}

ميا كوتو: أوروبا تميل للوم المهاجرين في جميع مشاكلها

أنخل مورا 27 سبتمبر 2026
حوارات ميا كوتو: أوروبا تميل للوم المهاجرين في جميع مشاكلها
ميا كوتو

ترجمة: أحمد عبد اللطيف

أقل من 1% من سكان موزمبيق هم من العرق الأبيض، ومعظم هذه النسبة من بقايا الماضي الاستعماري، عندما كانت تحت الحكم البرتغالي. لقد عاد جزء كبير من المستعمرين وأحفادهم إلى أوروبا بعد ثورة القرنفل واستقلال موزمبيق. أما الباقون، وهم أقلية ضئيلة، فقد قرروا البقاء. وينتمي الكاتب ميا كوتو (بيرا، 1955)، وهو أحد أبرز رموز الأدب البرتغالي، ومرشح دائم لجائزة نوبل، إلى هذه الأقلية.
لهذا السبب وأسباب أخرى، تعد قصة ميا كوتو حالة استثنائية. فهو موزمبيقي فخور ببلده، ينحدر من عائلة برتغالية استقرت في الخمسينيات في هذا البلد، جنوب الصحراء الكبرى على ضفاف المحيط الهندي، هربًا من نظام سالازار. وقبل سنّ الرشد، انضم إلى فريليمو، وهي حركة مقاتلة كانت تناضل من أجل استقلال موزمبيق، وتتولى حكم البلاد منذ عام 1975، بعد حرب أهلية.
في سن الثامنة عشرة، من أجل دراسة الطب، انتقل من بيرا، مسقط رأسه، إلى العاصمة، وكانت تُعرف آنذاك باسم لورينسو ماركيز، ثم أُعيد تسميتها لاحقًا بـ مابوتو. غير أن بعض المسؤولين في حركة فريليمو، وكانوا على دراية بتميز كوتو في الأدب (حيث فاز ببعض جوائز الشعر)، طلبوا منه تعليق دراسته والعمل في صحيفة "لاتريبونا". ومن هناك، انتقل إلى إدارة وكالة الأنباء الموزمبيقية التي كانت أُنشئت حديثًا، وفي عام 1981، أسس مجلة "تيمبو". ثم عاد إلى مجال العلوم ليصبح عالم أحياء، وهي المهنة التي يمارسها حتى اليوم في بلده. وبالتوازي مع عمله كصحافي، برز كروائي، وليس أي روائي. فنثره اللافت يستند إلى واقعية بديلة تتعايش فيها قسوة الحياة في أفريقيا جنوب الصحراء مع عالم سحري ليس سحريًّا في الحقيقة. وبفضل إتقانه للإيقاع، يبني عالمًا أسطوريًا مذهلًا يُشكك فيه في المفاهيم المستوردة من أوروبا ويُفككها. لقد أكسبته هذه الموهبة قائمة طويلة من الجوائز، من بينها جائزة كاميس، وجائزة الاتحاد اللاتيني، وجائزة
FIL للأدب باللغات الرومانسية.
في بؤرة اهتمامه دائمًا موزمبيق، التي شهدت ولادته. فهي البطل بلا منازع في رواياته العظيمة. ومن بينها "الأرض النائمة"، أول أعماله التي أكسبته شهرة دولية، وأحدث أعماله وأكثرها ضخامة "ثلاثية موزمبيق". ويعود إلى المشهد نفسه في "نهر العمى"، روايته الجديدة (التي نُشرت باللغة الإسبانية عن دار ألفاجوارا)، حيث ينطلق من حادثة حقيقية وقعت على الحدود مع تنزانيا في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، ليضيف لاحقًا ظاهرة استثنائية: فجأة، ينشب وباء يمنع السكان البيض في جميع أنحاء العالم من الكتابة.
أجرى الكاتب مؤخرًا مقابلة مع مجلة "الكولتورال" الإسبانية عبر مكالمة فيديو، للحديث عن هذه الرواية الجديدة، وكذلك عن الطريقة الموزمبيقية في فهم العالم، ورأيه بشأن الهجرة.
هنا ترجمة لها:



(*) يعاني البيض من الأمية، والسود يعلمونهم القراءة والكتابة من جديد. من أين جاءت هذه الفكرة؟
لقد أرست الكتابة تسلسلًا هرميًا مرتبطًا بتقنية معينة، لأنها تُعد معرفة أعلى مقارنةً بالتقاليد الشفوية. والشفوية يُنظر إليها على أنها شيء أكثر طفولية، ابنة عالم بدائي. هذا الكتاب طريقتي في الاحتجاج على هذا المفهوم. بالنسبة لي، ما من شعوب تعتمد على الشفاهة وأخرى تعتمد على الكتابة. لا وجود لهذه الحدود إلا داخلنا. أنت، مثلي، ولدت في وطن كانت القصص تُروى فيه شفويًا في البداية. أنا كاتب بفضل التقاليد الشفوية. أكتب للوصول إلى التقاليد الشفوية، وأحب الكتاب عندما يستحيل صوتًا. نحن جنس يخلق ويُنتج المعنى بشكل أساسي بفضل الصوت، وبدرجة أقل بكثير وفي الآونة الأخيرة بفضل الكتابة. في بعض الثقافات، لا تستحيل الحقيقة حقيقة إلا بكتابتها. أما في موزمبيق، تصبح حقيقة إذا استحالت قصة. يتيح الإرث الشفوي حرية معينة، وديناميكية فكرية يستحيل تحقيقها باللغة المكتوبة. فإذا قلت في بلدي إنك استيقظت اليوم وقد أصبحت ملاكًا، فإن من يستمع إليك سيقول: "نعم، هذا ممكن، وليس استثنائيًا".




بالنسبة لنا، تسمية الأدب الذي يُكتب في هذا الجانب من العالم بـ"الواقعية السحرية" أمر غريب بعض الشيء، لأنه قد يكون حقيقة واقعة. لكن ما يهمني ليس ما إذا كان ذلك صحيحًا أم لا، بل الجمال والقدرة على تعليم الطرق المختلفة التي يمكن من خلالها العيش والوجود في هذا العالم.

(*) بمناسبة الواقعية السحرية، في الحقيقة ثمة من يستخدم هذا المصطلح لوصف أدبك. ألا تتفق مع ذلك؟
يبدو لي أن الكتّاب اللاتينيين كانوا الأقل صلةً بظهور هذه التسمية. هذا أمر يخص الأكاديميين. الأوروبيون أنفسهم لديهم "الواقعية السحرية" منذ الأزل، فهي شيء يرافقنا جميعًا، وليست حكرًا على ثقافة معينة. عندما كتب كافكا "المسخ"، لم يكن ذلك واقعيًا. في جميع القصص الأوروبية القديمة، ثمة عبور للحدود الغامضة بين السحر والواقع. لا أحد يعرف أين يبدأ أحدهما، وينتهي الآخر.

(*) تدور الحكاية في عام 1914، خلال اشتباكات القوات الاستعمارية الألمانية والبرتغالية على ضفاف نهر روفوما (الحدود بين تنزانيا وموزمبيق). لماذا اخترت الإطار الزمني لهذه الجائحة الخيالية وسط حدث تاريخي يبدو غير هام إلى هذا الحد؟
لأنها لحظة غامضة جدًا. أولًا، حدث عبور ذلك الألماني للنهر ومهاجمته لموقع عسكري برتغالي في وقت كانت فيه البرتغال تتبنى موقفًا محايدًا في الحرب العالمية الأولى. لا أحد يفهم سبب قيام ذلك الطبيب بمهاجمة الموقع. ثمة فرضيات مختلفة: يقول بعضهم إنه، بصفته طبيبًا، أراد أن يحقق مجدًا عسكريًا في نوع من الهذيان الشخصي؛ ويقول آخرون إن ذلك كان جزءًا من مخطط ألماني لإجبار البرتغال على الانحياز إلى أحد طرفي النزاع. إنها قصة تقع بين عالم الخيال وعالم التاريخ. وقد بدا لي ثريًا تناول الحادث من جانب أدبي.

(*) أعترف لك بأن أول ما خطر لي عندما قرأت ملخص كتابك ــ الذي يتحدث عن عمى مفاجئ أصاب المستوطنين وحدهم ــ كان رواية "العمى". هل كان لرواية ساراماغو أي تأثير على روايتك "نهر العمى"؟
من بين جميع كتب ساراماغو، أكثر ما أثر فيّ كان رواية "العمى" بالذات، لأني أرى أن هذا العمى موجود في ما نختار رؤيته، أي فكرة ما نعده مرئيًا بالنسبة لنا. إنها تشير إلى حالة أنثروبوسنترية (مركزية الإنسان)، أليس كذلك؟ فعادةً ما نعتقد أن ما هو غير مرئي بالنسبة لنا، هو كذلك بالنسبة لبقية الكائنات الحية. هذا العجز عن وضع أنفسنا في مكان الآخر هو العمى الحقيقي الذي نعاني منه جميعًا. على سبيل المثال، ثمة فكرة مفادها أن القراءة أصبحت الآن أقل بكثير مما كانت عليه قبل 50 عامًا. لكن كل هذا يتوقف على الزاوية التي تنظر منها. ففي موزمبيق، القراءة الآن أكثر بكثير مما كانت عليه قبل 50 عامًا. ثمة ميل إلى رؤية نهاية العالم، وهو أمر لا تشاطره فيه العديد من البلدان. إذا قلت لأحد الأفارقة: "نحن نعيش الأبوكاليبس"، فسيجيبك: "مرة أخرى؟". كل شيء يعتمد على المنظور الذي يُطلق منه هذا القول.



(*) هل الأبوكاليبس اختراع الأبيض؟
لا أعرف إن كان اختراعًا غربيًا، لكنه مرتبط بنمط تفكير خطي أوروبي بامتياز. بالنسبة لعدد من الثقافات في موزمبيق، لا يوجد بداية ولا نهاية. الكون كان موجودًا دائمًا، وسيظل إلى الأبد. بالطبع، من وجهة النظر الفردية، ثمة ولادة وموت. لكن الحقيقة أننا نولد مرات عدة.




عندما يُطلق علينا اسم، نولد. عندما تصبح أبًا، تولد من جديد. وعندما تغير وظيفتك، تولد من جديد أيضًا. كلنا نبدأ من جديد مرات لا حصر لها. في موزمبيق، ثمة طريقة أخرى لفهم الزمن والعالم.

(*) لقد أشرتَ إلى زيادة عدد القراء في موزمبيق خلال الخمسين عامًا الماضية. ألا يؤدي ذلك إلى القضاء على التقاليد الشفوية؟ هل يمكن أن يتعايش هذان التقليدان في وئام؟
كما قلت، عندما نتحدث عن التقاليد الشفهية والكتابة، يبدو أن أحدهما يتفوق على الآخر. في هذا السياق، يتسم الأفارقة اليوم بنزعة أوروبية مركزية شديدة، فهم ينظرون إلى أنفسهم من منظور أوروبي. ويُعرِّف عدد من القادة الأفارقة أنفسهم وبلدانهم من خلال قدرتهم على إتقان اللغات (الأوروبية) والكتابة، وغيرها من التقنيات الحديثة. بالنسبة لي، تنطوي الثقافة الشفهية على نوع من الألوهية لا تندرج ضمن التعريف اللاهوتي. يمكن للمرء أن يكون صيدلانيًا، أو مهندسًا، ويستدعي معالجًا شعبيًّا للتعامل مع الأرواح. إنها شكل من أشكال التعايش المنطقي بالنسبة لنا، ولا علاقة لها بالفولكلور.

(*) النهر شخصية مركزية في روايتك. ما معنى الماء، وبالتالي الطبيعة، في أدبك؟
كان اللقاء الذي جمعني بامرأة على ضفاف نهر روفوما ذا أهمية كبيرة. سألتها عن الاسم الذي يطلقه أهلها على النهر، فأجابتني بعبارة تعني في لغتها "الماء الذي يحمل". كان ذلك شعرًا بالنسبة لي، لكن بالنسبة لها: النهر يشهد فيضانات دورية، تمامًا كالحمل. وبالنسبة لهذه الشعوب، فإن الغابات والجبال والأنهار لها أرواح، فهي ليست مجرد أشياء. ولهذا السبب بالذات، لا يمكن أن تكون هذه الأماكن في رواياتي مجرد ديكورات، بل شخصيات، لأنها حية.

(*) لقد أصبحت حافظًا للتقاليد الموزمبيقية التي يصعب جدًّا على شخص أبيض فهمها واستيعابها. هل شعرت في أي وقت من الأوقات بأنك أجنبي في بلدك؟ هل من السهل أن تشعر بأنك موزمبيقي وأنت من أصل أوروبي؟
لا أتذكر أني أبيض إلا عندما أكون خارج موزمبيق. عندما أصل إلى إحدى القرى، ينادونني بـ مولونجو، موزونجو، أو موكونها، وهي كلمات ترتبط في الأصل بالغريب، وليس بلون البشرة. إذا كنتُ الوحيد الأبيض في مجموعة مكونة من ستة أشخاص، فإنهم ينادوننا جميعًا بالاسم نفسه. لكن إذا كنتُ الوحيد الذي يتحدث اللغة المحلية، فإن هويتي تتغير على الفور. أغدو من أبناء المكان، فيما يظل الآخرون غرباء. العرق يحدد الهوية، لكنه لا يحددها بشكل قاطع. إذا كنتَ تتحدث اللغة، فإن ذلك يساعد على أن ينظروا إليك بطريقة مختلفة.

(*) وهل كان الوضع كذلك طوال حياتك؟ حتى في سنوات الاستقلال؟
حالتا موزمبيق وأنغولا فريدتان، لأن البيض الأنغوليين والموزمبيقيين توحدوا في النضال من أجل التحرير. كانت جبهة فريليمو تتألف من أفراد من أعراق مختلفة. وكان في إمكان البيض المشاركة في الحركة، رغم أنه لم يُسمح لهم بحمل السلاح في موزمبيق.

(*) وبالانتقال إلى موضوع آخر، ماذا يعني الأدب بالنسبة للموزمبيقي؟
نحن نعقد الأمر أكثر من اللازم، ولهذا السبب لا يصل الأدب إلى كثير من الناس، لأننا فصلناه عن الحياة نفسها. الأدب ينبع من الحاجة ومن المتعة الإنسانية البحتة المتمثلة في سرد القصص والاستماع إليها. بدأتُ أكتب عندما كانت أمي تروي لي القصص. كنا مهاجرين، وبما أننا لم نكن نعرف أجدادنا ولا أعمامنا، فقد اختلقت أمي كل هؤلاء الأشخاص في منزلنا في أفريقيا بقوة شعرية جعلتهم يبدون وكأنهم موجودون بالفعل. الأدب هو خلق هذا الارتباط بالقصص حتى يكون للعالم والحياة معنى. بصفتي عالم أحياء، عملت مع الصيادين: يحتاج الصياد إلى أن يتحول إلى أسد ليفكر مثله ويتوقع تحركاته. هذا هو الأدب: الحاجة إلى التفكير من منظور الآخر، وإلى أن يكون للعالم معنى. يجب تقريب الأدب إلى رؤية ملموسة أكثر.

(*) غالبًا ما تقول إن موزمبيق بلد في طور التكوين المستمر. ما الذي ينقصها لإتمام عملية التكوين هذه؟
50 عامًا هي مدة قصيرة جدًّا لبناء أمة، لا سيما مع هذا التنوع الكبير في الشعوب والثقافات. في البداية، كان ثمة سلطوية من الأعلى إلى الأسفل، لم يكن يُسمح لأحد بالتحدث بلغته، وكان على الجميع التحدث بالبرتغالية. أما اليوم، فإننا نتعامل مع هذا الأمر بهدوء أكبر. سيتم تنفيذ مشروع الأمة بشكل مشابه إلى حد ما لما يحدث في إسبانيا، حيث ثمة أمة واحدة وفي داخلها أوضاع خاصة أخرى. ليس من الضروري إنكار وجود الأمم المختلفة في موزمبيق من أجل التفكير في كيان فوق وطني، واللغة البرتغالية تساعد في ترسيخ فكرة الأسرة الواحدة.

(*) بالحديث عن إسبانيا، كيف ينظر المواطن الموزمبيقي إلى الأزمة في سبتة؟
ما حدث في سبتة يثبت أن ثمة ميلًا عالميًا لإلقاء اللوم على المهاجرين في جميع مشاكل البلد. إنها الذروة الدرامية والغريبة لأوروبا التي تشعر بأنها مهددة ومغزوة من قبل الغرباء، في ظل الفكرة العنيفة بأنها ستفقد هويتها. تغفل هذه الفكرة أن جزءًا كبيرًا من أوروبا بُني على أكتاف الآخرين. البرتغال وأفريقيا تربطهما صلة عميقة مع شمال أفريقيا، ما يتم تجاهله اليوم عمدًا.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.