}

سيرين صوالحة وسامي هِرمِز: نحاول مواجهة المحو المتعمّد لفلسطين

منى سكرية منى سكرية 18 أغسطس 2026
حوارات سيرين صوالحة وسامي هِرمِز: نحاول مواجهة المحو المتعمّد لفلسطين
سيرين صوالحة وسامي هِرمِز خلال توقيع الكتاب في بيروت

 

"أخي وأرضي: حكاية من فلسطين" عنوان كتاب صدر عام 2025 باللغة العربية بترجمة إيمان أسعد، وكان قد صدر باللغة الإنكليزية عام 2024، وهو ثمرة تعاون أدبي وإنساني بين سيرين صوالحة وسامي هِرمِز أعادا من خلاله سرد سيرة عائلة صوالحة الفلسطينية بدءًا من نكبة عام 1948 وصولًا إلى الزمن الحالي. ويتميز النص بتقنياته السردية المركبة ما بين سردية الذاكرة الشخصية والتوثيق البحثي. تحكي سيرين عن أخيها إياد صوالحة، "الفتحاوي" الأسير، فالقيادي في حركة الجهاد الإسلامي شهيدًا في معركة مواجهة مع الجنود الإسرائيليين عام 2002، وذلك بحرارة الشوق ووجع الأثر لشدة واقعية حكايات شعب فلسطين المؤلمة تحت احتلال إحلالي/ استيطاني/ استعماري... من أميركا جاءت سيرين (كاتبة وراوية حكايات ومعلمة تربوية فلسطينية/ أميركية وناشطة في حقوق الإنسان، مولودة في كفر راعي في فلسطين وتعيش في نيوجرسي)، ومن الدوحة جاء سامي (مدير الآداب الحرة وأستاذ مشارك في جامعة نورثوسترن في قطر، وتمتد جذور عائلته من القوش وحلب إلى بيروت والقدس) لتوقيع الكتاب في بيروت. الكتاب صادر باللغة الإنكليزية عن منشورات جامعة ستانفورد الأميركية، وباللغة العربية عن منشورات تكوين/ ترجمة إيمان أسعد ومراجعة وتدقيق اللهجة الفلسطينية شهد دعباس، الاختصاصية بدراسة اللهجات الفلسطينية، ويقع في 462 صفحة.

معهما كان هذا الحوار في مقهى بيروتيّ على وقع دموع سيرين وارتجافات التذكُّر وعزيمة الإصرار على الإمساك بالحكاية وسردها ونشرها، وتفعيل نشرها عبر كل الشقوق والمنافذ والقلوب والمساحات "عشان ما ننسى فلسطين وعدالة قضيتها وشعبها":

(*) على صفحة الغلاف الأخيرة ثمة تقييم للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، هل هي دلالة قدرة النص على اختراق الفكر الآخر؟ وهل الكتاب لاقى نجاحًا وأوصل رسالة؟

سيرين: هناك عدد من الكتّاب ممن أعطونا نبذة تقييمهم بعد أن قرأوا الكتاب، ووصلتني رسائل كثيرة ومن بلدان ومدن، خاصة بعد أن استمعوا لمحاضراتي في لقاءات تسنى لي خلالها الحديث عن فلسطين من خلال الكتاب. بعضهم كان متعاطفًا مع إسرائيل لكنهم أخبروني عن مدى تأثرهم بمحتوى النص أو بكلامي. ومبيعات الكتاب لا بأس بها إلى الآن.

(*) ورأي إيلان بابيه؟

سيرين: جامعة ستانفورد أرسلت الكتاب لعدد من الكتّاب، وعندما أتتهم الردود اختاروا تعليق بابيه على الغلاف، مع وجود ردود أخرى تضمنها الكتاب. أذكر أن الكاتب والمؤرخ نيف جوردون التقيناه وزوجته في لندن لإلقاء محاضرة عن الكتاب، أخبرنا أنه أحد الذين أرسلت ستانفورد لهم الكتاب للتقييم. زوجته قالت له عليك أن تكتب تقييمك أو أزعل منك، مع أن الكتاب يحكي عن شخص من حركة الجهاد الإسلامي. طبعًا تقييمه موجود داخل صفحات الكتاب. كاتب واحد من أصل 4 أرسلت لهم ستانفورد النص للتقييم، 3 أجابوا وواحد لم يفعل فخمّنت أنه صهيوني.

سامي: مع كل احترامي وتقديري لإيلان بابيه، وأنا أحبه، ولكن كان لدي رأي مغاير، بمعنى ألا يعطي الشهادة بكتابنا هذا شخص إسرائيلي، لأن مجرد قبول إسرائيلي يعني أن الكتاب ممتاز. طبعًا ستانفورد أرادت إبراز تقييمه لكسب سكوت الجمهور الأميركي. هذا ما جعلني أفهم غايتهم، رغم قناعتي أن الكتاب فلسطيني ومن بلاد الشام لا يحتاج لما حصل. وأنا لم يكن عندي تواصل مع ستانفورد.




(*) تقولين بأنك وفيت نذرك ووعدك لأخيك إياد الذي كان أسيرًا ثم شهيدًا بكتابة قصته، هل أوصلت جزءًا من رسالتك؟

سيرين: الغريب أنه عندما استشهد أخي إياد كان يرتدي قميصًا قطنيًا كُتب عليه "عهدًا ووعدًا لن أنساك يا معتصم"، هذا ما أخبرني به أحد أصحابه. فأخذت أنا الشعار "عهدًا ووعدًا ما بنساك يا إياد". ففي آخر لقاء لي معه وكان خلف قضبان السجن الإسرائيلي قال لي "ما تنسيني بالسجن". وعدي له ولفلسطين أن أبقى أحكي وأجول وأنسق المظاهرات ضد الإبادة، وأرفع الصوت حيث يمكنني لأن قضية فلسطين تحتاج إلى جهود كل المخلصين. لا أهدأ ولن أهدأ حتى لو كلفني ذلك الطرد من عملي، وهذا ما حصل معي في إحدى المرات في أميركا.

(*) على سيرة التجاوب مع روايتك عن فلسطين، هل بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 اختلفت النظرة لهذه القضية؟

سيرين: طبعًا أنا عندي كثير من الأمل بهذا التغير. عندما ذهبت إلى أميركا للدراسة في تسعينيات القرن الماضي لم ألتق أشخاصًا بالوسط الدراسي والأكاديمي كانوا على معرفة بفلسطين، ولا بعلمها أو الكوفية ورمزيتها، ولا برسام الكاريكاتور ناجي العلي. بل كانت خارطة فلسطين بالنسبة لهم أنها إسرائيل. بعد أحداث 7 أكتوبر والمظاهرات التي حصلت لفلسطين والأفلام الفلسطينية التي انشغل عليها، والكتب والمحاضرات التي أقيمت، أشعرني كل ذلك بتجاوب ملحوظ في الشارع الأميركي وملامح تغيّر في الاهتمام. مثلًا، عندما تنطلق تظاهرة في شوارع نيويورك تضم حوالي 50 ألف شخص فهذا أمر لم يكن واردًا في الحلم بالنسبة لنا، ومع ارتداء الكوفية الفلسطينية بشوارع نيويورك صرنا نلتقي بأشخاص يسألوننا عنها، وهناك من يستوقفني ليقول لي: الحرية لفلسطين، أو تعيش فلسطين، رافعين أصابعهم شارة نصر. هناك اهتمام أراه في صورة تغيير لدى الرأي العام.

(*) دكتور سامي، هل يمكن للّهجة الفلسطينية المستخدمة في نص الكتاب بالعامية إلى جانب مقاطع باللغة الفصحى أن تخدم النص خارج نطاق من يعرف ويتقن اللهجة الفلسطينية، خاصة أنه حتى ضمن فلسطين هناك اختلاف باللهجات المحكية بين المناطق، فما بالك باختلاف اللهجات على امتداد الوطن العربي؟

سامي: توجد تجارب من هذا النوع عند الأديب الراحل إلياس خوري بكتابته لهجات محكية.

(*) لكن خوري كان يضع الكلمات باللهجة العامية بين مزدوجين!

سامي: علينا عدم تقديم كل شيء للقارئ من دون تعب التفكير. عليه أن يشعر معنى وجدانية الكلام ويحس به. أن يقرأها بشغف وأن يتقمّص شخصية قائلها.

(*) من حيث المبدأ، هل استخدام اللهجات العامية يشكّل فائدة للنص؟

سامي: بالتأكيد إنها مفيدة، وهذه الاختلافات في اللهجات تُغني التنوّع في اللغة العربية.

(*) يمكننا القول إن معظم أبطال الأعمال الروائية العربية هم إما الأم أو الأب أو الحبيب. هنا نلاحظ أن الأخ هو القصة. هل رأيتما فيه رمزًا للنضال الفلسطيني فاحتل عنوان الغلاف أيضًا؟

سامي: نعم، أوافق هذا التفسير. فلو أردت أن أحكي عن الأرض أو الحياة اليومية سيصدر عني كتاب أنثروبولوجي، أو نص كتاب بطيء. قصة إياد صوالحة هي روح النص، هي دراما الكتاب لأنه هو المقاوم، والأسير، ثم الشهيد والقيادي في أثناء استشهاده. ولو أن أخت سيرين كانت كذلك لكان الكتاب عنها.

سيرين: أنتِ سألتِ لماذا إياد. الأخ، روح الأخ هو "أخوي" إياد. لحظة ولادة إياد كنت لصيقة بأمي ورأيت لحظة خروجه من رحمها. وصفته بالكتاب كيف كان هادئًا منذ صغره، وكان أخواي يوسف وإيهاب يضربانه أحيانًا، فكنت أنا المحامية عنه. وهكذا تمتّنت العلاقة العاطفية بيننا. وعندما كان في السجن تبادلت رسائل كثيرة بيني وبينه وما زلت أحتفظ بها.

(*) ولماذا لا تنشرينها بكتاب وأن تكون بخط يد أسير/ قائد/ شهيد؟

سيرين: أتمنى حصول ذلك بأن يصدروا في كتاب. عندي الدفتر خاصته في السجن. كان يقرأ القرآن ويترجم منه. إياد دخل السجن منتميًا لحركة فتح، وفي السجن تحوّل إلى حركة الجهاد الإسلامي.

سيرين صوالحة وسامي هِرمِز 



(*) هنا أود أن أسألك كيف أن ستانفورد وافقت على طباعة كتاب يحكي عن قيادي في حركة الجهاد الإسلامي المحظورة في أميركا؟

سيرين: بصراحة كانت مفاجأة كبيرة لي ولسامي.

سامي: بصراحة عندما بدأت أكتب النص أخذني التفكير أن الكتابة ستكون عن قيادي في حركة إسلامية محظورة في أميركا، وكان مدبرًا لعمليات استشهادية. ولكن قررت أن أكتب القصة، قصة إياد صوالحة كما هي، وليقبل بها من يقبل، أو ليرفض فليس هذا شأني، ولن أعتذر عما فعله إياد. فهذه هي المقاومة. أنا سأكتب قصة واقعية حصلت وعن شعب يرزح تحت الاحتلال. أخذني التفكير أيضًا عن صعوبة إيجاد دار نشر أميركية توافق على طباعته. ولكن وبكل صراحة فإن ستانفورد والناشر فيها "أقوياء جدًا"، وسبق لهم أن نشروا العديد من الكتب عن فلسطين وعن التاريخ وعن الأنثروبولوجيا وفيه الكثير من النقد.

(*) كأكاديمي بمادة الأنثروبولوجيا أين خدمت النص من خلال اختصاصك، أم أن النص ساعدك باستقرائه من خلال اختصاصك؟

سامي: سؤال جميل. نعم الحقل الأنثروبولوجي ساعدني بطريقة التفكير. اطلاعي على الحياة اليومية ومتابعة تفاصيلها أتت من اختصاصي. أيضًا طريقة سرد سيرين للقصة ساعدني، وأعطى البعد الإنساني لها. ابتعدت بدايةً عن تفسير الكلام كما لو أنني أشرح نظرية، وقررت الكتابة كروائي مع صعوبتها بالنسبة لي كأكاديمي وأنثروبولوجي، وعلى القارئ أن يحلل ويفهم. ولكن ومن ضمن اختصاصي عملت على البحث عن حركة الجهاد الإسلامي، وتفاصيل الحياة في كفر راعي، قرية سيرين، وزرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت واطلعت على الكتب الصادرة عندهم بما يفيد عملي هذا. القصة التي روتها لي سيرين كانت صحيحة بامتياز، ولكن تعيّن عليّ كباحث تدعيم النص.

(*) ذكرت في الكتاب أنك أصريت على اعتماد التسميات باللغة العربية للقرى وعلى الخرائط والمصطلحات، هل من مزيد من التوضيح؟

سامي: هدفي من الكتابة أن أعتمد منهجي كأنثروبولوجي، وأن أستخدم مصطلحاتنا وليس مصطلحات الاحتلال، ولا تلك التي يستخدمها الغرب. أنا أستخدم مصطلح عمليات استشهادية بالطبعة الإنكليزية أيضًا، وأقول فلسطين 48 لأن الشعب الفلسطيني يستخدمها هكذا. ومثلًا لا أقول العمليات الإسرائيلية بالمسميات التوراتية التي يطلقونها على أعمالهم الحربية، وإنما أقول الهجوم الإسرائيلي أو العدوان الإسرائيلي، ولا أستخدم مقولتهم أن جيشهم جيش الدفاع. واستخدمت في الخرائط مصطلح إسرائيل التي تعترف بها الأمم المتحدة وليس نحن. نحن نراها فلسطين. واعتمدت التسميات العربية للقرى والأماكن في النص لأن التسميات العربية تذكير ضروري بتاريخ تلك الأماكن في وجه المحو المتعمّد لفلسطين.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.