}

هاتف جنابي: الشعر الذي لا يمنحنا إمكانية الخلاص أعمى

ليندا نصّار ليندا نصّار 25 سبتمبر 2026
حوارات هاتف جنابي: الشعر الذي لا يمنحنا إمكانية الخلاص أعمى
جنابي: اللغة مفتاح الكتابة وقفلها
في تجربة هاتف جنابي، يبدو الشعر رحلة طويلة في البحث والكشف ومواجهة الذات والعالم. إنها تلك الرحلة التي لم تمنحه الطمأنينة بقدر ما دفعته إلى الشك الدائم، ومراجعة اللغة، وتشذيب الكتابة، والاحتفاظ بحسّ نقدي صارم تجاه ما يكتب. ومن هنا تتشكّل تجربته الشعرية في فضاء تتقاطع فيه ثيمات الوطن والمنفى والذاكرة والموت والخلاص، فيما يظل العراق حاضرًا بوصفه جرحًا وهاجسًا وجوديًا، ويغدو الشعر محاولة لمقاومة العتمة واستعادة المعنى. وفي هذا الحوار، يتحدث جنابي عن المسافة التي قطعتها تجربته بين بدايات الشعر وامتداد العمر، وعن علاقته باللغة التي يرى فيها مفتاح الوطن وذاكرته، كما يتوقف عند تجربته بين العربية والبولندية، وما أتاحته الثنائية اللغوية والثقافية من اتساع في رؤيته الشعرية وعمله في الترجمة. كما يكشف عن نظرته إلى المترجم بوصفه قارئًا وباحثًا ومحيطًا بالنص وثقافته، وعن موقفه من الترجمة بالذكاء الاصطناعي وقدرتها على نقل الشعر بما يحمله من إحساس وتجربة.هاتف جنابي هو كاتب، شاعر، ومترجم وباحث عراقي، متخصص في الأدب والمسرح والثقافتين العربية والبولندية والحوار بين الثقافات، وهو يكتب بالعربية والبولندية، وقد عمل أستاذًا في جامعة وارسو حتى تقاعده في أواخر سنة 2019.
صدرت له أكثر من عشرين مجموعة شعرية ونحو ثلاثين كتابًا مترجمًا، وترجم أعمال أكثر من مائة مؤلف وشاعر بولندي إلى العربية، وحاز جوائز أدبية وأكاديمية دولية عديدة عن تجربته الشعرية وإسهاماته في الترجمة.

(*) بعد هذه التجربة الطويلة من كتابة الشعر، أما زلت تصغي إلى ما تكتبه اليوم بالطّمأنينة نفسها، أم أنّك أصبحت أكثر ريبة في اختيار كلماتك مع مرور السنوات؟
لم أكنْ في يوم من الأيام من مُريدي الطمأنينة، لأن مسيرة حياتي كانت تسير بعكسها. الطمأنينة أحد أوجه السكونية واليقينية، وهذه عدوة الإبداع والشعر في مقدمته. الشك يُحفّز على مراجعة الذات، يثير الأسئلة ويدعو إلى التفكير مليًّا في كل جملة تُكتب، وفكرة تُطرح، وكلمة تقال، وفي الاجتهاد والعمل المتواصل على أدوات الكتابة، وفي مقدمتها اللغة. الحضارة الغربية قامت على مبدأ الشك الذي يدفع للتفكير والتأمل والتغيير. اللغة أساس الشعر. من لا يُطور ويراجع أفكاره ولغته وأسلوبه، ويشذّبها باستمرار، ومن لا يضبط قواعد لغته وأساليبها، لا يحق له أن يواصل الكتابة. ولا أعني هنا بعض الهفوات والأخطاء أو الفعل المقصود بهدف زعزعة المسلّمات. أنا الآن أكثر شكًّا، وريبة، وقلقًا مما كنت عليه في الأمس، فكيف بي وأنا أنظر إلى ما قبله؟! لقد بلغت حدود القسوة في مواجهة ما كتبت إلى حد "الهوس" الذي قادني إلى مراجعة نفسي بشكل متواصل تقريبًا، من خلال الغربلة والتنقيح. الكائن وأساليبه وأدواته في تطور دائم، وكذا اللغة. وهذا الأمر يُشْعرني أحيانًا بالقلق والعجز أمام شلال الحياة اليومية الهادر.

(*) بعد أن عبرت دروبًا مع الأجناس الأدبية عمومًا، والشعرية خصوصًا، هل ما زالت مرآة البدايات في الشعر نفسها، أم أن العمر والكتابة وسّعا المسافة بينك وبين الشعر؟
من غير المعقول أن نظل حبيسي ماضينا، ومن الإجحاف أن نتخلّى عن كل شيء فيه. هناك صراع بين الماضي والزمن، وبينهما وبين المبدع. جميعهم يعمل بطريقته (بطرقه) الخاصة، فقد يلتقون وقد يتخاصمون. ليس كل ما غربله الزمن يُعدّ غلقًا لباب الاجتهاد. فقد يغدر الزمن ويقسو، يسهو، ينسى، يتجاهل، يُصيب ويُخطئ. لكنْ، ما قيمة الزمن بدون الإنسان؟ للزمن نظامه الخاص، لكنه أحد أهم معايير ومجسات الحياة. إذًا، فهو بهذا المعنى معيار. لكنْ لمن؟ ألنفسه، أم للإنسان؟ للإنسان بطبيعة الحال. أنا لا أقصد هنا الدهر. إذًا، هناك أدوار متبادلة بين الكائن الحي والزمن، قد يصبح فيها الزمن مرآة الإنسان. هناك حالات تتلبس الشاعر، ومن بينها تلك التي عايشها في طفولته، ومطلع حياته، ومنها البدايات التي تتمرأى، تعود بين الفينة والأخرى، وأنا لستُ استثناءً. لقد ضاقت المسافة بيني وبين الشعر بمرور الوقت، بسبب طول الممارسة وشدة الالتحام، لكن التجربة علّمتني التواضع وتوخّي الحذر، والاحتفاظ بمسافة بيني وبين ما أكتب كي أراني أفضل. شخصيًا، أرى ضرورة التحكم بهذا "الالتحام" بالحدود الممكنة. لدي ذاكرة بصرية، تلتقط عيناي ما أراه وتحتفظان به، كأنني أمام لوحة، أقترب منها لأرى تضاريسها وكيفية مرور الفرشاة عليها، لكنني أبتعد عنها بغرض استيعابها ككل، بفراغاتها، وأبعادها، وتوزيع الضوء والظلال فيها. ولذلك، ما زلت أحتفظ بذكريات الطفولة، ومشاهد الطبيعة والحياة الاجتماعية. وبتقادم التجربة، من حيث تدري ولا تدري، أنت، أيها الشاعر- الكاتب، تقع في موقع الناقد. هذا الناقد ضروري للغاية لعمل المبدع والإنسان عمومًا. والشاعر المحظوظ هو من يتكون في داخله حسّ نقدي بنّاء، حي، وصارم، يسمح له بأن يكون ناقدًا في "الساتر الأول" لما يفعله. خلاصة القول، الطفولة وفترة المراهقة تطرقان أبوابنا على كافة المستويات. براءة وجذوة البدايات ضروريتان، ولكن، على الشاعر ألا يكون حبيس البدايات، وإلا فسيخفت ضوؤه مثلها.

(*) ألا يمكن اعتبار عنوان ديوانك "لا يشبه نفسه مع البولنديات" كتابة من المسافة الفاصلة بين الثقافة العراقية والثقافة البولندية؟
كل قصيدة أكتبها أعتبرها الأخيرة، وكذلك كل مجموعة شعرية، وبمواصلة تجربة الكتابة ستكون بمثابة مرحلة انتقالية بين ما مضى وما سيأتي. "لا يشبه نفسه مع البولنديات" وصلٌ وليس قطيعة بين مسافتين- تجربتين- عالمين: العراقية والبولندية، وهي بهذا المنحى محاولة لرأب صدع الغريب، المنفي، الشريد، وتوسيع أفق الكتابة والرؤيا في داخله. كل عمل مسعى لالتقاط الأنفاس التي قد تتوقف في أي لحظة. كنت وما زلت أبحث عما هو غائب في الممارسة الشعرية، غير مُدجّن وتقليدي. ساعدتني المسافة المفروضة عليّ، بفعل الغربة، على أن أمحو ما حفظته، عمدًا، بغية صياغة ذاكرتي وكينونتي من جديد. لم أعد أحفظ حتى قصائدي. لكن هذا القدر من المحو أضرّ بي من ناحية الحفظ الذي قد يساعد المتكلم أحيانًا على استراق الانتباه، في مجتمع عربي يميل إلى الحفظ والتدجين والاقتباسات من التاريخ الأدبي والتراث الديني وسواهما. بصراحة، أسعى دائمًا وبكل قوة لكي أكونَ نفسي لا سواي.

(*) يمتزج ديوانك بين التجربة الذاتية والانفتاح على الآخر، حتى يبدو أن "الآخر" لم يكن خارج الذات، بل كان أحد السبل التي تشكّلت عبرها ذاتك الشاعرة. إلى أي حدّ أسهم هذا العبور بين الأنا والآخر في تشكيل تجربتك الشعرية؟
الكتابة بطبيعتها عبارة عن مناجاة النفس والآخر والسعي للتحاور معه، حتى لو عبر ضمير "الأنا" الغالبة في الشعر ومعظم نماذج القصة القصيرة. ذاتي الشاعرة تشكلت قبل كل شيء لضرورة وإيعاز داخليين، بغية إيجاد وسيلة (وسائل) للتعبير عن الذات ومواساتها، والتنفيس عنها، وخلق هارمونية داخلها، وتعزيز حصانتها في مواجهة غدر ونذالة ما يحيط بها. بدأ الأمر هكذا ببساطة: قرأت ما توفر من التراث الشعري والأدبي والتاريخي، والتراث الديني، فبدأت من العهدين القديم والجديد، وبعدهما قرأت القرآن، وما توفر من كتب المِلل والنِحل الأخرى، تبعتها بقراءة ما وقعت عيناي عليه من الأساطير التي غذّتْ بعض مطامح المخيلة. هكذا كانت البدايات التي شكلت قاعدة الانفتاح على الآخر، وقد ترسخت نفسيًا وعضويًا بفضل حياتي الطويلة في الخارج. وبهذا الأفق والمعنى تشكلت تجربتي الشعرية.

(*) تقول في ديوان "لا يشبه نفسه مع البولنديات": "قصيدة العراق سنة 2021: رئة لا تتنفّس/ (عين مُسهّدةٌ وقلب لا يخفق)/ أمل ثمل وإله في إجازة/ الرمل يكسو الشوارع والحقول، يعشعش حتى في الرؤوس/ قطط يقتلها المفتي/ وكلاب شريدة تبحث عن مأوى/ وأخرى بشرية...". كيف وظّفت صور الموت والخراب والرموز الإنسانية والطبيعية في هذه القصيدة لتعبّر عن الواقع العراقي، وما دلالة انتقالك في النهاية من وصف المأساة الجماعية إلى مخاطبة الموت؟
اعتاد العراقيون على الموت. كل عراقي يتوقع أن يختطفه موت مجاني مفاجئ، بدون سؤال ولا جواب. الموت لأتفه الأسباب يلاحق العراقيين منذ ما لا يقل عن نصف قرن. تنوّعت أساليب ودواعي الموت في السنوات الأخيرة، بعدما كانت واضحة قبل 2003، وأغلبها سياسي. لقد كثرت الطعنات الغادرة، ولم يعد الموت يكترث بالأسباب. لقد تعب الموت من إماتة العراقيين. الموت بالنسبة لي ذو طبيعتين: مادية، كلنا سنموت ونفنى، وأخرى عبارة عن موات، يتجلى في ممارسة التجهيل والذل والفقر والمكر التي يتعرض لها المواطن العادي، فتراه ميتًا وهو حي. وهذا هو الموت بالتقسيط. كانت لدي معلومات عن جثث مكدسة في الشاحنات وهي في طريقها للدفن الجماعي- المبهم. لم يعد الموت فرديًا بل جماعيًا. تم ذلك قبل عام 2003 وبعده. يا لرخص هذه الحياة! أما هذا النص فولد من رحم معاناة العراقي اليومية، ومن منطلق الحرص، وعلى طريقة: "امشِ وراء الذي يُبكيك لا الذي يُضحكك". إنه وخزة ضمير ضمن محاولات التطهير على طريقة التراجيديا الإغريقية. الموت ديكتاتور طبيعي مطلق وغير مرئي، لكنه حاضر في كل مكان، يُحسّ به الكائن، خصوصًا لحظة احتضاره. المأساة جماعية، والقاتل، في هذه المواجهة، له صفة المفرد. إن عجز الجماعة عن مواجهة أدوات الموت جعل القصيدة تتوجه في النهاية إلى الموت مباشرة، كمفارقة، والميت في النهاية مفرد، فعساه يكون أرحم من ضحاياه، مقابل هذا العجز الجماعي، فيأخذ استراحة هو وراعيه مثلًا. إلا أن مخاطبة الموت هي أيضًا ذات مغزى إيقاظي، عبثي، وساخر، موجّه إلى الجماعة أساسًا عبر الموت، وإلا فكيف يمكن مخاطبة طرف يعتاش على الحياة؟! قلتُ: "الحياة هي الأمل الوحيد للموت".



(*) أما زلت تبحث عن الشعر اليوم؟ أما زال الشعر كشفًا بالنسبة إليك؟
الشعر في أعماقي، قبل أن يصبح خارجها. وكلاهما، الداخل والخارج، يحتاجان إلى بحث فكشف. لا كشف بدون بحث، والعكس صحيح. الشعر يبدأ كفعل براءة طفولية ومراهقة. أمارس الشعر منذ بدايات مراهقتي الأولى، والآن لا مفك منه، لأن أكثر ما بوسعي فعله هو تجاهل نداءه أحيانًا. لا بد من هذا النداء، من القدحة الأولى، من الشرارة، وبعد ذلك يأتي دور التجربة التي تتكفل بتوفير الوشيعة ونسج خيوطها، وحينئذ يمكن أن تتشكل الصورة الكلية باعتبارها كشفًا. أسوأ شيء في التجربة الشعرية أن تصبح جامدة ومصطنعة. القصيدة محاولة كشف في الأساس.

(*) يشكّل العنوان عتبة أساسيّة تمهّد لقراءة الدّيوان، وتفتح شهوة القراءة. وقد لفتنا العنوان كمنظومة رمزيّة تنسحب على مواضيع وجوديّة، ووطنيّة، وعاطفية. ماذا "ما وراء اللّون"؟ هل يمكن اعتباره صراعًا يكمن في المسافة الفاصلة بين البياض والسّواد/ الحياة والموت؟ أو أنّ علينا البحث عن معنى ثالث خفيّ؟
هو كل هذا وذاك. هو المسافة بين البياض والسواد، والحياة والموت، بين الألوان مرئية، وتلك التي لا تُرى، بين ما نحس به وما لا قدرة لنا على سبر كنهه واستيعابه. ليس المقصود هنا بالضرورة اللون بحد ذاته فحسب، بقدر ما هي محاولة لملامسة اللامرئي، الجهة الثانية، الجهة الأخرى – بطانة العالم. هناك عالم (ربما عوالم) أعمق وأكثر رحابة وتعقيدًا وفتنة من هذا الذي نعيش فيه، نحسه، نلمسه أو نتشممه. لدي صعوبة في اختيار العناوين. هذا الديوان تجربة متراكمة ضد التسطيح، والتفاهة، ضد ما هو مصطنع. إنه محاولة لتأمل الكون من خلال أبعاد عدة، مرئية وغير مرئية، وهو مسعى لبلوغ ما أمكنني الوصول إليه أو تخيله، واستحضاره شعرًا، مع الاحتفاظ بتلك الرابطة بين الشعر والواقع. نعم، بمعنى ما، ينبغي استقبال هذه المجموعة على أنها "منظومة" تنفتح على موشور من مواضيع متنوعة، وتجريب شعري إلى حد ما.

(*) في الديوان تظهر ثيمة الإنسان في مواجهة العتمة، وتبدو عناصر الطّبيعة مهيمنة في أكثر من قصيدة. ألا يمكن اعتبار ذلك خروج الإنسان من حالة التمزّق نحو الخلاص؟
الإنسان محور أساسي في شعري. هناك صراع أزلي بين الضوء والعتمة. الكائن يخشى ما تخفيه العتمة. أثناء طفولتي، كنت أهاب الظلمة التي كانت تحيط بنا من كل حدب وصوب، حيث لا كهرباء سوى ضوء القمر والنجوم، والشهب المارقة في السماء. العتمة أكثر عمقًا ورهبة من الضوء، وهي أكثر من سواها دفعًا للتأمل وتحفيزًا للحواس، واستغراقًا في الجانب المخفي من الأشياء، وإنها صنو لعالم خفي. ولدت في أحضان الطبيعة التي شكلت طفولتي، فترسخت هي وعناصرها في ذاكرتي وتغلغلت في كياني وساهمت في تنشيط رؤاي، كما دربتني على التعرف على بعض أسرارها، ونباتاتها، وحيواناتها، ورؤية الأشياء محض أشباح في الظلام. وهذه الطبيعة تظهر كنوع من أنواع الخلاص في مواجهة عالم ملتبس، معقد، مخيف، إسمنتي، ولا يرحم. الطبيعة تمنحنا هارمونية غير متوفرة في المدن. والغريب أن المصير، على خلاف ما نويت وقصدتُ أحيانًا، ساقني إلى العيش في المدن الصغيرة، وعلى أطراف المدن الكبيرة الأكثر هدوءًا وبساطة. فمثلًا، عشت حوالي عشرين سنة في ضواحي وارسو بعد انتقالي من وسطها الذي قضيت فيه أكثر من عشرين عامًا، وحاليًا أعيش في حي إنكليزي صغير يقع على مرتفع ينأى بنفسه عما يحيط به، وكأنه تلبية لنداء ذلك المصير، ومدعاة لبقاء بعض الأشياء بعيدًا عن متناول اليد! كلنا نسعى للخلاص، تعددت أوجه الخلاص، لكن طبيعته واحدة. هناك خلاص دنيوي، وآخر سرمدي. خلقت فكرة الخلاص بصيصًا من الأمل، والتوازن النفسي لدى الكائن الحي. يقول الضالعون في علم النفس إن الكائن الحي يفكر، في حالة تعرضه للخطر، في النجاة بنفسه قبل كل شيء. هناك مقولة عربية: "يكفي شعاعُ أمل واحد لتُفتح السماوات". وقال جان بول سارتر: "الأمل هو أثمن رفيق في الحياة". لقد بذرت الطبيعة بذرتها العجيبة التي جعلت لحياتنا وسلوكنا وأفعالنا معنى. الخلاص هو الأمل الوحيد الذي لا يمكننا الخلاص منه. والشعر الذي لا يمنحنا مثل هذه الإمكانية هو أعمى.

(*) إلى أي مدى أسعفتك اللّغة في استعادة الوطن العراق؟
اللغة مفتاح الكتابة وقفلها. الوطن، أيًّا كان، هو لغة وطفولة وناس وذاكرة، قبل كل شيء. وعليه، ففضل استعادة الوطن الأم- وادي الرافدين، يعود للغة والشعر وممارسة القراءة والكتابة بشكل عام. اللغة تعيدك إلى ماضيك، ومصادر ثقافتك الأولى. وحتى لو عرفها الغريب بدون ممارسة الكتابة، فإنها ستساعده على الاحتفاظ بتواصله معها. ويكفي أن يسألك البعض سؤالًا بغيضًا: "من أين أنت؟" من حسن الحظ أن اللغة العربية والناطقين بها كثر. والاحتفاظ بوادي الرافدين يعني الاحتفاظ باللغة العربية، وآدابها، وثقافاتها، وبيئاتها، وتعددية ثقافتها. جعلتني الكتابة بالعربية أطور نفسي وكتابتي وعلاقتي بأصولي، وعلى ضوء ذلك بالآخر. الأشخاص مزدوجو اللغة عادة ما يتعاملون مع إحدى اللغتين باعتبارها لغة أساسية، واستخدامها في مواقف محددة (مع الشعور بمزيد من الارتياح في أثناء ذلك، إذ تعزز حرية اختيار الكلمات والتعبير عن الأفكار الثقة بالنفس في مثل هذه الظروف، فضلًا عن التعامل مع المواقف الاجتماعية التي تتطلب تواصلًا فعالًا)، حسبما يقول الباحثون في مجال دور اللغة في تشكل الهوية الثقافية.

(*) هل حقًّا يتخطّى الشّاعر الهزائم عبر الكتابة؟ ماذا عنك؟
الشعر أنقذني في مختلف الظروف. جعلني أحس بامتلاكي قوة داخلية تتعاظم بحيث أصبح من الصعب سحقها. كان سلاحي الوحيد في مواجهة عالم قاس. كلما أحسست بالعجز، مدّ الشعر يده لانتشالي من الهاوية. كان أبي يقول لي: "سمعت أنك تمارس الشعر، وهذا يعني أنك ستبقى حافيًا طوال حياتك". وكنت أناكده بالقول: "أفضل أن يكون ابنك البِكْر شاعرًا على أن يسير في طريق مجهول مثل كثيرين!" لم يفهم ما قلته له، لكنه أدرك فيما بعد أن التجائي إلى الشعر كان خيارًا خارجًا عن إرادتي، لأنه تم بدوافع مجهولة، وأن ممارسته تدفعني لقضاء وقت نافع بين الكتب، وهذا سيحافظ عليّ. الشعر عملية "تخطٍّ" دائم، وهو بمثابة ترياق في مواجهة الهزائم. الكتابة تمنحنا باعثًا لمواصلة الحياة. وهو مصدر لكافة الأنواع الأدبية والفنية الأخرى.

(يتبع جزء ثان وأخير)

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.