مصطفى لغتيري كاتب بدأ رحلته مع الكلمة من دروب الدار البيضاء، وانتهى به المطاف إلى أن تمت ترجمة رواياته إلى الفرنسية والإسبانية والبرتغالية والألمانية والكردية والإنكليزية، واحتفت به منابر ثقافية من المحيط إلى الخليج ومن إسطنبول إلى القاهرة.
أسّس لغتيري غاليري الأدب وترأسه، وحكّم جوائز أدبية عربية ووطنية، وأشرف على منشورات جماعية، وانتُخب في المكتب التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب، ونال العضوية الشرفية في أكاديمية اللسانيات التركية. إنه أديب لا يكتفي بالحضور في المشهد الأدبي، بل يسعى لصنعه.
ومن أبرز أعماله الإبداعية مجموعاته القصصية "هواجس امرأة" (2001)، و"شيء من الوجل" (2004)، و"زخّات حارقة" (2013)، و"سحر المساء" (2014). كما أصدر عددًا من الروايات، منها: "رجال وكلاب" (2007)، "ليلة إفريقية" (2010)، "رقصات العنكبوت" (2011)، "حسناء إيمزورن" (2014)، "زنبقة المحيط" (2015)، "ابن السماء" (2018)، "ضجيج الرغبة" (2019)، "زوجة الملوك الثلاثة" (2023)، "في بيت الجنرال" (2025)، "تميمة الصحراء" (2025)، إضافة إلى "حطّاب الذاكرة" (2026) وغيرها.
هنا حوار معه:
(*) امتدّ مسارك الإبداعي عبر أكثر من ثلاثة عقود، وتنقّلت فيه بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا، والرواية، والشعر، والمسرح، والرحلة، والأدب التربوي، حتى بلغت إصداراتك ما يزيد على أربعين عملًا، وهو رقم لافت في المشهد الأدبي العربي، حيث إنك تُوصف بـ"أكثر الكتّاب المغاربة غزارة في الإنتاج الأدبي". فأيّ هذه الأجناس الأدبية يسكنك حقًا، وهل تجد في هذا التنوع الجنسي انعكاسًا لرؤية فنية متكاملة، أم أنه ضرب من البحث المستمر عن شكل لا يزال يراوغك؟
لا يخفى على أحد أن الأجناس الأدبية متكاملة، يكمل بعضها البعض الآخر، وهي تنتمي جميعها إلى شجرة الكتابة وارفة الظلال وكثيرة الأفنان المتشابكة مع بعضها، فحتى وإن كان لكل جنس أدبي خصائصه المائزة، فهو لا شك يتقاطع مع باقي الأجناس الأدبية في أكثر من خصيصة أو ميزة فنية، لذا يجد الكاتب نفسه أحيانًا ينتقل من جنس أدبي إلى آخر بشكل عفوي، بحسب الغاية التي يسعى إلى تحقيقها من الكتابة، وطبيعة الثيمة التي سيتناولها، وشخصيًا أجدني مسكونًا بالتجريب في شتى الأجناس الأدبية، فهناك مواضيع بعينها أرى أن الرواية تمنحها نوعًا من الإشباع في التداول، وخاصة المواضيع ذات الطبيعة الاجتماعية أو التاريخية، فيما هناك مواضيع أخرى يختص بها الفرد على الخصوص في بعدها النفسي والوجودي، تكون القصة القصيرة الأكثر قدرة على تصويرها، وكأنها جنس خاص بالفرد، بينما تميل الرواية إلى الانشغال بما هو جمعي وجماعي، تبقى اللمعات والإشراقات الوجودية والنفسية والفكرية أكثر خصوصية وعمقًا، فأظن أن القصة القصيرة جدًا تتميز بكثير من المرونة في مقاربتها.
باختصار أقول إن الأديب في حاجة ماسة إلى كل الأجناس الأدبية للتعبير من خلالها عما يرغب فيه، وذلك حسب الضرورة والمهارة التكنيكية التي يمتلكها.
(*) بدأت مسيرتك الأدبية بالمجموعات القصصية "هواجس امرأة" (2001) قبل أن تخوض غمار الرواية بـ "رجال وكلاب" (2007)؛ هل كانت القصة بالنسبة لك بوابة عبور تحتمها البدايات، وهل تشعر أن القصة تمنحك ما لا تمنحه الرواية؟
أظن أن أغلب الكتّاب تورطوا في الكتابة عبر بوابة الشعر والخواطر أو القصة القصيرة، وقد كانت بداياتي الأولى الناضجة عبر القصة القصيرة، لأنني كتبت قبل ذلك خواطر ونصوصًا مفتوحة. وربما السبب في بدايتي بالقصة القصيرة أنني قرأت كثيرًا من النصوص القصصية، وكان الحافز الأساسي هو إمكانية النشر عبر الجرائد والمجلات؛ لأن ذلك النشر يصعب بالنسبة للرواية مثلًا، فإمكانات النشر هي التي جعلتني أهتم أكثر بالقصة القصيرة. لكن هذا لا يعني أنني اكتفيت بها، فقد كنت أكتب بالموازاة مع ذلك الرواية، حتى إنني نشرت إحداها عبر جريدة وطنية. ولا أخفي أن القصة القصيرة تمنح المرء الفرصة لتطوير تقنيات الكتابة، لأنها تتميز بالدقة، وعيوبها تظهر بسرعة، عكس الرواية التي يمكن للعيوب أن تتوارى وراء الكم الهائل من الصفحات. فكم من رواية محشوّة بصفحات لا أهمية لها ولا قيمة تضيفها للنص الروائي، ويمكن حذفها بدون أن يؤثر ذلك على النص الروائي. لذا أرى أن القصة القصيرة تُعدّ كاشفة لعيوب الكتابة، ولا يبرع في فنها إلا القلة المحدودة.
(*) تُعد من أبرز الوجوه المغربية التي كتبت القصة القصيرة جدًّا، وكتبت فيها بغزارة وتميّز، كما في مجموعتك "مظلة في قبر". كيف تقرأ مستقبل هذا الجنس الأدبي، هل ترى أن المشهد الرقمي يحتضنه ويُطوّره، أم أنه يُجرّده من روحه ويختزله في مجرد فلاشات نصية سريعة الاستهلاك؟
لقد شاركت رفقة زملاء من القصاصين المغاربة في الفورة الإبداعية التي عرفها جنس القصة القصيرة جدًا خلال بداية الألفية الثالثة، وكانت مساهمتي في ذلك بأربع مجموعات قصصية وهي "مظلة في قبر" و"تسونامي" و"زخات حارقة" و"حدثنا القرد فقال". وقد كانت تلك الفترة في حقيقة الأمر مؤشرة إلى حالة إبداعية متميزة بمهرجاناتها وأنطولوجياتها وجوائزها، ومتابعاتها النقدية التي أسفرت عن عدد من المصنّفات النقدية والمقالات المتخصصة. ولا أخفي طبعًا عشقي لهذا الجنس الأدبي الجميل، الذي يتميز بالتكثيف والشذرية والعمق والقدرة على التقاط ما تعجز الأجناس الأدبية الأخرى على التقاطها، هذا فضلًا عن سهولة نشرها عبر شبكات التواصل الإلكترونية، مما جعلها تغزو الصفحات والمدوّنات إبداعًا ونقدًا وترجمة، وبالتأكيد فقصر نصوصها يتيح لها كثيرًا من الانتشار، كما يمكن اعتبارها ابنة شرعية لهذا العصر الذي يتميز بالسرعة والاختزال والدقة.
(*) في روايتك "عائشة القديسة" أعدتَ إنتاج الأسطورة الشعبية المغربية "عايشة قنديشة" برؤية روائية مغايرة، فنزعتَ عنها القداسة والوحشية لتجعلها رمزًا للتحرر والمقاومة. كيف تولّد لديك هذا الشغف بالنبش في الموروث الشعبي، وإلى أي حدٍّ يُسعف الخيال الروائي في إعادة صياغة الوعي الجمعي، من دون أن يقع في فخ التشويه أو التوظيف الأيديولوجي؟
من مصادر الإلهام المتاحة للكاتب التراث الثقافي بنوعيه العالِم والشعبي، وقد حاولت أن أستفيد من ذلك قدر المستطاع، من خلال استدعاء بعص الشخصيات أو الأحداث أو الخرافات لتوظيفها بشكل مغاير في رواياتي وقصصي، ضمن رؤيا خاصة، تنتصر للقيم الإنسانية عامة، وقد اقتبست من ذلك أسطورة "عايشة قنديشة" لكتابة رواية عنونتها بـ"عائشة القديسة" صدرت في طبعتها الأولى عن "دار النايا" بسورية عم 2008.
عائشة هي جنية منتشر ذكرها في السواحل المغربية بروايات مختلفة، لكن للأسف هناك من يرتعب من ذكرها إلى يومنا هذا؛ لأنها حسب رأيهم جنية ذات جمال خارق لكن لها قائمتا ماعز، تتجول ليلًا في الشاطئ وتصيب الرجال على الخصوص بالأذى، وقد كان توظيفي لها يستهدف غايتين: غاية أولى جمالية من خلال سرد حكاية فنطاستيكية/ عجائبية جميلة، وغاية ثانية من خلال ما يمكن تسميته بالتنوير، ويتعلق الأمر بكشف مصدر الخرافة وتحرير عقول الناس منها. علاوة على تصوير الازدواجية التي يعاني منها المثقفون، والتي تتمثل في ادّعاء إيمانهم بالفكر العقلاني، لكن ما إن تواجههم أول مشكلة حتى يسقطوا في أحضان الخرافة.
(*) تحضر البيئة المغربية والأمازيغية بقوة في أعمالك مثل "تراتيل أمازيغية" و"الأطلسي التائه"؛ كيف توازن في كتاباتك بين الخصوصية المحلية والهوية المغربية وبين الآفاق الإنسانية الكونية التي يبحث عنها أي قارئ في العالم؟
أؤمن بأن أي كاتب لا ينطلق من بيئته المحلية يضيع عليه الكثير، فالبيئة المحلية والتراث المحلي والتاريخ الوطني مصدر إلهام مهم، يمنح الكاتب خصوصية في التناول لقضاياه، ولا يمكن بأي حال من الأحوال غض الطرف عن كل ذلك، فالكاتب كما هو معروف ينتمي إلى بيئته المحلية، وهو أقدر على التعبير عنها من غيره، لأنه ينطلق من تجربة معاشة، ويعرف كل تفاصيلها الدقيقة، ولا ينطلق من رؤية ذهنية خيالية في كتاباته؛ فالكتابة تمتلك عمقها من التجربة الخاصة للكاتب، وكلما انطلق الكاتب مما يعرفه حق المعرفة حالفه النجاح. والمغرب كما هو معروف ضارب بجذوره في التاريخ، ويتميز بتنوعه الجغرافي والثقافي والعرقي، لذا من العيب عدم استثمار كل ذلك في الكتابة، ولا يخفى على أحد أن الهوية المغربية متعددة الروافد، من عربية وإفريقية وأمازيغية ومتوسطية، وقد حاولت أن أعكس هذا التنوع في كتاباتي، فكتبت عن المكون الأمازيغي في رواية "تراتيل أمازيغية"، وتحدثت عن المكون الإفريقي في رواية "ليلة إفريقية"، وهكذا.
(*) أصدرتَ مؤخرًا كتاب "تأملات في حرفة الأدب" وفيه تنتهج أسلوب السهل الممتنع وتوظّف أحدث النظريات النقدية من دون أن تُفصح عنها صراحةً، مما يجعل الكتاب في متناول القارئ غير المتخصص بدون أن يُفقده عمقه المعرفي. غير أن هذا الخيار الأسلوبي قد يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تعتقد أن إخفاء المرجعيات النظرية يُغني القارئ فعلًا أم يحرمه من أدوات تفكير ضرورية؟
أظن أن هذا الكتاب يتميز بالطابع التعليمي على الخصوص، ويتميز بطابعه الذاتي، أي أنني حاولت من خلاله تقديم وجهة نظر شخصية حول مجموعة من القضايا الأدبية يكتبها كاتب تمرّس في الإبداع سردًا وشعرًا، فامتلك حسًا فنيًا متعدّد الوجوه، فتملكته الرغبة في أن يدلو بدلوه في بعض القضايا الشائكة التي تخص مجال الأدب، وخاصة فيما يتعلق بتقنيات الكتابة، التي تعد من أهم القضايا الخلافية في مجال الإبداع الأدبي عمومًا، إذ إن أغلب الكتّاب يتوزعون إلى فئتين، إحداهما تنتصر للكتابة التعبيرية، التي تتخذ من البوح طريقها السالك في الإبداع، مع ما يستتبع ذلك من شكوى وألم، وإطلاق العنان للذات لتنثر عواطفها أو تنظمها، فيما تنتصر الثانية للكتابة باعتبارها خلقًا، يساهم به الكاتب في إثراء الواقع بعوالم جديدة متخيلة، بعيدًا عن شبح الذات، الذي يترصد الكتابة ويحد من موضوعيتها وحيادها، وبالتالي من توهجها. وفي الكتاب مقاربات شخصية لمفهوم الشخصية واللغة والزمان والمكان وغير ذلك من المفاهيم والمصطلحات، وبالطبع كل ذلك حصيلة قراءاتي المتنوعة وممارستي لفعل الكتابة.
(*) انخراطك الواسع في الفضاء العام عبر الصالونات والمنصات يجعل علاقتك بالقارئ علاقة مرئية ومباشرة؛ هل تكتب لقارئ بعينه تستحضره وأنت تكتب، أم أنك تكتب بمعزل عنه ثم تتركه يكتشف النص بمفرده؟
هناك فرق بين العمل الجمعوي الثقافي الذي أحاول من خلاله بناء الجسور بين الأدباء والمثقفين عمومًا من أجل الاحتفاء بالإبداع وتطويره وإيجاد بيئة ملائمة له، وبين التجربة الشخصية في الكتابة التي أمارسها بشكل فردي بعيدًا عن الضجيج والصخب والعيون المتلصصة. أما القارئ الذي أكتب له، فهو قارئ متنوع وينتمي لخلفيات عمرية واجتماعية متنوعة. أحاول أن أحاوره في بعض القضايا بطريقة غير مباشرة عبر الحكاية واللغة والأسلوب الأدبي، وأكون سعيدًا لو حققت له المتعة والفائدة من خلال كتاباتي، التي أنتصر فيها دومًا للتعدد والاختلاف والجمال الفني، والانتصار للمستقبل كأفق يضمنا جميعًا رغم اختلافنا العرقي والديني والاجتماعي واللغوي.
(*) في روايتك "رجال وكلاب" نجد أن السخرية فيها ليست موجّهة إلى الشخصيات أو المجتمع وحده، بل إلى القارئ نفسه، وأنه من ظنّ أنه الطبيب الذي يشخّص حالة السارد، يكتشف متأخرًا أنه هو المريض الذي يحتاج إلى التشخيص. هل ترى أن الرواية الحقيقية هي تلك التي تُقلق قارئها وتُسائله، بدلًا من أن تمنحه الراحة الوهمية لفهم الآخرين دون مواجهة ذاته؟
في رواية "رجال وكلاب" حاولت توظيف بعض مصطلحات وتقنيات التحليل النفسي كالتداعيات الحرة والوسواس القهري. ولا يخفى على أحد مدى الحيوية التي يتمتع بها هذا الفرع من المعرفة الإنسانية. وبالتالي لا بد أن يمنح الكتابة الروائية نوعًا من الحيوية والطاقة، ويطبع الشخصيات بميسم خاص يتمثل في الكشف عن التناقضات العميقة في الشخصيات. علاوة على اللعبة التقنية التي مارستها في كتابة الرواية، والتي تتمثل في فتح حوار مباشر مع القارئ من أجل دعوته للإصغاء للشخصية وهي تحكي مراحل حياتها بحثًا عن السبب المفترض للمرض النفسي الذي تعاني منه، لكن القارئ في نهاية المطاف يكتشف بأن كل ذلك مجرد خدعة للإقبال على القراءة، وإمعانًا في السخرية يقترح السارد على القارئ تبادل الأدوار، ليبادر هو نفسه لسرد قصته الخاصة، حتى يتخلص من عقده ومن اللعنات التي تطارده، فيقترح عليه أن يطاردها هو نفسه بدلًا من أن يكتفي بمطاردتها له.
(*) أسّستَ غاليري الأدب وترأّستَ الصالون الأدبي، وحكّمتَ في جوائز عربية من البحرين إلى تونس، وأشرفتَ على كتب جماعية، وانتُخبتَ في مكتب اتحاد كتاب المغرب لتصبح ليس كاتبًا فحسب، بل مؤسسةً ثقافية بامتياز. كيف تحافظ على صوتك الإبداعي الخاص في مواجهة ثقل هذه الأدوار المؤسسية؟
أحيانًا يجد المرء نفسه يقوم ببعض الأدوار التي من المفترض أن تقوم بها مؤسسات لها الإمكانيات للقيام بذلك. لكن المرء يشعر بتقاعسها، فلا يقف مكتوف اليدين إزاء ذلك، فيحاول القيام بما يستطيع القيام به بدل الاكتفاء بالشكوى، فإشعال شمعة خير من أن نكتفي بلعن الظلام. حقيقةً، حين تورطت في عالم الكتابة تعرفت بعمق على الأجواء العامة التي تؤطر الكتابة في بلادنا، فاكتشفت بمرارة أنها تعاني من كثير من القصور على مستوى تشجيع المبدعين والنشر والترويج للكتب والجوائز، فحاولت أن أساهم بقدر ضئيل في تجاوز هذا الوضع، فأسست رفقة زملائي الصالون الأدبي، وبعده غاليري الأدب، والهدف من ذلك الاحتفاء بالإبداع والمبدعين من خلال تنظيم الندوات وتشجيع النشر، خاصة للشباب، ومنح الجوائز لهم. وبالفعل ساهمنا عبر هذا العمل في بروز عدد من الكتّاب، الذين أصبحوا فاعلين في المشهد الثقافي، وكان الطموح لدينا أكبر، لكن للأسف هناك كثير من العراقيل حتى من المبدعين أنفسهم، وقد حاولت كذلك القيام بدور إيجابي من خلال مؤسسة اتحاد كتاب المغرب أيضًا، لكن اكتشفت للأسف بأن الأمور شبه ميؤوس منها. لكن كل ذلك لم يمنعني من الاشتغال على مشروعي الشخصي، وقد حققت فيه كثيرًا مما حلمت به رغم الصعوبات والعراقيل، وما زلت مع ذلك مؤمنًا بالفعل الثقافي كمحرّك أساسي للعمق الحضاري للشعوب، فالكتابة ليست مجرد عمل تقني، بل هي فعل حضاري مهم في حياة الأفراد والشعوب والمجتمعات، وإيماني العميق بذلك يحفزني على السير قدمًا في هذا المسار.
(*) نلتَ جوائز أدبية من لبنان وسورية والمغرب، وحكّمتَ في جوائز من البحرين وتونس والإمارات. أي أنك عشتَ تجربة الجائزة من الضفتين مكرَّمًا ومُحكِّمًا. فمن هذا الموقع المزدوج، كيف تقرأ دور الجوائز الأدبية العربية اليوم، هل تسهم فعلًا في بناء مشهد نقدي حقيقي وانتشار أدبي مستحق؟
أظن أن الجوائز مهمة في حياة الكتّاب، فهي تحفزهم على المزيد من العطاء، وتشعرهم بجدوى ما يقومون به، لكن على الكاتب ألا يشغل نفسه بها كثيرًا، فقد تأتي أو لا تأتي، وعدم حصوله عليها لا يعني عدم كفاءته، بل قد يكون الأمر لأسباب غير أدبية، إذ لا يخفى على أحد أن العلاقات الشخصية والمواقف السياسية قد تكون حاسمة في هذه الأمور، ومع ذلك قد تتمتع بعض الجوائز أو بعض الدورات فيها بنوع من المصداقية، فكل شيء نسبي كما هو معروف. أعتقد أن على الكاتب أن يستمد ثقته بنفسه من إيمانه العميق بما يكتبه، وليضع نصب عينيه أن كثيرًا من الكتابات الأدبية لاقت النجاح بعد موت أصحابها، بعد أن ظنوا أنهم فاشلون، فجاء من يهتم بها بعد أن قضوا نحبهم ليرفع من شأنها، بل تصبح مع الوقت من الروائع. الجوائز مهمة، لكن الأهم منها الاشتغال على مشروع متكامل، ولندع التاريخ يقل كلمته.
(*) روايتك "تراتيل أمازيغية" تشير إلى انفتاح على الهوية الأمازيغية في الفضاء المغربي، فيما تحمل روايات أخرى عندك عناوين ذات بُعد جغرافي وحضاري واسع كـ "ليلة إفريقية" و"أحلام المسيسيبي على ضفاف سبو" و"مخطوطة إسطنبول". فهل تنطلق في كتابتك من هوية مغربية راسخة تتّسع لتحتضن العالم، أم أنك تسعى إلى تجاوز الهوية المحلية نحو أدب إنساني لا تحدّه جغرافيا؟
في كثير من كتاباتي أحب أن أنطلق من أرضية صلبة تتمثل في بيئتي المحلية التي تتفرّد بتنوّع جغرافي واسع، وتعدّد في مصادر الهوية، وثراء ثقافي متعدد الطبقات، وقد عكست كل ذلك في رواياتي. وحتى لما كتبت عن جغرافيات دول أخرى كتركيا وتونس ومصر وأميركا وأوروبا وفلسطين، كان المنطلق من البيئة المحلية المغربية، فتلك الجغرافيات كانت عبارة عن رصد لامتدادات الحضور المغربي فيها؛ فإن ما يهمني بالدرجة الأولى هو انشغالات الإنسان المغربي في جغرافيته الوطنية، لكن ذلك لا يمنعني من الانفتاح على جغرافيات أخرى وعوالم مختلفة، خاصة إذا كان لذلك علاقة قوية ووطيدة بما يحدث للإنسان المغربي، وما كتبته عن تركيا مثلًا في رواية "مخطوطة إسطنبول" هو بمثابة رصد للتاريخ المشترك ما بين المملكة المغربية والدولة العثمانية في فترة من التاريخ اتسمت بالصراع والمناوشات العسكرية والأحلام المجهضة.


تحميل المقال التالي...