}

صلاح بوسريف: الكتابة عمران تقوم على الإضافة والتجاوز

عباس ثائر 23 سبتمبر 2026
حوارات صلاح بوسريف: الكتابة عمران تقوم على الإضافة والتجاوز
صلاح بوسريف


من الشعراء من يكتب قصيدة، ومنهم من يكتب اللغة نفسها، فيعيد للحرف ولادته الأولى. صلاح بوسريف من هؤلاء، إذ إنه لا يجيء النص مثل زائر عابر ليغادر بعد ذاك، بل يسكنه، ويفككه، ثم يعيده حجارة فوق أخرى، حتى تغدو الكتابة عنده فعل وجود، وليس قولًا فحسب، منذ "فاكهة الليل"، وحتى "بيت الكينونة"، لم يكن بوسريف يطلب الصورة بعينها، بل كان يطلب ما خلفها، الشيء الذي لا اسم له، ولا يولد إلا حين تصبح الكلمات أشرعةً لا مستقر لها، تجري بما لا تشتهي الرياح.

بوسريف حنجرة من حناجر تكاد تكون شحيحة في المغرب والعالم العربي، لم تكتف بصوت واحد، بل صار لها أكثر من صوت: شاعر، وناقد، وباحث، يتنقل بينها كمن يتنقل بين غرف بيت واحد. حصل على الدكتوراه في موضوع الكتابة في الشعر العربي المعاصر، وكانت كسؤال يفتحه كل يوم من جديد: ما الشعر؟ وكيف يكون الصوت كتابة، والكتابة صوتًا؟ ما يجعل تجربته مهمة، هو إصراره على أن الشعر لا يكتمل أبدًا. لا شكل واحد يأخذه، ولا زمن يحاصره، ولا هوية واحدة تكفيه.

هنا حوار معه:

(*) حمل كتابك "رفات جلجامش" في عنوانه كلمة "رفات"، كلمة قفزت من قواميس الموتى إلى قاموسك، لم اخترت أن تلتقي جلجامش من هذه البوابة، بوابة الموت؟ هل جاءك الكتاب من مكان الخسارة، أم أن في الرفات حياة لا تموت؟

تعرف أن مشكلة جلجامش كانت هي مواجهة الموت بالأبد، لم يعرف الموت، ولم يظن أنه سيموت، فهو من سلالة الآلهة، من جهة أمه، نصفه الآخر بشر. منذ موت صديقه أنكيدو، أدرك معنى الغياب والفناء، وهو لم يرغب في الفناء، لذلك بحث عن نبتة الخلود، وصل إليها، لكنه ضيعها. وإذًا، فالموت كان هاجسًا، كما هو هاجس دائم عند الأبطال، وعند الحكام، وعند العظماء من الناس، ومن ليسوا لا هذا ولا ذاك، فهو ما يساوي الجميع في الغياب، لذلك كان لا بد، عند جلجامش، من شيء يؤكد له ملوكيته وعظمته وبطولته وخصوصيته، وبأي معنى، فكانت أوروك، المدينة التي شيدها، وكانت هي سرة العالم، ونبهته سيدوري صاحبة الحانة، أنها رمز خلوده، ما سيذكره به الناس، أي بالعمران، لا بالخراب، وهو كان طاغية ومتجبرًا، وأن اسمه سيكون ضمن الخالدين في اللوح المكتوب في الغابة التي لا يدخلها بشر، ودخلها هو وأنكيدو، وفيها مات أنكيدو.

فأنت ترى أن أوروك، هنا، هي رفات، وأن من يرغب في معرفة أسرار الأسطورة في بعدها الكوني، بكل ما فيها من رموز وإشارات، وما فيها من رؤى ومواقف، وما فيها من رسائل، عليه أن يبدأ من هذا الرفات، من الغياب الذي هو الحضور، ومن الحضور الذي هو غياب، الشيء بنقيضه، هذا هو الرفات. انظر قبور الفراعنة، والقبور البشرية اليوم التي توجد في كل مكان، بشكل بنائها، ووضع الأسماء والتواريخ على شواهدها، فهي، في بعدها الرمزي، هذا الخلود الذي هو مواجهة للفناء والغياب، وحتى من يحرقون، فرمادهم يبقى موجودًا في البيوت والمعابد. أوليس الوجود رفاتًا، والحضور هو نفسه الغياب. هذا ما كان هذا العمل الشعري الذي كتبته بنفس ملحمي، يحاول أن يقوله شعريًا، وهو نص واحد، ببناء متشابك، وشديد التعقيد والغموض.


(*)
تستهل الكتاب بعنوان "أبجديات الخلق"، وتستدعي فيه نصوصًا من التكوين وأساطير الخلق العربي، هذا يقودنا إلى سؤال: ما الذي يعنيه الخلق بالنسبة إليك في هذا السياق، هل هو خلق العالم، أم خلق الشعر والكتابة، أم خلق الإنسان الذي لم يكتمل بعد؟

أنا لست غيري، في جيناتي، وفي بصماتي، وحتى في دمي رغم ما قد يكون من تشابه، فدمي يجري في نفسي لا في جسدي، وهو غير دم من يكونون من نفس الفصيلة، لذلك كان الخلق ابتداعًا وابتكارًا، والكتابة هي هذه، كتابات خلق، وكتب خلق. وما كان عند فلاسفة ما قبل سقراط من تأمل في أصل الوجود، بالعناصر الأربعة التي قال كل واحد ببعضها، هي نفس ما نجده في السؤال الجوهري الذي علينا أن ننتبه إليه في ملحمة جلجامش، وهو: لماذا خلقنا، إذا كنا سنفنى!؟ وهو سؤال إنكاري، لا يقبل فيه جلجامش الموت كحتمية وجودية، لذلك اقتنع بالأبد، من خلال العمران، والكتابة عمران، تقوم على الإضافة والتجاوز، لا على التكرار والاستمرار، بل هي صيرورة، وأنا، بما تمثلته عند هيراقليط، أراقب الصيرورة، كما عبرت عن ذلك في كتابي "مراقبة الصيرورة".

(*) الموت في كتابك ليس نهاية مفاجئة، بل رفيق المرء يمشي معه طوال الوقت، ففي إحدى الصفحات تقول: "الغيب أضحى شجرًا بلا جذور" كيف تصف علاقتك الخاصة بالفناء، هل ترى أن الكتابة الشعرية تأجيل للموت، أم اعتراف به، أم شيء آخر لم تكشف لقرائك؟

الشعر، دون غيره من أجناس الكتابة والإبداع، كان، منذ جلجامش، هو هذا بالذات، هو مجابهة العدم بالخلود، لا بالوجود فقط، والخلود، هو المعنى الذي يتوخاه الشعر، ويكون به، وإلا فهو استعادة واجترار.

الموت عندي "صديق"، كما في عملي الشعري "آخر الموتى"، هكذا نظرت إليه، وهكذا أعتبره. ما دمت لا أعرف ما سأكون عليه بعد الموت، علي، إذًا، أن أخلق شكل ونمط وجودي، أي ما به أرغب أن أكون في أبدي. أن أستحيل إلى تراب، أو ماء، أو هواء، هذا يعني الأحياء من يكون الموت هاجسهم، أنا الفاني، فلا يعنيني إلا ما أكون فيه، أو أتخيله وأكتبه مجازًا. هذا هو الفرق بين الشاعر، وغير الشاعر.

(*) تظهر في الكتاب صورة "الأعمى الذي ضل الطريق" وتتساءل: "ألست أفضل من الأعمى؟"، وهي إشارة حمراء تستوقف القارئ ثم تدفعه إلى السير نحو السؤال: هل يرى الشاعر ما لا يراه الآخرون، أم أن الشعراء هم بامتياز ضيعوا الطريق، فاعتبروا أن أجمل المناطق تقع في خطئهم؟

طريق الشاعر، الشعر ذاته، بكل ما في الشعر من ضلال، ومن ظلال. وكما في عملي الشعري ـ الفني الذي أنجز رسوماته البديعة الشاعر والفنان محمد العامري "كوميديا العدم ‘في الذبول المريب من الحلم‘"، رأيت أن مكان الشاعر، والرسام، والفيلسوف، هو "المحشر"، في هذا الما ـ بين الغامض الذي يصعب تصوره، لكنه، لا هو "جنة" ولا هو "جحيم". هذا هو ضلال الأعمى، من تتضافر حواسه، ليرى ما لا يراه غيره من المبصرين، من يكتفون بالظاهر، وما يشخص لهم، أما الشاعر، فهو راء، وهذا كما نجده عند عبد الجبار النفري، نسبة لبلدته نفر في العراق، وعند رامبو كمثالين فقط، والرؤيا، هي أفق بلا تخوم. من هنا تأتي العلاقة المعقدة بالشعر عند من يتهمون الشعر بالغموض، أو بالتعقيد، فهم يرغبون أن يقول الشعر ما يريدون، لا ما يستبصره الشاعر من أفق وطريق، ومن تخوم لا متناهية.

(*) تستشهد بجاك دريدا حين يقول: "كل إدراك هو مسبقًا نقد للظاهر". من هنا، كيف تنظر إلى الشعر العربي الذي نشأ في ظل الوقوف على الأطلال، أهو شعر نقدي للوجود، أم هو احتفاء به وتمجيد؟

أنا لا أقلل من شعر أي مرحلة، ولا أعتبر الماضي انتهى وانقضى، وأشرت إلى التاريخ الفكري والفني ـ الجمالي، وهذا نجده في كل الشعر، في الكون، فلا شعر ما لم يكن له تاريخ بهذا المعنى، وهو هوية وحضور هؤلاء معنا. فكرة الوقوف على الأطلال التي استهجنها ورفضها أبو نواس، هي فكرة عظيمة، وغير مسبوقة في الخيال البشري، رغم وجود بعض ما يضاهيها في الأساطير، لكنها بالشكل الذي ظهرت به عند امرئ القيس، كانت حالةً خاصة، فكيف يمكن من خلال المحو، إثبات الأثر، ومن خلال الغياب، توكيد الحضور. وهذا، بهذا المعنى، أفق للتفكير الفلسفي، وليس الشعري الجمالي. ولا تنس أن الشعر كان هو أساس السؤال الفلسفي، انظر ملحمة جلجامش، كما أشرت إليها أعلاه، سترى أن السؤال الجوهري فيها، هو سؤال الوجود والعدم.

أما ما يقوله دريدا فهو توكيد لهذا، فالظاهر ليس شيئًا بلا قيمة، بل إن في النقد والقراءة، كل التفاصيل والجزئيات صالحة لنتفحصها، ونسائلها، كما في مسرح الجريمة، لا شيء يهمل، وكل جزء يضيء غيره، أو يكشف عن بعض ما فيه من غموض. وحين نقرأ الشعر، في أي زمان أو مكان، بهذه الرؤية، فنحن سنكون عرفنا ما يكون الشعر، لا ما تعلمناه في المدارس والجامعات، مما هو نمطي، بل مضلل.


(*)
في فصل "بعكس العقيدة والمثال" من كتابك "مراقبة الصيرورة" تتوقف عند الصمت والحذف والبياض في الكتابة، وتقول إن الظاهر يخفي الباطن ويحجبه، هل الكاتب الحقيقي في نظرك هو من يكتب ما يريد قوله، أم من يتقن إخفاء ما لا يستطيع قوله؟

يتكلم إزرا باوند عن الترجمة باعتبارها استجابة لطبيعة المترجم، حينما كان يترجم الشاعر الإيطالي كافالكانتي، ليسميها بـ "الأثر المتشكل"، من خلال إحياء هذا الأثر وجعله خاصًا، لا أثرًا مشتركًا، أو أثرًا يختلط بغيره من الآثار، أو هو الأثر الرديف، أو ما نسميه في النقد العربي القديم بـ "حذو النعل بالنعل"، أي ما يكون مطابقة. وهذا يعني أن عملية الإخفاء لها أكثر من أثر، وأن الأثر، في ذاته، هو تجاوز للأثر، وهو مشي بغير حذو، وهو أن يعرف الشاعر الأرض التي يمشي عليها، ويعرف الأثر المتشكل فيها. وحين قال بول فاليري إن الشعر رقص، في مقابل النثر الذي هو مشي، فهو كان يؤكد أثر الشاعر، باعتبار الإيقاع، وباعتبار الطريقة التي يتحرك بها في فضاء الكتابة، في الصفحة، في الكتاب، في النص.

لذلك، حين أكدت على البياض والحذف والفراغ، بل وعلى الإشارات والعلامات السيميائية في النص، وعلى الصفحة، فأنا كنت أوسع التعبير، بتوسيع الكتابة التي ليست هي اللغة وحدها، بل توازيها، وتحايثها الإشارات والرموز والرسوم، والرقش والحفر، لأستطيع، بهذا التوسيع، أن أحرك النص أو العمل في أكثر من اتجاه، وفي أكثر من أرض وفضاء، في الكتاب الذي هو النص والعمل، في صفحاته وهي تتشكل كآثار، لا كأثر فقط، والآثار، بعكس الأثر الواحد، مراوغة، لأنها لا تبقى على نفس وضع المشي، في الشعر هي رقص، والرقص يكون فيما لا نعرفه من مساحات، حسب حالة النشوة والجذبة والانخطاف الذي يكون عليه الراقص. وهذا يعني أنني أقول ما أرغب فيه، أو ما أظن أنه هو ما سعيت إليه، لأترك للقارئ أيضًا، أن يتعقب هذه الآثار، بما يملكه من قدرة على الحركة أو الرقص داخل الكتاب أو العمل.

(*) تشير إلى أن فوكو رأى في الكتاب "حدثًا في كينونة الأدب"، أنت شخصيًا صدرت لك عشرات الكتب النقدية والشعرية. في أي لحظة تشعر أن كتابًا ما كان حدثًا في كينونتك أنت، لا في الأدب وحده؟

كل عمل أو كتاب ننتهي منه، هو بداية لكتاب قادم، مفهوم النهاية، هنا، كما استعملته، غير دقيق، وغير معبر، يمكن أن نستبدله بمفهوم التوقف، الذي هو استعداد للخوض في ما بقي عالقًا من أسئلة وقضايا وأفكار، فيما يمكن أن يكون الكتاب القادم، والتوقف هنا، يكون شروعًا، يبدأ بالتفكير، وبالبحث، قبل أن تحدث الكتابة، لذلك فحدث الكينونة في الكتاب، لا يكون في كتاب، أو في كتابين أو أكثر، بل في كل الكتب التي نسعى لكتابتها، وهو حدث مستمر، لأن كل كتاب، هو فصل، فيما كنت سميته بكتاب الكون الكبير. وهذا كتاب، لا يكتبه شخص واحد، بل هو كتاب تتعاقب عليه أياد، وأنامل، ويبقى مفتوحًا إلى الأبد، وإلا كان الذين قبلنا، قالوا كل شيء، وانتهى الكتاب، أو أقفل.

(*) تحذر من "الفكر النائم" - وهو عنوان أحد كتبك- وتدعو إلى اليقظة الدائمة، لكن الكثير مما نسميه نقدًا عربيًا اليوم يبدو وكأنه يعيد إنتاج ما قاله الغرب بلغة عربية، أين يقف صلاح بوسريف من هذه المرآة؟

أولًا، أنا لا أقف، بل أتحرك، وشديد الحركة. وثانيًا، في هذه الحركة نستطيع أن نكون في أكثر من مكان في نفس الوقت، أعني في أكثر من لغة، وفي أكثر من ثقافة، وفي أكثر من كتاب، ومصدر أو مرجع، ما يعني أنني كما أكون في الماضي، لا العربي وحده، بل الكوني، فأنا أكون في الحاضر والمعاصر الكوني، بنفس معنى الأثر المتشكل عند إزرا باوند في مفهومه للترجمة.

صحيح أن هناك ترديدًا، بل ترجمات سيئة للمفاهيم والتصورات الغربية، بل هناك احتذاء، وتبعية، واستعادة غير دقيقة لأفكار الغرب، بدل الدخول معها في نقاش ونقد وتفكيك وحوار، وهذا ما أفعله، وهذا لا يعني أننا ننتقد لأجل النقد، بل ننتقد ما يدعو للنقد، وما يكون في حاجة لأن نعيد فيه النظر. لن تجد في ما كتبته ونشرته هذه الاستعادة، وحتى ما قد يبدو لك استعادة، فهو أثر متشكل، بالمعنى الذي يعطيه له إزرا باوند.

(*) يبدأ كتابك من حيث تنتهي كثير من الكتب: عند إكراهات القصيدة، ما الذي كان يؤرقك حين وضعت عنوان "حداثة الكتابة في الشعر العربي"؟ أكان العنوان اختيارًا أم إكراهًا هو الآخر؟

مفهوم حداثة الكتابة، هو مفهوم وضعته في مقابل مفهوم آخر هو حداثة القصيدة. الأول هو ما يتعلق بالكتابة التي هي الصفحة والكتاب، وهي الأثر المكتوب الذي نقرؤه، ويكون الصوت فيه دالًا من دوال النص، وليس مهيمنًا أو مركزيًا، بالمفهوم الذي يعطيه دريدا لمركزية الصوت في الغرب، ودريدا ينسى، أو يغفل أن هذه المركزية موجودة في كل اللغات والثقافات. المفهوم الثاني، هو حداثة القصيدة التي هي ما سميناه ترجمةً بـ "الشعر الحر"، الذي لم يخل من الشفاهة والإنشاد، ومن مركزية الصوت، والوزن بقي فيه هو الدال الأكبر، في حين أن الإيقاع والخيال، هما ما كان أساس حداثة الكتابة.

لا إكراه في الاختيار، بل لا اختيار في الأمر على الإطلاق، فهذه المفاهيم وغيرها، كانت ضمن أطروحة الدكتوراه التي اشتغلت فيها عشر سنوات، وفيها كان ما دلني على طريقي في الشعر والنظر، وفي نقد الحداثة الشعرية عند "روادها" الأوائل، وعند الصديق الشاعر أدونيس، بصورة خاصة في البيانات الشعرية، التي فيها تكلم عن الكتابة، وبقي شعره ومفهوماته، بل كلامه عن الشعر، شفاهة، ولا يخرج عن نطاق القصيدة. وما ترجمه هو وأنسي الحاج بـ"قصيدة النثر"، كان خطأً في الترجمة من حيث مفهوم "القصيدة"، الذي لا يعني شيئًا عند الغربيين، وكلمة Poème في الفرنسية لا تقابل قصيدة على الإطلاق، لأن "قصد" في لسان العرب، بمعنى شطر العود إلى شطرين. فهل الشعر الفرنسي، أو الشعر العربي المعاصر نفسه مشطور بالتقابل والتوازي. أبدًا، ولذلك، فعلينا أن نعيد النظر في المفاهيم والتصورات التي نستعملها لندل بها على الحداثة، وهي تدل على سياقات الزمان والثقافة التي نشأت فيها. فنحن ما نزال نقرأ الحداثة، أو نبررها بالتقليد.


(*)
قلت إن "مراجعة الأصول" لا تعني الرجوع إليها، بل إعادة قراءتها في ضوء اللحظة الراهنة، لكن ثمة من يرى في هذا الأمر تهربًا من المواجهة المباشرة، كيف تفرق بين الحوار مع الموروث والاختباء خلفه؟

في أعمالي كاملةً لم أتهرب من شيء، ومنذ البداية واجهت ما يسمى بالأصول. أنا أذهب إلى أن لا وجود لـ"أصل"، بل هناك بداية أو بدايات. نيتشه من دلني على هذا المفهوم، لأن الأصل، يعني أننا نحن مجرد فروع، أو أغصان فقط. فيما البدايات يمكن أن تكون في أي شيء، عند أي مبدع، يسعى إلى الإضافة، وإلى الخلق والابتكار، وهذا شيء طبيعي. فالعالم الذي نحن فيه اليوم، ليس عالم الأمس، والفكر والخيال اليوم، ليسا هما ما كان، والأرض تدور، وليست واقفة، مثل فصول السنة، فهي تتعاقب بالتلون والتبدل والاختلاف والتنوع، والأصل في جوهره تشابه.

فأنا حاولت، مثل الكثيرين، مراجعة الأصول، لكن، بغير ما راجعوا هم به هذه الأصول من نقد وتصورات ومفاهيم، وهذا ما يضيء في نهاية الأمر، هذا الذي نراه أصولًا، فيما هو بدايات، والبدايات مفتوحة على الشروع دائمًا، لا أول ولا آخر لها.

(*) كتابك يقرأ جبران خليل جبران بصفته "نواة الكتابة" لا مجرد شاعر مهجري، ما الذي رأيته في جبران مما لم يره غيرك؟ هل فاجأك جبران في مكان لم تكن تنتظره؟

جبران شيء مختلف، فهو كان صاحب رؤيا وأفق، أولًا، وما كان يكتبه، لم يكن فيه مشغولًا بمركزية الصوت، أو الشفاهة والإنشاد، ثانيًا. فما كتبه، كان خارج التجنيس، وأنت تقرأ جبران، لا تستطيع أن تعرف أين ينتهي الشعر، وأين يبدأ غيره من الأنواع أو الأجناس الإبداعية الأخرى، ما حتم على جبران أن يكتب، من دون أن يسمي ما يكتبه، بل تركه عاريًا، والقارئ أو الناقد، هو من عليه أن يسمي، أو يبتكر ما يمكن أن تتسمى به كتابات جبران.

بهذا المعنى سأناقش معك مفهوم المهجر أو الهجرة، ليس بالمعنى الذي أشرت إليه، بل بمعنى الترحل والعبور والتنقل ولا استقرار، وهذا هو وضع جبران فيما كان يكتبه، وفي وضع لا استقرار هذا، يصعب أن نسمي ما كتبه جبران بشكل نهائي. لذلك اعتبرته نواة الكتابة، رغم أن الكتابة بعد جبران، في الشعر خصوصًا، اهتمت بالجانب الغرافيكي، وبالصفحة، وبالدوال الخطية التي باتت جزءًا من دوال العمل الشعري.

(*) وظيفة البياض في الصفحة، هذا الموضوع الذي تعالجه بعناية استثنائية، تقول إن "البياض يتخذ دلالة الأثر، فهو يسجل الحد العابر للقول"، كيف آمنت أن الصمت كلام، في ثقافة لا تصمت كثيرًا؟

ما تقوله صحيح، فنحن نتكلم من دون نقط وفواصل، ومن دون لحظات صمت، أو تفكير، وكأننا نلعب لعبة كرة الطاولة، التي فيها التبادل لا يتوقف بين طرفين. فمركزية الصوت، كما أشرت في جواب سابق، هي ما هيمن على العديد من الثقافات واللغات والكتابات، بينها، بشكل كبير، الثقافة واللغة عند العرب، وهما ثقافة ولغة كلام، وليسا ثقافة ولغة إنصات، وإذا عدت إلى المخطوطات القديمة، فلن تجد فيها النقط والفواصل، وعلامات الترقيم، التدوين، فيها، كان استنساخًا للسان.

حين تتأمل اللغة العربية، في ذاتها، فهي نفسها تدعوك إلى الصمت، وهو ضمن بنيتها التلفظية، وهذا إذا كان يستعصي على من اعتاد على الكلام، فمن تشكل عنده الوعي الكتابي، يعرف أين يكون الكلام، وأين يكون الصمت والبياض، وهذا ما يحدث في لا وعينا هذا، في علاقتنا بالموسيقى نفسها، نظنها أصواتًا، وهي غاصة بالصمت الذي لا يدركه إلا من أذناه اعتادتا على جدلية العلاقة بين الصمت والصوت، أو الصمت والحذف والمحو والإثبات، أو الكتابة.

من هذا المنطلق تحدثت عن الصمت في الكتابة، لا في القصيدة، التي الصمت فيها غير ممكن، أو هو لازمة، كما في القصيدة بشطريها، ما بين شطرها الأول والثاني، هو بياض، قابل للملء، لأن الشطر يبقى مستمرًا في الدلالة، وفي البناء اللغوي فيما يليه، وهذا نفسه ما نجده في الشعر المعاصر، وهذا مأزق من مآزق الحداثة التي لم يتم الانتباه إليه، وتسرب إلى هذا الشعر.

(*) تعنى عنايةً كبيرة بـ "الغموض الشعري" ودلالاته المتعددة، لكن ثمة تحريفًا شائعًا يخلط بين الغموض الجميل والتعقيد الزائف، ترى ما الفرق من وجهة نظرك بين الشاعر الذي يغمض لأنه يرى أعمق مما تقول اللغة، والشاعر الذي يغمض لأنه لا يملك ما يقوله؟

الشاعر يكتب من دون أن يقصد هذا الغموض. ما يعني الشاعر هو الكثافة، هو البناء الذي فيه تحدث التقاطعات، والتجاورات، ويحدث العناق والاصطدام، وغيرها من الأمور التي تكون من أسباب البناء، إضافة إلى تشويش الجنس والنوع في الشعر، أي في حداثة الكتابة، وهذا ما يربك القارئ الذي نشأ في ثقافة المدرسة، ونشأ على ذوق وتكوين القصيدة، أو على "البيان والتبيين"، وعلى تلاوة أو إنشاد الشطر الثاني من البيت، بمجرد سماع الشطر الأول. هذه ثقافة استعادة واجترار، وهي ما يجعل قارئًا بهذه الخصال، يكون العمل الشعري الدينامي المفتوح بالنسبة إليه مغلقًا، مستعصيًا، وغامضًا. ثم، اسمح لي، أن أسألك: هل كل ما في القرآن متاح لكل من يقرؤه، وفي شعر أبي تمام، وبعده المعري؟ لا بد من أن نعيد النظر في مسألة الغموض من هذه الزاوية، لا مما نعتبره خللًا في الشعر، أو في الشاعر.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.