تعرفتُ بشكل متأخر على كتابات المؤرخ والدبلوماسي اللبناني خالد زيادة، إذ كلما قرأت له مؤلفًا جديدًا كنت أجدني أمام اختيارات موفقة، لا من ناحية الموضوعات التي يطرق بابها فقط، بل حتى على مستوى الشكل الذي يختاره صاحب "لم يعد لأوروبا ما تقدمه للعرب" ليكون مدخلًا لممارسة نوع من الغواية الفكرية على وجدان القارئ. ويعد كتاب "المدينة العربية والحداثة" المدخل الحقيقي الذي كان سببًا في بداية الصداقة الفكرية مع خالد زيادة، حيث نجح زيادة في هذا الكتاب بالحفر عميقًا في بنية التراث المعماري العربي في مصادره المتنوعة، إذ يعد الكتاب اليوم مرجعًا أصيلًا لعدد من الباحثين الذين يحفرون في تاريخ العمارة الإسلامية وتحولاتها. ورغم وجود مجموعة من المتون التاريخية في الموضوع، فإن كتاب خالد زيادة يظل يحتفظ ببريقه الفكري المعاصر على مستوى المقاربات والنماذج التي يتطرّق إليها الباحث. لكن حين أصدر خالد زيادة كتابه الجديد قبل أيام بعنوان "عقد الستينيات الفريد" (دار رياض الريس، 2026) وجدتني أمام متعة فكرية أخرى يختلط فيها الفكري بالتاريخي والواقعي بالشخصي. فهو كتاب ينتمي إلى نمط المذكرات، لكنْ ليس بالأسلوب النمطي السردي القديم، بل إنه يكتب عن حياته خلال الستينيات وكأنه يكتب عن تاريخ البيئة العربية وشجونها. إذ يعمد إلى الكتابة عن أحداث سياسية واجتماعية وثقافية من خلاله ذاته، حيث تصبح الكتابة مرآة حقيقية لما يستبطن في الاجتماع العربي من أهوال ومآزق وتصدعات... لذلك يأتي الكتاب وفق آلية فكرية وبأسلوب أدبي يقترب من الكتابات الذاتية التأملية، فهو يكتب سيرة ذاتية تُبطن تأملًا فكريًا ورصدًا تاريخيًا ومعاينة ثقافية للواقع العربي خلال الستينيات، يرصد زيادة من خلالها مجموعة من التحولات التي ألمت بهذا العقد الذي يراه فريدًا، حيث يظل يطارد على امتداد الكتاب أحداثه ووقائعه والطريقة التي أثر فيها على الأمزجة والواقع والأذواق والتخيلات.
هنا حوار معه:
(*) أولًا، ماذا تبقى في جسدك من ذاكرة ستينيات القرن العشرين، بكل ما عرفته من ثورات سياسية، وتحولات ثقافية، والتي دفعتك هذه الأيام إلى اصدار مؤلف جديد يحمل عنوان "عقد الستينيات الفريد"؟
هذا الكتاب هو نوع من المذكرات، حملته في نفسي سنوات قبل أن ينتقل من الذاكرة إلى الورق. لكنها مذكرات تختلف عن الشائع في أدب السيرة، ذلك أنني تناولت فترة محددة هي ستينيات القرن العشرين، التي دخلتها في سن الثامنة، وخرجت منها في الثامنة عشرة. وهذا يعني أن تكويني الذهني والجسدي يرجع إلى تلك الفترة التي انتقلت فيها من سن الصبا المبكر إلى سن النضج مرورًا بالمراهقة.
لهذا أرى تلك السنوات هي الأهم في حياة الإنسان، فهي التي تطبع مستقبله، وعلى الأقل بالنسبة لي كانت كذلك.
هذه المذكرات يتداخل فيها الشخصي بالعام، والفكري بالسياسي. إن الوقائع التي يمرّ فيها الشخص تصبح جزءًا من تكوينه، والمرء ليس من صنع العائلة التي نشأ فيها فقط، ولا من صنع المدرسة التي تعلّم فيها فحسب. إنه ابن الأحداث التي صاغته حتى وإن لم يكن على وعي بذلك. كنت في تلك الفترة مدركًا للأحداث العامة، ذلك أن أخوتي الأكبر سنًا كانوا حزبيين نشيطين، وكنت أتأثر بأقوالهم وأنشطتهم. إضافة إلى أنني كنت أطلع على الصحف والمجلات التي تدخل المنزل بشكل يومي. وأكاد أقول إنني تعلّمت القراءة من خلال اطلاعي على الصحف، ثم الكتب التي كانت تكوّن مكتبة المنزل.
ما أردته من هذا الكتاب هو خوض تجربة في الأسلوب والنوع، يمكن أن يُقرأ كمذكرات شخصية، أو أن يُقرأ كرواية، وربما يميل بعض القرّاء إلى اعتباره كتابًا يؤرّخ لمرحلة غنية بالأحداث التي شكلّت منعطفًا خطيرًا في العالم العربي.
(*) يختلف هذا الكتاب عن باقي مؤلفاتك الأخرى، سواء التاريخيّة، أو الأدبية. ما الذي جعلك تراهن على مستوى الشكل، على هذا النوع من الكتابة الذي يجعل من الذاتي ــ الحميمي أفقًا للتفكير وبناء الذاكرة الجماعية لهذا الجيل الذي ما يزال أثره واضحًا في الاجتماع العربي المعاصر؟
صحيح، إنه يختلف عن مؤلفاتي السابقة، فهو من النوع الذي يرغب الكاتب بأن يكتبه حين يبلغ سنًا معينًا على شكل مذكرات. ومن جهتي، لم أفكّر ولم أرغب يومًا في تدوين سيرتي المهنية، بالرغم من أن عددًا من الأصدقاء كانوا يلّحون عليّ في تدوين مذكراتي كدبلوماسي، ولكنني لم أجد أن الأمر يستحّق العناء والتسجيل. ولكن فكرة تدوين تلك الفترة، أي الستينيات من القرن العشرين، ألحّت عليّ منذ سنوات. أولًا لأنني أرى أنني تكوّنت خلالها، وثانيًا لأنني أعتقد أن ما شهده العقد الستيني يستحق التسجيل بسبب غنى الأحداث والتطورات، أو هكذا أرى من وجهة نظري ككاتب يعتني بالتاريخ.
من ناحية أخرى، فإنني، وفي كل كتبي البحثية، أو الأدبية، أميل إلى استخدام حقول متعددة في التاريخ والاجتماع. وعلى سبيل المثال، فإن "حكاية فيصل" هي في الوقت نفسه تأريخ لمرحلة محددة في المشرق العربي في أسلوب روائي من خلال مذكرات مفترضة للأمير فيصل.
ولعلني في هذا الكتاب، أي "عقد الستينيات الفريد"، قد خطوت خطوات واسعة في دمج الخاص بالعام، والحميمي بالسياسي والفكري.
(*) يتميز الكتاب بقدرتك المدهشة في التقاط تفاصيل مضيئة من طفولتك وحياتك الشخصية، ومحاولة جعلها تتماهى مع الأحداث السياسية والثقافية والاجتماعية التي عرفها العالم خلال ستينيات القرن العشرين. إلى أيّ حد في نظرك يمكن الكتابة عن العالم والآخر انطلاقًا من ذاتنا؟ أو بعبارة أخرى، هل تؤمن بالطرح الفلسفي الذي يرى أن الماضي يقبع في داخلنا، وأن هنالك إشارات خضراء باطنية هي التي تجذبنا إليه، وتجعلنا نتماهى معه أنطولوجيا؟
أعتقد أن المدهش هو التفلّت من القيود المدرسية بالدرجة الأولى، فنحن نخضع من حيث لا ندري، أو من حيث التزامنا بقواعد في الكتابة راسخة منذ أجيال. والواقع أنني قلّما خضعت لها. والسؤال إذا كان في إمكاننا أن نكتب عن العالم انطلاقًا من ذاتنا؟ أقول بأن كل كتابة هي انطلاق من الذات، والموضوعية المطلقة لا توجد إلا في الرياضيات والفيزياء. أما في الإنسانيات فكل بحثٍ هو انعكاس لفكر وذاتية الباحث.
نعم، أؤمن بأن الماضي يقبع في داخلنا، وبغّض النظر عن الرأي الفلسفي، فإن الكائن الحي هو تراكم من الخبرات، والجذع الراسخ هو سنوات التكوين الأولى بين الصبا والمراهقة. قال لي أحد الأساتذة الكبار: لا شيء يضيع في التاريخ. وأرى بأن لا شيء يغيب في تاريخ الكائن الفرد.
(*) منذ تقديم الكتاب، رأيت أن هنالك "حداثة" تبلورت خلال عقد الستينيات، لكن بالرجوع إلى الريبرتوار الفكري لعدد من البلدان العربية سنجد أن هذه الحداثة لم تتبلور بالقوة إلا مع جيل السبعينيات الذي يعد علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة، سواء من ناحية الممارسات الإبداعية، أو حتى من لدن الكتابة الفكرية التي ساهمت في بروز عدد من المفكرين الذين جعلوا الفكر العربي يسلك مسارب جديدة. ما المرجعيات الفكرية التي جعلتك ترى في الستينيات مختبرًا لميلاد الحداثة؟
لم أقصد القول إن الحداثة بدأت في الستينيات، ولكنني أشرت إلى أن عقد الستينيات قد شهد ظواهر وأحداثًا ووقائع شديدة التأثير في المجتمعات الغربية، ثم العربية. والحداثة لا تقتصر على الجانب الفكري، ولعلني شددت في أكثر من موضع في الكتاب على حداثة اجتماعية وسياسية، ثم ثقافية بشكل عام، وفكرية.
لقد عشت تلك التحولات الاجتماعية في المنزل، وفي الحارة، وفي المدينة، حين كان الناس يبدّلون عاداتهم، وملابسهم، ومنازلهم، باسم التحديث، خلعت المرأة الحجاب في بلدان المشرق، مع ما يعني ذلك من تبدّل في القيم والمبادئ والأخلاقيات.
وقد أشرت إلى الاتجاهات الثقافية وتبدّل الجغرافيا الثقافية في العالم العربي. لمدة مائة سنة بين 1860 و1960، كانت مصر هي رائدة الثقافة العربية. فكانت الكتب والمجلات المصرية تنتشر في كل العواصم العربية في المشرق والمغرب. وتثقفت أجيال على مؤلفات محمد عبده، وطه حسين، وسلامة موسى، وغيرهم. لكن مصر خسرت موقعها بسبب الرقابة المشددة على الأفكار وإقفال أبواب الانفتاح والتفاعل مع العالم، ولهذا فإن لبنان والعاصمة بيروت أضحت في الستينيات عاصمة الثقافة العربية، ويعود ذلك للأسباب الرئيسية التالية، الحفاظ على حرية التعبير، الانفتاح على الثقافة الغربية، وخصوصًا لجهة ترجمة الأعمال الفكرية والأدبية، لأن بيروت أصبحت الميدان للسجالات الفكرية والعقائدية.
أما لجهة الأفكار، فإن السبعينيات حملت معها الأفكار والتعبيرات الفكرية الجديدة، وخصوصًا لجهة تخطي السجالات الأيديولوجية التي كانت سائدة في المشرق. وينبغي الإقرار بأن المفكرين في المغرب العربي هم الذين أسهموا في ذلك.
(*) تسلك عملية الحكي منعرجات مذهلة وهي تعيد ذاكرتك الطفولية بكل ما طبعها من أفراح وأحزان بطريقة يصبح من خلالها فعل الكتابة بمثابة امتحان عسير على ترويض الذاكرة. ذاتيًا، كيف عشت مخاض هذه "الكتابة" التي ينعدم فيها الشكل الأدبي، بما يجعل القارئ يشعر بنوع من الحيرة بين متاهات السرد ولذة الحكي؟
لا يتعلق الأمر بعمل تلقائي، فمنذ عدة سنوات تكوّنت لدي فكرة كتابة لا تخضع لقواعد شائعة ومتبعة في الأعمال الأدبية. أردت هذا المزج بين الخاص والحميمي والعام، أي أن أسجّل ذكرياتي كما هي، والذكريات تخلط بين العام والخاص. وحين تشرع في الكتابة فإن كثيرًا من الوقائع التي كانت مستترة تبرز أمامك. وقد ازداد حماسي لهذا النوع من الكتابة باعتباره تجربة جديدة في السرد تكسر القواعد المتبعة.
وأظن ان لكل قارئ طريقته الخاصة في القراءة. ويمكن لهذا النوع من الكتابة أن يجعله يقظًا ولا يقع في الملل. من المؤكد أن الكاتب يفكر في القارئ، أو في قارئ معين، ولكنه لا يستطيع أن يلبّي كل الأذواق. وبمناسبة السؤال، أنتظر كيف سيستقبل القرّاء هذا النوع من السرد، وماذا سيقول النقّاد حول هذه التجربة في الكتابة.
(*) رغم أن الكتاب يندرج ضمن الكتابة الذاتية المفتوحة التي ينعدم فيها مفهوم الجنس الأدبي، إلا أنك قمت على مدار صفحات الكتاب بخلق توليفة فكرية مدهشة تقوم عبرها بعملية مقارنة بين ما يحدث عربيًا وفي العالم ككل. بل إنك استندت أكثر من مرة على عدد من المفكرين والفلاسفة الذي جعلوا من عقد الستينيات يتميز بالفرادة. من المنظور الفكري، كيف أثر ما حدث في العالم، في ذلك الإبان، على مسار التطور الفكري داخل العالم العربي الذي كان آنذاك ما يزال يتأرجح بين الحداثة والتقليد؟
هذه التوليفة الفكرية ليست مصطنعة؛ إنها انعكاس لذاكرتي التي لا تفصل بين العام والخاص. وأحيانًا يكون ما هو خارجنا أقوى في تأثيره علينا. هذا ما حدث إثر هزيمة حزيران/ يونيو 1967، حيث صارت الأحداث هي التي تحدد أفكارنا وسلوكنا، ولم تعد الوقائع تنفصل بعضها عن بعض، لكن المسافة الزمنية التي تفصلني عن تلك المرحلة أكسبتني القدرة على النظر بموضوعية ونقدية تجاه أشخاص، أو وقائع، كنّا نصفّق لها.
كانت القراءة بالنسبة لي جزءًا من يومياتي، وكانت تفسّر الهموم الفكرية لتلك المرحلة. وقد أعانني ذلك على فهم ما كان يجري آنذاك. تبدّلت اتجاهات التفكير في المشرق العربي بعد عام 1967، وحدثت مراجعة للسياسات والأيديولوجيات، وحدث انفتاح على ما ينتج فكريًا في أوروبا. أذكر على سبيل المثال، هربرت ماركوز، وهنري لوفيڤر، وريجيس دوبريه.
لكن لنقل بأن هذه الأعمال الفكرية كان تداولها محدودًا في أوساط المثقفين، فحداثة الستينيات كانت في السلوك، وتبدّل العادات، لكنها لم تستطع أن تحجب قوة التقاليد الراسخة.


تحميل المقال التالي...