}

سيرغي ليبيديف: الروس متأثرون بإرث الإمبريالية

إنغمار نيفيوس 26 يوليه 2026
حوارات سيرغي ليبيديف: الروس متأثرون بإرث الإمبريالية
سيرغي ليبيديف

ترجمة وإعداد: باسم المرعبي

يعدّ كثيرون سيرغي ليبيديف المولود في موسكو عام 1981 أبرز كاتب نثر روسي، اليوم. درس ليبيديف الجيولوجيا، وعمل في بعثات جيولوجية في شمال روسيا لمدة سبع سنوات. وهو شاعر وكاتب مقالات وصحافي. روايته الأولى "عند حافة النسيان" صدرت عام 2010. في رواية "المبتدئ" (2020)، التي تصنف ضمن أدب الجاسوسية، اتخذ الكاتب من محاولة اغتيال المنشق الروسي سيرغي سكريبال في سالزبوري ــ إنكلترا، نقطة انطلاق في تناوله الموضوع، وهي مستوحاة جزئيًا من جون لو كاريه، رائد الرواية الجاسوسية في العالم. صدرت له منذ أشهر رواية جديدة بعنوان "السيدة البيضاء"، التي سيتم الإضاءة عليها في السطور القادمة. تدور روايات ليبيديف حول الماضي السوفياتي وتأثيره على روسيا الحاضر، وهو من أكثر الكتاب الروس المعاصرين ترجمة إلى اللغات الأخرى. أصدر حتى الآن خمس روايات، ومجموعة قصصية.
ولمناسبة صدور الترجمة السويدية لروايته الأخيرة، وتواجد الكاتب في ستوكهولم، اغتنمت صحيفة "داغينز نيهيتر" هذه الفرصة وحاورته بشأن الرواية ورؤيته لبلده.
وفي ما يلي ترجمة لأبرز أسئلة هذا الحوار:



المعارض الأشد نقدًا
عُرف سيرغي ليبيديف، الذي يقيم منذ عام 2018 في ألمانيا، أنه من قلة من معارضين روس يوجهون نقدًا بالغ القسوة إلى بلدهم. يتعلق الأمر بمن يتحمل مسؤولية الكارثة المستمرة في أوكرانيا، الحرب الأكثر تدميرًا في أوروبا منذ عام 1945، كما يقول، ويضيف:

ــ عبر ما يروج له ف. بوتين وأتباعه من دعاية هستيرية يتم التركيز فيها على المعاناة التي تسببها الحرب في روسيا، بدلًا من أوكرانيا. وبذلك فإنهم يحاولون الحفاظ على نوع من التوازن الزائف، في عدم الإساءة إلى أوكرانيا، أو الرأي العام الروسي. لكن في الوقت نفسه يعتقد أن الحديث عن معاناة روسيا بينما تُسحق أوكرانيا، هو في غير موضعه. ما يجب أن نتحدث عنه الآن هو كيفية إنقاذ أوكرانيا، وليس إنقاذ الروس، أو مساعدتهم، أو التفكير في هويتهم، ملقيًا بالقسط الأكبر من اللوم في ما يجري، تحديدًا على الشعب الروسي، على مواطنيه. يقول بهذا الصدد: لا يمكن إلقاء اللوم في كل شيء على الدعاية، يجب أن يكون هنالك شعب متقبل للدعاية أيضًا، ويجب أن تتناسب مع عقلية الشعب. وللروس نوع من العقلية الإمبريالية، ليس لأنها متأصلة في جيناتنا، ولكنها موجودة منذ أجيال عدة.


أحمر الشفاه ملهمًا روائيًا
كانت الأخبار من بين المصادر المعتمدة في رواية "السيدة البيضاء"، التي اتخذت من قرية تعدين مسرحًا لأحداثها، حيث أسقطت القوات الروسية صيف 2014 طائرة الركاب الماليزية، الرحلة إتش إم 17، موديةً بحياة 298 شخصًا بريئًا. حاولت موسكو إنكار ذلك، لكن سرعان ما تأكدت مسؤوليتها عن ارتكاب الجريمة. تابع ليبيديف التقارير الإخبارية من منزله في بوتسدام خارج برلين، وشعر أن هذه كانت نقطة تحوّل مهمة في مسار حرب يرى أنها لم تحظَ باهتمام كافٍ في الغرب. صدّق كثيرون رواية الكرملين عن "حرب أهلية" أوكرانية في دونباس. لكن الآن، هنالك مئات الجثث تتساقط، بالمعنى الحرفي، من السماء، معظمهم من الغربيين والآسيويين. غير أنّ ما لفت انتباهه بشكل خاص تفصيل واحد. يقول:

ــ
قرأتُ أن بعض أمتعة الركاب القتلى سُرقت ثم بيعَت عبر الإنترنت. فقلتُ في نفسي، حسنًا، إنه عطر، أو أحمر شفاه، يشتريه أحدهم ويدّعي أنه قانوني، ثم يستخدمه. هكذا ينتشر سمّ الحرب، وهكذا نصبح جميعًا، أو كثير منا، شركاء في الجريمة.





زمنيًا، تدور أحداث "السيدة البيضاء" على مدار خمسة أيام صيفية من عام 2014 في منطقة دونيتسك، ومن دون الكشف عن حبكة العمل مسبقًا، يمكننا القول إن أحمر شفاه مسروقًا يلعب دورًا مهمًا. وعلى الصعيد التقني، تُروى الحكاية عبر أربعة أصوات (شخصيات)، ثلاثة منها تعيش بيننا، فيما الشخصية المتبقية يأتي صوتها من الماضي، إذ لم تعد موجودة. وكما هي الحال في رواياته السابقة، يهتم ليبيديف أيضًا بالتاريخ، بكيفية وصولنا إلى مأساة اليوم. ووفقًا لمسار السرد تتحول هذه القرية الواقعة شرق أوكرانيا، والتي سُميت في الرواية باسم الثوري الفرنسي "مارات"، إلى بؤرة للشر. وإذا كان في يومنا هذا تتساقط الجثث من السماء، فإنّ في الوقت نفسه يُكتشف أن منجمًا عميقًا يمتلئ بآلاف ضحايا إرهاب العصور السابقة: عمال مناجم مضربون أعدمتهم الشرطة القيصرية، جنود أُعدموا في الحرب الأهلية الروسية في عشرينيات القرن الماضي، ضحايا حملات التطهير الستالينية الجنونية، وإبادة النازيين لليهود. يرقد كل هؤلاء في طبقات هناك، في مراحل متفاوتة من التحجر، ربما تكتشفهم حضارة قادمة. لكن حتى الآن، يبقى "المنجم" مردومًا بالخرسانة.
كانت دونباس هي الطرف الشرقي للهولوكوست، وهو أمر غير ملحوظ، وعندما استعاد الجيش الأحمر المنطقة عام 1943، اتُخذ قرار بعدم نبش قبور آلاف اليهود الذين قُتلوا، لقد أخفوها. أخفى الاتحاد السوفياتي جرائم النازيين. كيف يمكن ذلك؟ ربما استخدموا هذا لاحقًا، ضد ألمانيا الغربية، على سبيل المثال. بالنسبة لي هذه هي الصلة، نقطة الالتقاء التي كنت أبحث عنها، يقول ليبيديف.

الروائي مُحققًا


لفترة طويلة، وحتى اليوم، بالنسبة لكثيرين، تُعرف روسيا بأنها معادية للفاشية، دولة تدّعي التفوّق الأخلاقي، والآن نرى كيف أصبحت دولة فاشية. يصبح المنجَم هنا تعبيرًا مجازيًا عن جرائم الماضي المخفية. إنه سر يُنبئ عن جرائم مماثلة ممكنة الحدوث في عصرنا، وليس مهمًا بعد ذلك أي نظام شمولي ارتكبها. يصف المهندس، أحد الأصوات الأربعة في الرواية، من مكانه من بين الأموات كيف تحوّلت الجرائم السوفياتية إلى جرائم روسية. والمهندس يمثل صوت ليبيديف نفسه في الرواية، إنه عنصر روائي ذو نظرة فاحصة للتاريخ، بمعناه المعاصر، وأيضًا التاريخ الممتد ملايين السنين في الماضي، حيث تحوّلت العوالق والسحالي إلى فحم، وهو ما يمثّل نعمة دونباس ولعنتها. وهنا يبدو ليبيديف كما لو كان تنقيبيًا بالمعنيين الجيولوجي والثقافي. عن ذلك يقول:

ــ لقد درست الجيولوجيا. وكثيرًا ما أفكر بهذه المصطلحات، الأمر أشبه ما يكون بعمل مُحقّق. هنالك أحداث وقعت منذ ملايين السنين وبالكاد تركت أثرًا، لكن لا يزال في الإمكان العثور على أدلة. هكذا أفكر في التاريخ السوفياتي: أحيانًا، مر بتحولات عديدة، وكانت كتابته تُعاد باستمرار، لكن في الإمكان النظر إلى الماضي والعثور على تفسيرات، الأمر الذي يمنحني الأمل. وهو ما أردت التأكيد عليه، فثمة بصيص أمل في الظلام الذي يطغى على حكاية "السيدة البيضاء"، يتمثل في "زانا"، الشابة التي تعود إلى القرية لرعاية والدتها وهي تُحتضر.




من الأصوات الأخرى في الرواية جنديان يخدمان الغزاة الروس على مستويات مختلفة، يُعبّران عن الأكاذيب والانحلال الأخلاقي الذي انتشر في أعقاب الحرب. ولكن عندما تصاب الأم ماريانا، وهي المعنية بعنوان الرواية، بالسرطان، وبنوع من فيروس بوتين الروحي، تفلح ابنتها، كما لو كانت معجزة، في الانسلال من الحكاية والقرية سالمة بجسدها وروحها. هذا ما يأمله القارئ ويتشبث به، على الأقل.

أسأل ليبيديف، إن كان يرى أي بصيص أمل في الوضع الراهن القاتم؟

ــ لا يزال لدي أمل، نعم. لأن ما يجري هو حرب بين الأحياء والأموات. روسيا، بشكل ما، بلد ميت، بلد زومبي. إن عيب بوتين الحقيقي هو تخوّفه الكبير من أنه لا يستطيع تقديم أي خطة مستقبل. جميع مصادر شرعيته أصبحت من الماضي. يمكن لهؤلاء الموتى الروس السائرين أن يسببوا كثيرًا من الضرر، لكن الأحياء هم دائمًا من ينتصر في النهاية.

(*) هل يستطيع كاتب روسي جاد اليوم أن يكتب عن أي شيء سوى الشرّ، عن الحرب وجذورها وعواقبها؟
ــ
جوابي هو قطعًا لا. لم يكتب أحد، باستثناء آنا بوليتكوفسكايا، عن حروب الشيشان، ونادرًا ما كتب أحد عن أفغانستان. قارنْ ذلك بحرب فييتنام التي كانت وراء انطلاق موجات أدبية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى. لقد تجنب ناشطو الثقافة الروسية على مدى 30 عامًا المواضيع المهمة حقًا. يجب أن ينتهي هذا الابتعاد عن المواجهة وهذا الصمت، لا يمكننا تكرار أخطاء الماضي. يؤكد ليبيديف الذي يريد أن يكتب عن هذه الإشكالية بالضبط، عن كيف أن جميع الروس، بمن فيهم هو نفسه، متأثرون بإرث الإمبريالية:

ــ كيف يمكننا أن نتصور أنفسنا متحررين من عبء كوننا أدوات للإمبريالية، بل وحتى من الانتفاع منها؟ كيف يمكننا التخلص من هذه العقلية؟ أرجو أن يكون هذا موضوع كتابي القادم.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.