعرفني جيدًا لأعرّف عني. ربما أنا طفلة الأمس التي كانت تهرب من "تلقين" الواقع وجفافه إلى الخيال، وامرأة اليوم التي تبحث في كل ما تفعله عن طرق للتعافي، والنجاة، ومقاومة المحو.
نشأتُ في عائلة تهتمّ بمجال الفنّ والأدب، حيث الكلمة والصورة هويتان متلازمتان في بيتنا، ومن هذا المزيج شكّلتُ أدواتي؛ أتحرّك بقلبي وعقلي معًا.
درستُ علم النفس في جامعة الأزهر، وأحمل حلمًا بأن أكمل مسيرتي التعليمية، وهذا التخصّص منحني أيضًا مساحة واسعة للتأمّل والتفكير. وفي ذات الوقت، أنا كاتبة وفنّانة بصرية أدرّب صوتي الكامن في داخلي على الاختلاط بأصوات الآخرين، لنوثّق معًا حكاياتنا، ونعبّر عن وجودنا، ونؤكّد للعالم أنّنا لسنا وحدنا على هذه الأرض.
(*) لكلّ كاتب/ة حكايته/ها الحميمة مع النصّ الأوّل، ماذا عن خطوتك الأولى في عالم الكتابة؟ ومن هو ملهمك الأوّل؟
كانت الكتابة بالنسبة لي هي الصوت الذي عجزتُ عن إخراجه عبر الحديث العادي. بدأت هذه الرحلة منذ طفولتي؛ كنتُ أحاول دائمًا أن أحكي لوالدي ووالدتي عن الأشياء التي تحدث معي خارج محيط الاسرة، في المدرسة وفي الشارع. كان ذلك الصوت خافتًا وخائفًا طوال الوقت، لكنّه كان يحاول أن يستجمع قوّته عبر رسالة أو قصّة متخيلة أكتبها.
دائمًا ما كنتُ أهرب من الواقع إلى الخيال، ليس بحثًا عن العزلة، بل لأجد طريق العودة إلى ذاتي. أما ملهمي الأوّل فهو البيت، والبيئة التي نشأتُ فيها، والقصص المخبأة في تفاصيل شارعنا وبيتنا.
أكتب للطفلة التي في داخلي
(*) لماذا قرّرتِ أن تكوني كاتبة قصص وحكايات للأطفال؟ وهل الكتابة لهذه الفئة مرهقة إبداعيًا، تحت وطأة حرب وحشية طويلة ومعقّدة؟
لم يكن الأمر قرارًا، بل كان انحيازًا للخيال. أولى قصصي "لونا المجنونة" كتبتها قبل الإبادة، وكانت حالة من التأمّل في أسئلة الأطفال حول ما يدور حولهم. بنتا أختي، "أمل" و"نيروز"، كانتا تشدّانني دائمًا نحو الطفلة المجروحة القابعة في داخلي، والتي تبحث مثلهما عن إجابات لمخيلتها التي يُفرض عليها "التلقين"؛ والتلقين هو أبشع ما يمكن أن يواجه الإنسان، لأنه يصادر حقّ المخيلة في البحث.
كانت تلك القصّة رحلة شفاء داخلي رفقة بنتي أختي، كنتُ خجولة جدًا وخائفة من أن تكون تجربتي ركيكة، فطلبتُ من صديقي خضر سلامة (الذي كان يعمل في وحدة النشر) ألّا يضع اسمي عليها، رغبةً في التعلّم وتوجّسًا من مخيلتي. لاحقًا، تفاجأت باتّصال من مدير المؤسّسة أحمد عاشور يخبرني فيه أنّهم يبحثون عن كاتب القصّة طوال الوقت، من دون أن يعلموا أنّني أنا الكاتبة؛ وأنا أعمل معهم في ذات المؤسّسة "تامر للتعليم المجتمعي"!
لذا، قبل أن أكتب لأيّ طفل، كان عليّ أن أكتب للطفلة التي في داخلي. وعندما كتبت قصّة "البيت شجرتنا"، كنت أريد أن أطمئن تلك الطفلة الخائفة، ألّا تعود إلى بيتها المتروك بين نزوح ونزوح، وهي تعيش اليوم بيومه بدون معرفة القادم. لطالما ارتبطتُ بالأشجار التي زرعها والدي، وتحديدًا النخلة المطلّة على شرفة منزلنا، والتي كنت أحضنها قبل مغادرتي. كان والدي يقول دائمًا: "الأشجار تسمعنا وتشعر بنا، لذا علينا أن نتحدّث معها". لهذا، وفي غمرة بحثي عن "الأمان"، كنت أشعر أنّ الشجرة تمدّ أغصانها لتحتضنني. في رحلة النزوح، التقيت بأطفال لديهم هذه العلاقة الحميمة مع الشجر والأرض، كونهم مزارعين من شرق دير البلح، وكانوا يصفون مشاعرهم بذات الدفء والارتباط.
هذه المساحة ليست مرهقة إبداعيًا، بل هي مرهفة إلى أبعد حدّ. إنّها تخرجك من واقعك القاسي لتتخيل واقعًا أفضل، وهذا يساعدني على التقاط أنفاسي لأستطيع تقبّل الألم الحالي والشفاء تدريجيًا. الأمر يشبه تمامًا المريض الذي يحتاج إلى جراحة؛ يعطيه الطبيب مخدرًا حتّى لا يشعر بالألم، وعندما يستيقظ سيشعر ببعض الوجع، لكنّه يزول تدريجيًا حتّى يتعافى. هذا ما تفعله القصّة بي وبهم؛ إنّها لحظة تأمّل حساسة تصبح فيها الطفلة قادرة على تحريك ذاتها والتعبير عنها بدون أن تُستنزف.
(*) كيف تنظرين إلى الجمع بين مواهب عدّة؛ الكتابة، وتوثيق الشهادات، والتصوير، وتنسيق المجموعات الشبابية وسط أنقاض الحرب، فضلًا عن تخصّصك في علم النفس؟
كلّ ما أفعله هو أنّني أتحرّك بقلبي إلى حيث يرشدني عقلي. يصبح الأمر معقّدًا ومجهدًا أحيانًا، خاصّة عندما أتعامل مع فئات حساسة في ظلّ وضع إنساني واجتماعي مركّب تحت وطأة الاحتلال؛ ولا يمكنني وصف ذلك سوى بأنّه "مرهق" حقًّا.
الكتابة بالنسبة لي هي الصوت الكامن في داخلي، والذي أدرّبه باستمرار على الاختلاط بأصوات الآخرين. هذا ما اكتشفته في نفسي خلال فترة الإبادة، وأنا أجمع قصص الأطفال لأحافظ على سردياتهم، في الوقت الذي كانت فيه أصواتهم تتقاطع بعمق مع ذاكرتي وذكرياتي الشخصية. أمّا التنسيق وقيادة المجموعات الشبابية، فهو طريقتي في العمل بالمجال الفنّي والإبداعي؛ أستمع للأطفال والشباب، ونفكّر معًا في القضايا المحيطة بنا، وكيف يمكننا من خلال دوائرنا الصغيرة أن نتحرّك لنكون جزءًا فاعلًا في المجتمع. كنت أقول لهم دائمًا: "نحن لا نملك عصا سحرية نغيّر بها واقعًا أكبر منّا بكثير، ولكن مجرّد وجودنا هنا واستماعنا لبعضنا البعض كافٍ لنشعر أنّنا لسنا وحدنا".
نحن نتشارك الأفكار، المشاعر، اللغة، اللون، الصوت، وحتّى الصمت... لنعبّر عن ذواتنا ونؤكّد وجودنا الفلسطيني على هذه الأرض. إنّهم يحاولون محونا، ولكن عندما نكون معًا، يصبح هذا المحو مستحيلًا. لهذا السبب، تحتفظ القصّة الفلسطينية بخصوصيتها؛ جدتي كانت تحكي عمّا حدث معها في النكبة، ونحن اليوم نحكي أيضًا... فعل الحكي هو التأكيد الأسمى على محاولات النجاة رغمًا عن المحو.
(*) بالنظر إلى تجربتك الشخصية، ما هو منظورك إلى ترابط العلاقة بين الأدب والفنون البصرية المعاصرة، وأثر ذلك في تكوينك؟
نشأتُ في بيت يجمع بين الأداة البصرية والأدب بشكلٍ طبيعي؛ أخي يوسف مصور ومنتج أفلام، وأختي مجدل وزوجها فنّانان تشكيليان، ووالدي يُحبُّ تجريب كلّ أنواع الفنون طوال الوقت، ما بين التصوير والأدب والنحت، ووالدتي كذلك قارئة مهتمّة بالثقافة.
الأدب والفنون البصرية هما جزء لا يتجزأ من هوية عائلتي وتكويني الشخصي؛ لذا لا أراهما حقولًا منفصلة، بل حلقات متواصلة ومترابطة يكمل بعضها بعضًا لترسم الملامح الكاملة للحكاية.
الواقع فرض عليّ أن أسرد الإبادة وتفاصيلها
(*) أتوقّف معك عند كتابك الجديد "ذاكرة العدوان"، الذي أصدرته "دار طباق" في رام الله، ضمن مشروعها "يوميّات غزّة". ما هي تفاصيل رحلتك مع هذا الكتاب؟
كنتُ أكتب لأترك صوتًا حيًا يتحدّث مع الآخرين عمّا يحدث هنا والآن. أتحدّث فيه عن صراعات الذات مع كلّ ما تفقده، وعن الصراعات الاجتماعية وكيف يُعاد تشكيلنا وفرض هويات جديدة علينا في ظلّ النزوح والإبادة.
كتبتُ هذا الكتاب لأذكّر ذاتي بوالدي ووالدتي قبل الحرب، لأتذكّر بيتنا، وخصوصيتي، ووجودي الأوّل. إنّه توثيق لكيفية تقاسمنا للحياة، وتفاصيل البقاء اليومية في ظلّ النزوح المستمرّ.
(*) صدر لك حتّى الآن أربعة كتب، بالإضافة إلى عشرات المقالات. ورغم ويلات الحرب لا تتوقّفين عن الكتابة. فإلى أيّ مدى تؤمنين بالكتابة عزاءً وخلاصًا في زمن حرب الإبادة ما بعد الهمجية؟
الكتابة جزء من تشكيلي الكياني والإنساني؛ كنت أقول دائمًا: "أكتب لكي أحيا". قبل هذه الحرب، كنت أتمنى أن أكتب بمخيلة خصبة للحياة، وأن أكون كاتبة روايات وقصص إنسانية واسعة، إلّا أنّ الواقع فرض عليّ أن أسرد الإبادة وتفاصيلها.
أنا أكتب الآن لأجل صوت جدتي "يسرى" التي ماتت وهي تحكي عن بلادها (المجدل-عسقلان)، أكتب لأجل صديقي وأخي الصغير الشهيد محمد سامي قريقع، ولأجل خالي "عدنان"، وزوجته "ليلى"، وابنته "وسام" وأطفالها وزوجها... لأجل زوجة خالي "نيفين" وابنها "أحمد"، ولأجل كلّ الشهداء. الكتابة هنا ليست مجرّد عزاء، بل هي وفاء، وشهادة، ومحاولة لإنقاذ أرواحهم من النسيان.
(*) كيف أثّرت هذه الحرب المستمرّة على حياتك اليومية والإبداعية؟ وماذا تخبرينا عن طقوس الكتابة عندك تحت النار؟
لكي أكون واقعية وصادقة، أنا لم أجرب خيمة النزوح بمعناها الحرفي، لكنّني جربت كيف يكون النوم تحت سقف غرفة مضروبة بالمدفعية، وكيف نستيقظ ليلًا والمطر ينهمر فوقنا فنظلّ مستيقظين حتّى اليوم التالي... هههه! هذا بحدِّ ذاته يُعَدّ كافيًا للنجاة، أليس كذلك؟
هذا الواقع هو ما يدفعني للكتابة، لأبكي أحيانًا من خلال الكلمات. أتمنى في كثير من الأوقات لو أنّني في مكان هادئ وبعيد، أستطيع فيه أن أضع رأسي على وسادة ناعمة، وأتأمّل سماءً صافية، لأبدأ بتفريغ ما حدث معي ومع الآخرين. لكن هذا لم يحدث حتّى الآن، ولا بأس في ذلك.
عندما كنت نازحة في منزل يتجاوز عدد قاطنيه 40 شخصًا، كنت أهرب إلى السطح لأتمكّن من كتابة نصٍّ واحد. أحيانًا كان النصّ يوقظني من نومي على الأرض، ومرّات كان يتحوّل إلى وشاح يمنحني الدفء. في كلّ مرّة، كان النصّ يحاول أن يرمّم مكانًا مكسورًا في داخلي، يعيدني إلى شرفة منزلي، أو يتحوّل إلى طائر حرّ يأخذني بعيدًا عن هذا الحصار... ورغم كلّ شيء، يظلّ "نصًّا" يحمل تفاصيلنا.
(*) تشتغلين على مجموعة من المشاريع الفنّية الفوتوغرافية، التي تستكشف مفاهيم الهوية، والفقد، والذاكرة الجمعية، مثل: "وجوه تبحث عن المعنى"، و"مدّ وجزر"، و"الرقص مع الظلّ"، أخبرينا عن تفاصيل هذه التجربة؟
التصوير بالنسبة لي هو إرث عائلي كما ذكرتُ لك. أنا أصوّر ما عجزتُ عن كتابته. مشروع "الرقص مع الظلّ" على حائط تضرّر بقذائف المدفعية، هو محاولة للخروج من بشاعة ما يحدث حولنا.
أحاول من خلال الظلّ أن أفعل ما لا يمكن فعله في الواقع؛ فالظلّ يمنحني مساحة حرّية لا يمكنهم قمعها... لن يقتلوا الظلّ، أليس كذلك؟ الظلّ يظلّ حرًّا ومرنًا وراقصًا، بينما الحائط يظلّ شاهدًا على الدمار. إنّه صراع بين البقاء والتشويه.
(*) من المشاريع التي تشتغلين عليها أيضًا، إعداد أرشيف بصري لمدينة غزّة كما كانت قبل الحرب، والذي سيصدر قريبًا في كتاب فوتوغرافي. أيهما أكثر تأثيرًا اليوم: الكلمة أم الصورة؟
الصورة والكلمة هما حلقتان متكاملتان تعملان معًا على تشكيل وجه المدينة وهويتها. إذا نظرت إلى بطاقتك الشخصية، ستجد اسمك وصورتك معًا، فلا تكتمل الهوية بإحداهما دون الأخرى.
هذا هو التلازم بين النصّ والصورة بالنسبة لي؛ الكلمة تمنح الصورة عمقًا وسياقًا، والصورة تمنح الكلمة جسدًا وشهادة حيّة لا تقبل الإنكار.
(*) أخيرًا، ما جديدك الأدبي والفنّي في قادم الأيام؟
الحقيقة هي أنّني أحاول الآن أن "أتنفّس". وقريبًا، سيصدر لي مع "منشورات غزّة" كتاب أعتز به كثيرًا بعنوان "صاحب حذاء البحر".
كان من المفترض أيضًا أن تكون هناك مساحة لنشر كتاب بعنوان "على الآباء أن يعتذروا لأبنائهم"، ولكن نحن نحتاج إلى القليل من الصبر رغم كلّ حماسي لنشره.
مؤخّرًا، نصحني الصديق الكاتب حسام معروف بأن أبدأ بالتفكير في كتابة رواية تحمل شخصيات ومخيلة مختلفة تمامًا عن واقعنا الحالي. هذه النصيحة تركت أثرًا كبيرًا في نفسي، لأنّ هذا ما كنت أطمح إليه دائمًا قبل الحرب: أن أكون كاتبة روايات وحكايات وقصص، ولسْتُ كاتبة إبادة. وسأحاول بكلّ قوتي أن أفعل ذلك.


تحميل المقال التالي...