يُعتبر الشاعر العراقي باسم المرعبي من الأصوات الشعرية العربية التي واصلت بناء مشروعها الإبداعي بهدوء وثبات، مستندةً إلى رؤية شعرية تنفتح على أسئلة الوجود والإنسان والذاكرة والمكان.
أنجز المرعبي، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود من الكتابة، تجربةً غنيةً توزعت بين الشعر والنثر والترجمة والعمل الثقافي، وترك أثرًا واضحًا في المشهد الشعري العربي من خلال لغته المكثفة واشتغاله على التفاصيل اليومية بوصفها مدخلًا إلى التأمل الفلسفي والإنساني.
في ديوانه الجديد "في مطعم الوجود"، الصادر عن دار جبرا في عمّان، يواصل المرعبي رحلته في استكشاف العالم عبر القصيدة، حيث تتجاور الحرب والمنفى والحنين والمدن المتخيلة وأسئلة المصير في نصوص تجمع بين السردية الشعرية والبعد التأملي.
في هذا الحوار نتوقف معه عند أبرز ملامح تجربته الشعرية ورؤيته للكتابة والشعر والحياة:
(*) تبدو قصائد ديوانك "في مطعم الوجود" منشغلة بأسئلة الوجود والمصير الإنساني، إلى أي مدى يشكّل هذا الهاجس محورًا ثابتًا في تجربتك الشِّعرية؟
يمكن القول إن الانشغال بأسئلة الوجود والمصير الإنساني بات يشكّل ملمحًا رئيسًا من ملامح كتابتي الشعرية، وهو ما لا يمكن تجاوزه عند أي قراءة، وقد تجد بذرة مثل هذا الاهتمام الوجودي مبثوثة في أعمالي الأولى عبر تجليات عديدة، غير أنه مع التقدم في التجربة والعمر، بالتالي، غدت الثيمة الوجودية أكثر استحواذًا على التفكير، ما يعني أنها أخذت تتبلور أكثر وتنحو لأن تبسط هيمنتها، قياسًا إلى بقية الثيمات.
(*) تحضر الحرب في عدد من النصوص بوصفها تجربة إنسانية مستمرة أكثر من كونها حدثًا تاريخيًا، كيف تنظر إلى علاقة الشِّعر بذاكرة الحروب؟
تحضر الحرب على الرغم من أني لا أميل كثيرًا إلى الكتابة عن الحرب، لأن كل ما حولنا يشي بها، والأهم أن هناك إسفافًا في الكتابة عنها لدواعٍ أقرب إلى الارتزاق واستثمار المأساة. لذا على الشاعر بشكل خاص أن يفكر كثيرًا قبل الشروع بالكتابة عن الحرب. من هنا فإنّ مقاربتي لموضوعة الحرب تحرص على النأي عمّا هو تقليدي وتقريري. وقد عمدتُ في النصوص المكرّسة لذلك، وهي قليلة على أية حال، إلى تناول موضوعة الحرب من زاوية مختلفة، وذلك بتغليب الخيال على الواقع، حدّ التأليف الأسطوري كما في نص "المعجزة الأخيرة"، على وجه الخصوص، أو نص "الحرب ثانيةً"، وأيضًا عبر نص "قصيدة عن جنديين أنهيا الحرب بطريقتهما". والنصوص المذكورة يتضمنها ديوان "في مطعم الوجود". ومن المهم القول أيضًا إن هذه النصوص قد اتخذت سمة الهندسة الفكرية شكلًا ومحتوى. فهي مصمَّمة لتحريك وعي القارئ إزاء الحرب بطريقة مغايرة، وأن يبقى النص في الذاكرة كعلامة أو أثر أدبي إبداعي قبل أي شيء، لا مجرد نوايا أو أفعال تنديد بالحرب. بالنسبة لي هذه هي الأبعاد التي ينبغي أن يتخذها الشعر أو يفكر بها عند تعرضه لموضوعة مهمة ومصيرية كموضوعة الحرب.
(*) في قصائدك تتحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى لحظات تأملية عميقة، كيف تكتشف الشِّعر في الأشياء العادية؟
المسألة تعتمد على كيفية النظر إلى الأشياء، وكيفية تلقينا لها وما نسقطه عليها من أفكار أو مشاعر. وقد يكون الانتباه إلى التفاصيل المهملة أو التي يمر بها الآخرون مرورًا عاديًا من دون أن تستوقفهم شبيهًا بما تقتنصه عين المصور المحترف من مظاهر لا تعني شيئًا لسواه. وقد تبدأ شرارة القصيدة من مشهد أو حدث ما أو كلمة عابرة تطرق السمع. لكن كل ذلك يعتمد على المنحى الذي تتخذه كل تلك الأشياء مع ما تشتبك به من أفكار.
(*) يعتمد نصك على السرد والمشهدية أكثر من اعتماده على الغنائية التقليدية، ما الذي يمنحك إياه هذا الخيار الفني؟
هذا سؤال جيد. صحيح كان هذا سمة أغلب نصوص "في مطعم الوجود"، وهي نصوص مكتوبة بهذه القصدية. لا شك في أن خيار الكتابة الشعرية سردًا، مع التحرر من الوزن، يعطي متسعًا أكبر للشاعر في بلورة أفكاره ومعانيه، لكن الخشية من خيار كهذا محفوفة بمعضلة الوقوع في مطب النثر المحض، في حال ضعف الانتباه الشعري؛ على الرغم من أن تقنية السرد في القصيدة العربية معروفة منذ الشعر الجاهلي وصولًا إلى ما عُرف بالنص المفتوح، وانتهاءً بشكل قصيدة النثر بالمعنى الأوروبي التي يكون فيها السرد خصيصة جوهرية وقوامًا لها، وهي بالمناسبة شبه معدومة في الشعر العربي، عدا استثناءات هنا وهناك، كما في مثال الشاعر عبد القادر الجنابي، وهو أول من كتبها عن دراية وعرّف بها بكثافة، والثقافة الشعرية العربية مدينة له في هذا الجانب. أما عن السرد في القصيدة عمومًا دون نموذج محدد لها، فهناك العديد من الشعراء سواء من الذين ذهبوا منذ الثمانينيات بهذا الاتجاه كما في نموذج النص المفتوح المشار إليه، أو الذين بدأوا بالانتباه إليه في الآونة الأخيرة.
(*) كيف أثّرت تجربة المنفى والإقامة الطويلة في السويد على رؤيتك للعالم وعلى لغتك الشِّعرية؟
لا بد أن هناك تأثيرًا ما بسبب تجربة المنفى عمومًا، وإن كنتُ حقيقةً لا أعرف بالضبط أين يكمن مثل هذا التأثير، أو لِأقل الانتباه إلى ذلك. إنه سياق حياة كاملة بمختلف محطاتها. وإذا كنتُ قد قلتُ قبل قليل لا أعرف أين يكون مثل هذا التأثير، لكن الذي أعرفه يقينًا أن الشعر كجوهر هو أشبه بالموشور الذي تمرّ عبره التجارب الحياتية المختلفة لتتجسد بالتالي بألوانها المتغيرة المختلفة. وكشخص يتأثر بالمحيط الذي يتواجد فيه، فلا بد أن ذلك ينعكس على كتابتي الشعرية، بقصد أو دون قصد.
(*) تتكرر في نصوصك صور المدن والطرقات والمقاهي والمسافرين، ماذا تمثل هذه العناصر في عالمك الشِّعري؟
أجد متعة كبيرة في معاينة العناصر التي ذُكرت، وهي لدي عناصر شعرية قبل أن تكون واقعية. بمعنى أني وإن كنتُ أنطلق من الواقع في تبنيها أو التعبير انطلاقًا منها، إلا أني أُضفي عليها من سحر الكتابة الشيء الكثير. وأرى أن ما يوحد هذه العناصر من مدن وطرقات ومقاهٍ ومسافرين هو أنها جميعًا تنتمي إلى قاموس واحد، قاموس ينطق بكوني غريبًا في هذا العالم. غريب بالمعنيين: الآني المرتبط بالمكان المتغير، والوجودي بالمعنى الجذري.
(*) ما العلاقة التي تربط بين المكان الواقعي والمكان المتخيل في قصائدك؟
في الكتابة الشعرية أعمد إلى محو الفارق أو الحد الفاصل بين الاثنين. فالمكان الواقعي يتحول إلى متخيّل، والعكس يصح بالضرورة، فحين يتم تحويل المكان الواقعي إلى نوع من يوتوبيا، وهو ما فعلته في ديواني الأول باختراع "ماجيرا"، وهو تحريف لاسم مكان موجود على خريطة الواقع، فمثل هذا التحويل هو في حقيقة الأمر نشدان لتحقّق المكان، أي جعله متاحًا كمكان بديل. إذًا العلاقة قائمة بين المتعيَّن والمتخيَّل. وأيضًا العلاقة بين الاثنين تتأتى من كون كل الأمكنة التي أقمت فيها أو قصدتها للسفر كان ذلك انطلاقًا من رؤية شعرية، وإن كان في الغالب لا تستقيم حسابات المخيلة مع الواقع وما يعنيه ذلك من خيبات.
(*) كيف توازن بين التكثيف الشِّعري ووضوح المعنى بدون أن تفقد القصيدة عمقها التأويلي؟
لا أجد تعارضًا بين الاثنين، فانفتاحُ القصيدة على احتمالات عديدة للمعنى هو ما يعطيها عمقها التأويلي كما تسميه، على الرغم من الوضوح الظاهر. والعمق لا يتنافى مع الوضوح وحتى البساطة في القول، المهم هو الطريقة التي تقول بها القصيدة ذلك، والفكرة التي ترمي إليها. وإذا ما أحرزت القصيدة، أي قصيدة، ذلك، فهو ما يضمن لها الاستمرار والديمومة.
(*) هل تبدأ القصيدة لديك من صورة، أم من فكرة، أم من جملة مفاجئة تفرض حضورها؟
في إجابتي على سؤال سابق لواحد من أسئلتك اقتربتُ إلى حدٍّ ما مما يروم هذا السؤال معرفته. مع ذلك أقول إن المحرّض على ولادة قصيدة ما هو كل هذه الأشياء التي ذكرتها. فثمة من القصائد ما يبدأ كفكرة تخطر بدون أي مقدمات، ومنها ما يدفع إلى كتابتها صورة معينة تتشكل في الذهن أو تُستدعى من الذاكرة نتيجة لموقف أو حدث ما. وأيضًا يكون لما نسمع أو نرى مما يدور حولنا دوره في التحفيز على الكتابة.
(*) يُلاحظ القارئ حضور الحس السينمائي في بناء العديد من نصوصك، ما طبيعة علاقتك بالفنون البصرية والسينما؟
للسينما والمشاهدات البصرية عمومًا إسهام كبير في كتابتي الشعرية، وقد أدخلت اللقطة السينمائية في صلب كتابة القصيدة، إما تأثرًا مباشرًا بمشهد سينمائي أو إنشاءً لمشهد شِعري استلهامًا من فيلم. بل حتى إني استثمرتُ في عدد من قصائدي بعض الحوارات العميقة في السينما، كما على سبيل المثال واحدة من الجمل المهمة التي ترد في فيلم "ألفافيل" للمخرج الفرنسي جان لوك غودار، وكنتُ قد شاهدت هذا الفيلم في دمشق بداية التسعينيات، حتى ظهر أثر هذه الجملة لاحقًا في قصيدة بعنوان "في مدار الطوفان ـ يوميات كائن افتراضي"، نُشرت سنة 2012. كذلك للفن التشكيلي، اللوحة بشكل خاص، تأثيرٌ عليّ. وسبق لي أن كتبت عن هذا الموضوع بشيء من التفصيل. نعود للسينما؛ فأنا عاشق لها، وقد كنتُ أرتاد دور السينما منذ يفاعتي، وهي شكّلت جزءًا حيًا من ذاكرتي وتكويني الثقافي. ففي المدينة التي نشأت فيها كان هناك ست صالات سينما، الحديث هنا عن فترة السبعينيات. وحتى اليوم شاهدت ما لا يُحصى من الأفلام العربية والأجنبية بمختلف توجهاتها ومدارسها الفنية، وكل ذلك يترك أثره بطبيعة الحال، بشكل أو بآخر. هذا فضلًا عن نزوعي إلى دخول المجال السينمائي، وهو حلم راودني منذ مراهقتي؛ فبعد قراءتي لروايتي جبران خليل جبران "الأرواح المتمردة" و"الأجنحة المتكسرة" فكرت بتحويلهما إلى السينما لما تركته الروايتان، وقتها، بشخصياتهما وأجوائهما الرومانسية من أثر عميق لدي.
(*) ترجمت أعمالًا عديدة من الشِّعر السويدي والعالمي، كيف انعكست الترجمة على تجربتك الإبداعية؟
أمارس الترجمة كهواية، لذا لم أمنحها، للأسف، الوقت الكثير. لكن أجد في ما ترجمتُ من شِعر، بشكل خاص، درسًا يمكن استخلاص الكثير منه. فعند ترجمة أي قصيدة يكون الأمر أشبه بدراسة تفصيلية لعمل الشاعر المُترجَم، بل يتعدى الأمر إلى ما هو أعمق من الدراسة حين تكون الترجمة كتابة نص جديد بلغة ثانية محايثًا للنص الأصلي. بذلك يقف المترجم على أسرار كتابة القصيدة بلغة أُخرى مختلفة، وما يعنيه ذلك من خبرة إضافية، وهو لا يخلو من فائدة مهما صغرت أو كبرت. ومن طبيعتي أن أولي اهتمامًا حتى للتفاصيل التي قد تبدو غير مهمة في النص المُترجَم. كل مشروع ترجمة، بهذا المعنى، لقصيدة هو حجرة درس.
(*) ماذا أضاف الاحتكاك بالشِّعر العالمي على تجربتك، وما الذي حافظت عليه من خصوصية القصيدة العربية؟
إن قراءة النماذج المتقدمة من الشعر العالمي هي درس في حد ذاته. فالاطلاع على تجارب شعراء مثل والت ويتمان، روبرتو خواروث، بابلو نيرودا، برونو ك. أويير، مانويل دي باروس، فيزما بلسيفيتشا، وخافييه هيرود، والأخير شاعر من البيرو له ديوان واحد ومات قبل أن يبلغ العشرين من العمر، والأسماء هنا للتمثيل وليس للاقتصار، تضع القارئ في قلب الشعر بما يعنيه من نضارة وذكاء وآفاق رحبة. فلا شيء في هذا المجال يمنح الروح طاقة وقدرة على التجدد مثل قراءة نص شعري عالي الجودة ومنفتح على ما هو إنساني. إن الأمر شبيه بمن يجد نفسه وسط مرج أخضر يتنفس هواءً نظيفًا. وبرأيي أن الشعر العظيم يمس الروح والجسد معًا، وهو إثراء للشاعر كإنسان أولًا. أما على صعيد الخصوصية والتأثر، فأرى أن على القصيدة العربية أن تسير إلى جوار نهر الشعر العالمي، وأن تكون إنسانية أكثر بتجاوز التهويمات الهوائية والموضوعات الضيقة المحدودة.
(*) غالبًا ما تنتهي قصائدك بنهايات مفتوحة تترك مساحة واسعة للتأويل، ما أهمية هذا الانفتاح في رؤيتك للشِّعر؟
أعتقد أنه بتعدد قراءات القصيدة تتعدد إمكانيات تأويلها، هذا من حيث المبدأ. طبعًا من ناحيتي أولي نهاية القصيدة أهمية تعادل مفتتحها، وذلك لأن الانطباع الذي يغادر به القارئ القصيدة يوازي في أهميته الانطباع الأول الذي تعطيه إياه بدايتها. لكن لا يعني هذا تصميمًا مسبقًا أو قسرًا، فثمة من القصائد ما لا يمكن التنبؤ بنهايته، مثل كتابة الرواية، فمسارها هو الذي يحدد نهايتها. لكن في كثير من الأحيان أعمد إلى أن تكون نهاية القصيدة شبيهة بالضربة المعتمدة في نهاية القصة القصيرة جدًا. وفي أحيان أخرى تكون نهايتها حيادية، بالمعنى الذي قال به السؤال، أي منفتحة على أكثر من تأويل.
(*) كيف تنظر إلى المشهد الشِّعري العربي اليوم، وما أبرز التحولات التي تلفت انتباهك فيه؟
للأمانة، يتطلب الحديث عن كامل المشهد الشعري العربي إلمامًا دقيقًا واطلاعًا شاملًا، وهذا ما لا يمكن تحققه في ظل تسارع حركة النشر وتكاثر منابر نشر الشعر. غير أن هذا لا يعني عدم التأشير إلى عدد من التجارب الشعرية المهمة واللافتة لشعراء من مختلف الأجيال، وعلى امتداد العالم العربي، وأُتيح لي الاطلاع عليها ومتابعتها، وحتى الكتابة عن بعض أصحاب وصاحبات هذه التجارب والتنويه بهم في فترات مختلفة، وهناك مشاريع للكتابة عن آخرين. إلى ذلك يمكن الإشارة أيضًا إلى تبلور أو شيوع اتجاه يميل إلى تغليب السردي في القصيدة، ما يعني مغادرة الشكل الشعري الذي بقي سائدًا لعقود وعُرف بقصيدة النثر، وهي تسمية خاطئة عربيًا كما أشرت في أكثر من مناسبة. فالاسم الصحيح لما كُتب ونُشر مما أُشير إليه هو شعر حر، وهو ما انتبه إليه منذ أوائل الستينيات جبرا إبراهيم جبرا، بقوله إن قصيدة النثر شيء آخر. بغض النظر عن كون مثل هذا التوجه ذا صلة بجوهر ما هو شعري أم لا، إنما هي ملاحظة واستقراء لواقع القصيدة العربية كما تبدو عبر بعض التجارب الجادة، وقد تغدو تيارًا.
(*) بعد أكثر من ثلاثة عقود من الكتابة والنشر، ما هي الأسئلة التي ما تزال تدفعك إلى كتابة الشِّعر؟
الأسئلة والهواجس هي ذاتها منذ القصيدة الأولى، لكنها صارت تجنح بمرور التجربة إلى التشذيب والاقتصاد أكثر، بحيث بدت أكثر تركيزًا، وهي بذلك تقصد مباشرة إلى أن تمس جوهر الوجود والمصير. والقصيدة بهذا المعنى تمثّل صيغةً لطرح أسئلتنا على العالم وهواجسنا حياله.


تحميل المقال التالي...