}

غريب إسكندر: القصيدة أصبحت أكثر شكًّا في يقيناتها

دارين حوماني 14 يوليه 2026

 

في ديوانه الأخير "برزخ الريح" (2026) يكتب الشاعر والمترجم غريب إسكندر "ليس في الأمر أي سحر/ هذا هو طقس الشعر؛ طقس الترجمة!"، بين هذين الطقسين ينطلق إسكندر في قراءة الذات والعالم، من دون أن يفصل بينهما فـ"إذا كان الشعر يُعلّم الترجمة كيف تصغي، فإنّ الترجمة تُعلّم الشعر كيف يظل منفتحًا على الآخر، من دون أن يفقد صوته الخاص". ومدن غريب إسكندر كثيرة وشعراؤه كثيرون، كل أرض يمرّ عليها وكل تراب يلمسه ينبت له جذر في قلبه وحديقته، وينبت حوار بينه وبينها "ما يجعل القصيدة تتسع للحياة".

وغريب إسكندر هو شاعر ومترجم وأكاديمي عراقي يقيم في لندن، حصل على دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة لندن. تتوزع أعماله بين الشعر والنقد والترجمة في أكثر من 15 مؤلفًا، كان آخرها في الشعر "برزخ الريح" (الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، 2026) ومختارات شعرية بعنوان "معابد التيه" (وزارة الثقافة العراقية، 2026)، ومن مؤلفاته "الاتجاه السيميائي في نقد الشعر العربي" (2002)، "ترجمة السياب- دراسة مقارنة" (2013)، "الشعر الإنكليزي والشعر العربي المعاصر: الترجمة والحداثة" (2020). ومن مؤلفاته في الترجمة "الهروب من الأبدية- تيد هيوز" (2022)، "البلشون الأبيض- ديريك والكوت" (2022). وقد فاز ديوانه "أفعى كلكامش وقصائد أخرى" الذي ترجمه إسكندر إلى اللغة الإنكليزية بجائزة جامعة أركنساس للترجمة عام 2015، كما اختارته منظمة القلم الاسكتلندية كاتبها المتميز لعام 2014. كما كان عضو لجنة تحكيم جائزة سارة ماغواير لترجمة الشعر العالمي إلى الإنكليزية.

هنا حوار معه:

آخر إصدارات إسكندر في الشعر "برزخ الريح" (الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، 2026) ومختارات شعرية بعنوان "معابد التيه" (وزارة الثقافة العراقية، 2026)


(*) أود أن أبدأ من كتابك الشعري الذي صدر مؤخرًا "برزخ الريح"، ما يلفتنا أن القصائد مكتوبة في مدن متعددة، لندن، لاهاي، أمستردام، القاهرة، براغ، برايتن، مدريد، بغداد، البصرة، طنجة، مارتيل، وبابل، ف
هل شكّلت هذه المدن فضاءً داخليًا للنص، وليس مجرد أمكنة خارجية؟ وإلى أي حد يتغيّر الصوت الشعري بتغيّر الجغرافيا؟

أعتقد أنَّ المدينة في الشعر لا تبدأ من الجغرافيا، بل من الذاكرة. المكان لا يدخل القصيدة بوصفه اسمًا على الخارطة، وإنما تجربة تُعاد كتابتها في اللغة. لذلك لم تكن المدن التي كُتبت فيها قصائد "برزخ الريح" مجرد محطات سفر، بل تحولت إلى طبقات من الوعي، لكلّ منها إيقاعها النفسي والزمني. قد تتغير الشوارع واللغات والوجوه، لكن ما يهمني هو ما تتركه المدينة في الداخل، لا ما تراه العين وحدها.

لندن، على سبيل المثال، ليست عندي مدينة المنفى فقط، بل مدينة التأمل الطويل، حيث يتباطأ الزمن وتصبح العلاقة مع اللغة أكثر حميمية. أما بغداد والبصرة وبابل فلا تظهر بوصفها أمكنة مستعادة، وإنما أمكنة تستمر في كتابة الشاعر حتى وهو بعيد عنها. إنّها لا تغادر النص لأنّها لم تغادر الذاكرة. وحين أكتب في طنجة أو مدريد أو براغ، فإنَّ العراق لا يختفي، كما أنَّ تلك المدن لا تصبح مجرد خلفية للمشهد، بل تدخل في حوار مع أمكنتي الأولى، فينشأ فضاء ثالث هو فضاء القصيدة نفسها.

لهذا لا أرى أنَّ الصوت الشعري يتغير بتغير الجغرافيا بقدر ما تتغير زوايا الرؤية. الشاعر الحقيقي يحمل مكانه معه أينما ذهب، لكنّه يسمح لكلّ مدينة بأنّ تضيف طبقة جديدة إلى تجربته. وربما لهذا جاءت قصائد "برزخ الريح" موزعة على مدن كثيرة، لكنّها تنتمي إلى عالم شعري واحد، لأنّ ما يجمعها ليس المكان، بل السؤال الذي يرافقني منذ بداياتي: كيف يستطيع الإنسان أن يجد وطنًا في اللغة عندما يصبح العالم كلّه "برزخًا" بين ضفتين؟

وأظن أنَّ هذا ما يفسر عنوان الديوان نفسه؛ فالبرزخ ليس مكانًا جغرافيًا، بل حالة وجودية. إنّه المنطقة التي تتجاور فيها الذاكرة مع الحاضر، والمنفى مع الانتماء، والواقع مع المخيلة. لذلك تبدو المدن في الديوان وكأنّها تتحول تدريجيًا من أمكنة خارجية إلى حالات داخلية، حتى يغدو السفر نفسه طريقة أخرى لاكتشاف الذات، لا مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى.

(*) القصيدة التي كُتبت في بغداد هي "حب عراقي" والتي كُتبت في البصرة هي "منفى- إلى محمد خضير" والتي كُتبت في بابل هي "بعين الغياب" تقول فيها "وجهي يهاجر كحجر... أنا ابن الغياب"، هل هو تأثير الشعور بالغياب فيما تكون حاضرًا بجسدك في العراق، وهل الكتابة هنا استعادة للانتماء أو كتابة عن فقدانه؟

لا أعتقد أن الغياب يبدأ حين نغادر المكان، ولا ينتهي بمجرد العودة إليه. قد تكون في وطنك وتشعر بأنَّ الزمن الذي عرفته لم يعد موجودًا، وأنَّ الأمكنة التي سكنت ذاكرتك صارت تحمل أسماءها فقط، أما روحها فقد تبدلت. لذلك لم يكن الغياب في هذه القصائد غيابًا جغرافيًا، بل حالة وجودية رافقتني سنوات طويلة، وأصبحت جزءًا من نظرتي إلى العالم.

حين كتبت في بغداد أو البصرة أو بابل لم أشعر أنني أعود إلى مكان تركته، بل إلى طبقات متراكمة من الذاكرة، بعضها شخصي وبعضها جمعي. كنت أرى المدن بعيني الحاضر، لكنني كنت أسمع في الوقت نفسه أصواتًا قادمة من أزمنة مختلفة، ولذلك جاءت القصائد مشدودة بين ما هو كائن وما كان، بين الحضور والغياب.

ولهذا قلت "وجهي يهاجر كحجر... أنا ابن الغياب".  فالهجرة هنا ليست انتقالًا من بلد إلى آخر، بل إحساس بأنَّ الإنسان يحمل غيابه معه أينما ذهب. وربما لهذا لا أستعمل، هنا، كلمة "المنفى" بوصفها توصيفًا سياسيًا أو جغرافيًا فحسب، وإنما تجربة داخلية تجعل الإنسان يعيد مساءلة علاقته بالمكان والذاكرة والهوية.

أما الكتابة، فلا أراها محاولة لاستعادة انتماء مفقود، لأنَّ الانتماء الحقيقي لا يُستعاد بالحنين. القصيدة لا تعيد ما ضاع، لكنّها تمنحه شكلًا آخر من البقاء. إنّها لا تنتصر على الغياب، بل تمنعه من أن يتحول إلى صمت. وربما لهذا أكتب؛ ليس لأسترجع الماضي، بل لأمنحه حياة أخرى في اللغة.



ما زلت أراهن على الشعر

(*)
في قصيدة "أمير" التي تركت فيّ أثرًا بالغًا تقول: "جائعٌ كغزة..."... إلى أي حدّ تراهن على هذه القدرة للشعر؟ وهل تكتب مثل هذه القصائد بوصفها محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المعنى الإنساني؟

قصيدة "أمير" ولدت من واقعة محددة؛ طفل جائع في غزة خرج بحثًا عن الخبز، لكنه عاد برصاصة. هذه الحقيقة وحدها كانت كافية لأن تجعل اللغة تشعر بعجزها. أمام مشهد كهذا لا يفكر الشاعر في كتابة قصيدة، بل يفكر أولًا في الإنسان الذي سُلب منه حتى حقه في الجوع!

لا أؤمن بأنَّ الشعر يغيّر مجرى الحروب أو يوقف آلة القتل، لكنّه يستطيع أن يحول دون أن تصبح المأساة خبرًا عابرًا. نحن نعيش زمنًا تتراكم فيه الصور حتى تفقد قدرتها على الصدمة، بينما تحاول القصيدة أن تعيد إلى الضحية اسمها وفرادتها، وأن تقول إنَّ هذا الطفل لم يكن رقمًا في نشرة أخبار، بل حياة كاملة انتهت قبل أن تبدأ.

في هذه القصيدة لم أكن أبحث عن البلاغة، بل عن الصدق. لذلك جاءت اللغة مقتصدة، لأنني شعرت أن المأساة أكبر من أي استعارة.  وأعتقد أنّه كلما ازدادت البلاغة ابتعدت القصيدة عن حقيقتها. الطفل الجائع الذي يُقتل برصاصة لا يحتاج إلى زخرفة لغوية، بل إلى قصيدة تحترم صمته، وتترك صورته تتكلم.

وربما لهذا السبب ما زلت أراهن على الشعر، لا لأنّه يقدّم حلولًا، بل لأنّه يحافظ على المعنى الإنساني في زمن تتعرض فيه الإنسانية نفسها للتآكل. القصيدة لا تعيد الطفل إلى الحياة، لكنّها ترفض أن يُقتل مرتين؛ مرة بالرصاصة، ومرة بالنسيان. وإذا استطاعت أن تحفظ شيئًا من كرامته وكرامة الضحايا الذين يشبهونه، فقد أدت أحد أعمق أدوارها.

(*) صدر لك مؤخرًا "معابد التيه" الذي يضم مختارات من تجربتك الممتدة بين 2001 و2026، يبدو أننا أمام مسار شعري طويل يُعاد تأمله من الداخل. إذا نظرت إلى هذه التجربة بوصفك قارئًا لنفسك، ما الذي تغيّر فعلًا؟ هل ترى تطورًا في الرؤية واللغة والأسلوب وانزياحًا في الأسئلة التي في داخلك تجاه الخارج والعالم؟

حين أعود إلى هذه التجربة لا أشعر أنني أقرأ شاعرًا آخر، بل أقرأ الأسئلة نفسها وهي تنضج مع الزمن. لم تكن الكتابة عندي انتقالًا من مرحلة إلى أخرى بقدر ما كانت تعميقًا للأسئلة التي بدأت ترافقني منذ البدايات؛ أسئلة الوجود، والمنفى، والهوية، والذاكرة، والزمن. ما تغيّر ليس هذه الأسئلة، بل طريقتي في الإصغاء إليها.

أعتقد أنَّ اللغة نفسها تغيّرت. في البدايات كانت تميل إلى الكثافة والانفعال، ثم أصبحت أكثر هدوءًا، وأكثر ميلًا إلى الاختزال والإنصات إلى ما تتركه الكلمات من صمت. أشعر اليوم أنَّ القصيدة لا تحتاج إلى أن تقول كلَّ شيء، بل أن تترك للقارئ مساحة يشارك فيها في إنتاج معناها. وربما لهذا أصبحت أميل إلى الاقتصاد في اللغة، لأنني أؤمن أنَّ ما يُحذف من القصيدة قد يكون أحيانًا أكثر بلاغة مما يُكتب.

أما على مستوى الرؤية، فقد أصبحت أقل اهتمامًا بالإجابة وأكثر انشغالًا بالسؤال. كلّ ديوان كان يفتح بابًا جديدًا بدل أن يغلق بابًا قديمًا، ولذلك لا أنظر إلى تجربتي بوصفها سلسلة من اليقينيات، بل بوصفها رحلة في المجهول. وربما لهذا جاء عنوان "معابد التيه"؛ فالتيه هنا ليس ضياعًا، بل طريقة في المعرفة، لأنَّ الشعر يبدأ غالبًا حين نتخلى عن وهم الوصول.

وأنا أؤمن بأنَّ الشاعر، إذا ما توقف عن التغيّر، توقفت قصيدته أيضًا. لكن التغيّر الحقيقي لا يعني تبديل الأساليب أو ملاحقة الموضات الشعرية، بل أن يبقى الشاعر وفيًا لأسئلته، مع امتلاكه الشجاعة لرؤيتها من زوايا جديدة كلما اتسعت تجربته في الحياة والقراءة والكتابة.

(*) في تقديمه لكتاب "معابد التيه" يشير الناقد محمد صابر عبيد إلى أن قصيدتك تنتقي ثيمات وتحوّلها إلى شخصيات شعرية ذات طابع "أنوي"، حيث تتكثف صورة الذات عبر ضمير "الأنا" الصريح، وتتضاعف هذه الأنوية في الدال الإضافي "وحدي". إلى أي حدّ تمثّل هذه "الأنوية" تعبيرًا عن ذات مركزية تجعل القصيدة أقرب إلى السيرة الذاتية، أم أنها تنتج أنًا متحوّلة تتجاوز الفرد لتصبح صوتًا عامًا لكل شاعر؟

أعتقد أنَّ الدكتور محمد صابر عبيد يلتقط هنا سمة حقيقية في تجربتي، لكنني لا أتعامل مع "الأنا" بوصفها سيرة شخصية بالمعنى المباشر. الأنا في القصيدة ليست غريب إسكندر بوصفه فردًا، وإنما هي ذات شعرية تحاول أن تستوعب تجارب الآخرين أيضًا. ربما تبدأ من تجربة شخصية، ولكنّها لا تكتمل إلا حين تصبح قابلة لأن يرى القارئ نفسه فيها.

ولهذا فإنَّ كلمة "أنا" لا تعني دائمًا المتكلم، بل قد تكون قناعًا للآخر، أو مرآة له. الشعر، في النهاية، ليس اعترافًا شخصيًا، وإنما محاولة لاكتشاف المشترك الإنساني من خلال تجربة فردية. وما يبدو ذاتيًا في القصيدة قد يكون أكثر النصوص قدرة على التعبير عن الآخرين، لأنَّ الإنسان يصل إلى الكوني عبر أكثر تجاربه خصوصية.

أما تكرار مفردات مثل "وحدي" أو حضور الذات في قصائدي، فلا أراه احتفاءً بالفرد، بل محاولة لفهم العزلة بوصفها تجربة إنسانية مشتركة. كلّ إنسان عاش شيئًا من الوحدة، والفقد، والاغتراب، حتى وإن اختلفت أسبابها. لذلك أحاول أن تتحول هذه المفردات من تجربة تخصني إلى فضاء يتسع للقارئ أيضًا.

وربما لهذا السبب لا أؤمن بأنَّ الأنا الشعرية كيان ثابت أو مغلق، بل هي ذات تتشكل باستمرار عبر الحوار مع الذاكرة، والتراث، والقصيدة، ومع أصوات الشعراء الذين أحببتهم وقرأتهم وترجمتهم. نحن لا نكتب من عزلة كاملة، بل من شبكة واسعة من التجارب الإنسانية والثقافية التي تتفاعل داخل النص. لذلك فإنَّ الأنا، في النهاية، ليست مركز العالم، بل نقطة التقاء بين الذاتي والإنساني.

لهذا لا أرى القصيدة سيرة ذاتية، بل سيرة للأسئلة التي نتقاسمها جميعًا. وإذا نجحت "الأنا" في أن تتجاوز صاحبها لتصبح صوتًا يستطيع الآخر أن يسمعه بوصفه صوته هو أيضًا، فإنّها تكون قد أدت وظيفتها الشعرية.

(*) يضع الناقد علي سعدون، في تقديمه لكتاب "معابد التيه"، تجربتك ضمن النص العراقي التسعيني الذي تجاوزته بـ"نصوص تفكر كثيرًا فيما وراء فلسفة الشعر والحياة". كيف تنظر إلى إدراج تجربتك ضمن ما يُسمّى بالنص العراقي التسعيني؟ هل ترى نفسك امتدادًا لهذا الجيل أو قطيعة معه؟

أنتمي زمنيًا إلى جيل التسعينيات، ولا أجد سببًا للتنصل من هذا الانتماء، فهو جزء من تكويني الثقافي والإنساني. لقد كان جيلًا تشكل تحت وطأة الحصار والحروب والعزلة، وكانت تلك الظروف تفرض على الشاعر أن يعيد التفكير في الإنسان والعالم، لا في الشعر وحده. ومن الطبيعي أن تترك تلك المرحلة أثرها في كتابتي كما تركته في كتابة أبناء جيلي.

لكنني في الوقت نفسه لا أعتقد أنَّ التجربة الشعرية يمكن أن تُختزل في تصنيف جيلي. فالجيل إطار تاريخي، أما القصيدة فمصير فردي. ولكلّ شاعر طريقه الخاص، حتى وإن انطلق من الأسئلة نفسها. وربما لهذا السبب جاءت تجربتي منفتحة على حوارات أخرى، مع التراث العربي، ومع الشعر العالمي، ومع الترجمة بوصفها فعلًا إبداعيًا لا يقل أهمية عن الكتابة نفسها.

أقدّر قراءة الأستاذ علي سعدون، خصوصًا حين يرى أن النص يمكن أن يتجاوز شروط لحظته التاريخية إلى أسئلة أوسع تتعلق بالشعر والحياة. وهذا ما كنت أسعى إليه دائمًا. لم يكن همّي أن أكتب قصيدة تمثل جيلًا، بل أن أكتب قصيدة تستطيع أن تعيش خارج زمنها، وأن تظل قادرة على مساءلة الإنسان مهما تغيرت الأزمنة.

لذلك لا أرى علاقتي بجيل التسعينيات بوصفها امتدادًا أو قطيعة، بل بوصفها حوارًا مستمرًا. فقد تعلمت من هذا الجيل كثيرًا، لكنَّ القصيدة كانت تدفعني دائمًا إلى البحث عن أفقها الخاص، لأنَّ الشعر، في النهاية، لا يتقدم بالأجيال وحدها، بل بالتجارب التي تنجح في اكتشاف أصواتها المميزة.


الترجمة جعلتني أكثر انتباهًا إلى ما تفعله القصيدة

(*)
يقارن سعدون بين النص التسعيني الذي يغلب عليه التفكر في الحياة والوجود بالنص الثمانيني الذي "كان يفكر هو الآخر، لكن تفكّره كان يخص اللغة والقاموس"، إلى أي حد توافق على هذه الثنائية؟ وإذا كان الشعر قد انتقل من مساءلة اللغة إلى مساءلة الوجود، فهل تعتقد أن المرحلة التالية هي مساءلة الشعر نفسه؟ وكيف ينعكس ذلك في كتابتك كمترجم وشاعر في آن؟

أعتقد أنَّ مثل هذه التقسيمات تساعدنا على فهم الظواهر الشعرية، لكنّها لا تستطيع أن تحتوي التجارب كلّها. فكلّ جيل كان يفكر في اللغة والوجود معًا، وإن اختلفت درجة التركيز. اللغة ليست منفصلة عن رؤيتنا للعالم، كما أنّ الأسئلة الوجودية لا يمكن أن تُطرح خارج اللغة. وكلما تعمق سؤال الوجود، احتاج إلى لغة جديدة، وكلما اكتشفت اللغة إمكاناتها، فتحت بابًا لسؤال وجودي جديد. لذلك يصعب عليّ الفصل بينهما...

أما مساءلة الشعر نفسه، فأظن أنّها لم تعد مرحلة لاحقة، بل أصبحت جزءًا من الكتابة الحديثة. فالقصيدة اليوم لا تكتفي بقول العالم، بل تسائل أدواتها أيضًا؛ تسأل عن معنى الكتابة، وحدود اللغة، وجدوى القصيدة في عالم يتغير بسرعة هائلة. وربما لهذا أصبحت القصيدة أكثر وعيًا بنفسها، وأكثر شكًا في يقيناتها.

هذا السؤال رافقني أيضًا في عملي مترجمًا. فالترجمة لا تعلّمنا كيف نقرأ النصوص الأخرى فحسب، بل تعلّمنا كيف نعيد قراءة لغتنا نحن. وكلّ ترجمة حقيقية هي، في جانب منها، مراجعة لمفهومنا عن الشعر وإمكاناته. لقد جعلتني الترجمة أكثر انتباهًا إلى ما تفعله القصيدة، لا إلى ما تقوله فقط، وأكثر وعيًا بأنَّ كلّ تقليد شعري يفتح أمام الشاعر أسئلة جديدة عن لغته وتجربته.

ولهذا لا أفصل بين الشاعر والمترجم في تجربتي. كلاهما يسعى إلى الإصغاء للنص، وكلاهما يحاول أن يكتشف إمكانات جديدة للغة. وإذا كان الشعر يُعلّم الترجمة كيف تصغي، فإنّ الترجمة تُعلّم الشعر كيف يظل منفتحًا على الآخر، من دون أن يفقد صوته الخاص.

(*) ينحو شعرك إلى النفس السردي "من كان يتسلق موت الآخر/ أردت أن أقول شيئًا مثل هذا في رثائك/ لكنني فشلت"، "ماذا يقول هذا الذي يقف خلفي؟/ لم يقل شيئًا/ كان يردد أغاني هجرناها"، "ها أنا أحفظ تاريخ بلادي عن ظهر قلب/ كم مرة ينبغي عليّ أن أموت/ كي أحصي هزائمه وانتصاراته"، وغيرها الكثير... هذا التماس بين الشعري والسردي يذكّرني بشعر يانيس ريتسوس حيث التفكير عبر الحكاية، هل السرد الشعري عندك ضرورة تعبيرية وخيار جمالي واعٍ؟

أحب هذه الإشارة إلى يانيس ريتسوس، فهو أحد الشعراء الذين تعلمت منهم أنَّ الحكاية ليست نقيضًا للشعر، بل قد تكون إحدى طرائقه في التفكير. لكنني لا أبدأ من فكرة إدخال السرد إلى القصيدة، وإنما من حاجة القصيدة نفسها إلى شكلها. هناك أفكار وتجارب لا تستطيع الصورة الشعرية وحدها أن تحتضنها، فتستدعي صوتًا سرديًا يفتح لها مجالًا أوسع للتأمل.

السرد في قصائدي ليس رواية مختصرة، ولا وسيلة لحكي الأحداث، بل هو طريقة لتوليد المعنى. كثيرًا ما تبدأ القصيدة بمشهد بسيط، أو بصوت، أو بحوار عابر، ثم يتحول ذلك تدريجيًا إلى سؤال يتجاوز الحدث إلى معناه. ربما لهذا يبدو السرد حاضرًا، لكنّه في الحقيقة لا يقود القصيدة، بل تقوده القصيدة إلى أفق آخر.

وأعتقد أنَّ الشعر الحديث أزال الحدود الصارمة بين الأجناس الأدبية. فالقصيدة تستطيع أن تستعير من السرد، كما تستعير من المسرح أو التأمل الفلسفي، من دون أن تفقد هويتها الشعرية. ما يهمني في النهاية ليس الوسيلة، بل أن تبقى اللغة محتفظة بكثافتها وإيقاعها الداخلي، وأن يظل الشعر هو الذي يقود الحكاية، لا العكس.

لذلك لا أتعامل مع السرد بوصفه خيارًا جماليًا مسبقًا، بل ضرورة تفرضها التجربة نفسها. كل قصيدة تكتشف شكلها وهي تُكتب، والشاعر، في رأيي، لا يفرض على القصيدة بنية جاهزة، بل يصغي إلى ما تطلبه منه.

(*) كتابك "الشعر الإنكليزي والقصيدة العربية الحديثة: الترجمة والحداثة" يحيلنا إلى العلاقة بين ما بناه الشعراء الحداثيون العرب بفعل الترجمة وما وصل الشعر العربي إليه، هل ترى أنّه بدون الترجمة لكنّا لا نزال ننظم القصائد الخليلية؟ إلى أي حدّ يمكن اعتبار الترجمة شرطًا لهذا التحوّل لا مجرد عامل من ضمن عوامل أخرى؟

لا أعتقد أنَّ الترجمة وحدها صنعت الحداثة الشعرية العربية، كما لا أعتقد أن الحداثة كانت ستولد من دونها. فالتجديد الحقيقي لا ينشأ من سبب واحد، بل من تفاعل عوامل ثقافية وتاريخية وجمالية متعددة. غير أن الترجمة كانت، بلا شك، أحد أهم المحركات التي وسّعت أفق القصيدة العربية، لأنّها وضعت الشاعر العربي في حوار حيّ مع تجارب شعرية مختلفة، وأتاحت له أن يرى إمكانات جديدة للكتابة.

لكنني لا أحب النظر إلى الترجمة بوصفها استيرادًا لأشكال جاهزة. هذا تبسيط لا ينسجم مع ما حدث فعلًا. ما قام به شعراء الحداثة لم يكن تقليدًا لإليوت أو بودلير أو ويتمان، بل إعادة إنتاج لتلك المؤثرات داخل سياق عربي مختلف. لقد دخلت هذه الأصوات في حوار مع التراث العربي، لا في صراع معه، ومن هذا الحوار ولدت قصيدة جديدة.

ولهذا لا أقول إنّنا كنا سنظل نكتب القصيدة "الخليلية" لولا الترجمة، لأنّ هذا يفترض أنَّ التراث كان عاجزًا عن إنتاج أسئلته الخاصة، وهو ما لا أوافق عليه. لكنني أعتقد أنَّ الترجمة سرّعت هذا التحول، ووسعت آفاقه، ودفعت الشعر العربي إلى إعادة النظر في مفاهيمه عن الإيقاع، والصورة، وبناء القصيدة، وعلاقة الشعر بالعالم.

وربما كان أهم ما منحته الترجمة للشاعر العربي ليس نموذجًا جديدًا للكتابة، بل طريقة جديدة للقراءة؛ قراءة الآخر، وقراءة التراث، وقراءة الذات في آن واحد. ومن هنا جاءت أهميتها، لا بوصفها جسرًا بين اللغات فقط، بل فعلًا خلّاقًا يعيد تشكيل الثقافة، ويمنح النصوص حياة جديدة في سياقات جديدة.


(*)
يقول فالتر بنيامين "الترجمة تمنح النص حياة أخرى"، فيما يقول روبرت فروست "الشعر هو ما يضيع في الترجمة"؛ إذا نظرنا إلى اهتمامك بالترجمة منذ البدايات مع رسالة الماجستير المقارنة بين 9 ترجمات لقصيدة "أنشودة المطر" للسياب، إلى ترجماتك، من ديريك والكوت إلى تيد هيوز ونصوصك الشعرية منها "أفعى كلكامش"، برأيك هل تغيّر الترجمة النظرة إلى "النص الأصلي"، وهل يبقى الأصل ثابتًا، أم يصبح نصًا مفتوحًا بتعدّد ترجماته؟ وما الذي يضيع منه؟

لطالما وجدت أنَّ مقولتي فالتر بنيامين وروبرت فروست لا تتعارضان بقدر ما تنظر كلّ منهما إلى الترجمة من زاوية مختلفة. فروست يذكّرنا بأنَّ الشعر لا ينتقل كاملًا إلى لغة أخرى، بينما يرى بنيامين أنَّ الترجمة تمنح النص حياة جديدة. وأنا أميل إلى الجمع بين الرؤيتين؛ فهناك دائمًا شيء يفقد، لكن هناك أيضًا شيء يولد.

هذا ما أدركته مبكرًا وأنا أدرس الترجمات الإنكليزية المتعددة لـقصيدة "أنشودة المطر". لم تكن أي ترجمة تستنفد النص أو تحتكر معناه، بل كانت كلّ واحدة تكشف إمكانًا جديدًا فيه. عندها لم يعد الأصل بالنسبة إليّ نصًا مغلقًا، بل نصًا تتجدد قراءته مع كلّ ترجمة، من دون أن تتغير كلماته.

لذلك لا أؤمن بالحديث عن الترجمة بوصفها أمانة أو خيانة؛ فهذه ثنائية جامدة لا تفسر ما يحدث للنص حين يعبر إلى لغة أخرى. الترجمة، في نظري، فعل إبداعي وقراءة خلّاقة، تضيف إلى الثقافة المستقبِلة أفقًا جماليًا ومعرفيًا جديدًا، وإلّا فما الحاجة إليها إذا كانت مجرد استنساخ للأصل؟ وما يضيع فيها ليس الشعر نفسه، بل بعض خصوصية اللغة: موسيقاها، وإيقاعها، وإيحاءاتها الثقافية. أما ما يولد فهو نص جديد، يحمل روح الأصل، لكنّه يعيش حياته الخاصة داخل لغة أخرى.

ولذلك لا أنظر إلى الترجمة بوصفها انتقالًا من لغة إلى أخرى، بل بوصفها قراءة إبداعية للنص. وكلّ ترجمة كبيرة هي في الوقت نفسه تأويل، وحوار، وإعادة كتابة. وربما لهذا لا تنتهي النصوص العظيمة عند ترجمة واحدة، لأنّها تظل قابلة لأن تُقرأ من جديد، وأن تُكتشف من جديد، مع كلّ مترجم يقترب منها برؤيته ولغته وخبرته الشعرية.

(*) في مجموعاتك الشعرية الخمس يحضر الشعر العالمي، منهم، إليوت، وردزورث، ماندلشتام، لوركا، ديريك والكوت، وعزرا باوند، وصولًا إلى "أغنية نفسي" التي أحببت أن تحمل عنوان "أغنية نفسي" لويتمان، وفيها تقول "أريد أن أكون مثل ويتمان"، هل يأتي هذا الحضور بوصفه أثرًا قرائيًا وامتدادًا طبيعيًا لتجربتك، أو هو نوع من الحوار الواعي مع هذه الأصوات؟

أعتقد أنّه حوار أكثر منه تأثيرًا. فحين أستحضر ويتمان أو إليوت أو لوركا أو والكوت، لا أفعل ذلك لأنني أبحث عن سلطة شعرية أستند إليها، وإنما لأنَّ هذه الأصوات أصبحت جزءًا من ذاكرتي القرائية، ومن الأسئلة التي شغلتني طويلًا، شاعرًا ومترجمًا وباحثًا. وكلّ شاعر حقيقي يكتب وفي داخله مكتبة كاملة، لكن هذه المكتبة لا ينبغي أن تتحول إلى عبء على القصيدة. ما يهمني هو أن تدخل تلك الأصوات في نسيج النص، لا أن تبقى علامات ثقافية أو إشارات استعراضية.

 وعندما أقول في إحدى القصائد: "أريد أن أكون مثل ويتمان"، فليس المقصود تقليده، وإنما الإعجاب بانفتاحه على الإنسان والعالم، وبقدرته على أن يجعل القصيدة تتسع للحياة بكلّ تناقضاتها. لكن ويتمان نفسه علّمنا، بصورة غير مباشرة، أن نبحث عن أصواتنا نحن. وأتذكر هنا ما قاله وليام كارلوس وليامز: "الطريقة الوحيدة لأن تكون مثل ويتمان هي أن تكتب على نحوٍ لا يشبه ويتمان". وأجد أنَّ هذه الفكرة عميقة جدًا، لأنّها تنطبق على كلّ شاعر كبير؛ فالشعر الحقيقي لا يورّث أساليبه، بل يورّث حريته. ولهذا لا أبحث في قراءتي للشعر العالمي عن نماذج أكررها، بل عن أسئلة جديدة تساعدني على اكتشاف صوتي أنا. فالقراءة، كما أفهمها، ليست طريقًا إلى التشابه، بل إلى الاختلاف الخلّاق.

وقد علمتني الترجمة أنَّ القراءة ليست تلقيًا سلبيًا، بل مشاركة في إنتاج المعنى. ولذلك لا أتعامل مع الشعر العالمي بوصفه مركزًا والشعر العربي هامشًا، ولا العكس. ما يشدني هو الحوار الذي يمكن أن ينشأ بين التجارب المختلفة، لأنَّ القصيدة، في النهاية، لا تعترف بالحدود الجغرافية، بل بما تضيفه إلى التجربة الإنسانية.

وأعتقد أن أجمل ما تمنحه القراءة للشاعر هو أنّها تحرره من فكرة التأثر المباشر. فكلّ قراءة عميقة هي، في جوهرها، إعادة اكتشاف للذات. لذلك أحب أن أرى هذه الأصوات وهي تتحاور داخل القصيدة، لا لكي تذيب صوتي فيها، بل لكي أسمع صوتي على نحو أوضح من خلال هذا الحوار.

(*) في "برزخ الريح" تقول: "كلّ الشعر ليس سوى قصيدة واحدة"، كيف تفهم هذا التصور؟ وهل تقصد به وحدة خفية تجمع التجارب الشعرية عبر الأزمنة والأصوات، أم أنّ الأمر يتعلق بطريقة الشاعر في رؤية كتابته كامتداد لنصّ مفتوح يتكرر ويتحوّل بدون بداية أو نهاية؟

حين أقول إنَّ "كلّ الشعر ليس سوى قصيدة واحدة"، فأنا لا أقصد إلغاء الاختلاف بين القصائد أو الأصوات الشعرية، بل أقصد الإحساس بأنَّ هناك نَفَسًا خفيًا يمرّ عبر الشعر منذ بداياته وحتى الآن. كأنَّ الشعر، رغم تعدد لغاته وأشكاله وتجارب أصحابه، يكتب السؤال الإنساني نفسه بأصوات مختلفة.

الشاعر لا يبدأ من فراغ؛ هو يدخل في حوار طويل مع ما كُتب قبله، مع الذاكرة والأفكار والقصائد التي أحبها أو عارضها أو حاول تجاوزها. كلّ قصيدة هي مقطع من نص أكبر لا نعرف بدايته ولا نهايته. وربما الكتابة الشعرية ليست إلا محاولة للاقتراب من هذه القصيدة الغائبة التي تظهر لنا شظايا منها في لحظات الكتابة.

في "برزخ الريح" لم تكن القصيدة بالنسبة لي كيانًا مغلقًا، بل كانت فضاءً مفتوحًا تتحول فيه التجربة من نص إلى آخر، ومن زمن إلى آخر. القصيدة تستمر لأنّها لا تكتمل؛ كلّ شاعر يضيف إليها أثره، وكلّ قارئ يعيد خلقها من جديد.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.