أجرت الحوار: زاهدة طوبا كور
[عن مجلة "تصحيح" التركية، العدد الأول، 2026]
آفي شلايم هو أستاذ العلاقات الدولية والتاريخ في كلية سانت أنطوني في جامعة أكسفورد، يهودي عربي وُلد في بغداد عام 1945. وهو ابن عائلة أُجبرت على الهجرة إلى إسرائيل عام 1950، لكنها لم تستطع أن تجد لها موطئ قدم هناك. وقد تلقى تعليمه في بريطانيا منذ المرحلة الثانوية، ويُعد واحدًا من أبرز ممثلي مدرسة "المؤرخين الجدد" التي سعت لتقويض الرواية التاريخية الإسرائيلية الرسمية.
وقد تُرجمت إلى التركية مجموعة من كتبه التي أعادت النظر في كثير من المسلمات، ومنها: "إبادة غزة: حرب إسرائيل التي لا تنتهي ضد فلسطين"؛ "عوالم ثلاثة: مذكرات يهودي عربي"؛ "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي"؛ "تقاسم فلسطين: الملك عبد الله والصهاينة وسياسة تقسيم فلسطين 1921-1951"؛ "من أجل فلسطين: إعادة كتابة تاريخ 1948".
هنا ترجمة خاصة لهذا الحوار معه:
(*) نشكر لكم قبول دعوتنا إلى هذا الحوار بالرغم من جدول أعمالكم الحافل. ويسعدنا أن نفتتح العدد الأول من مجلة "تصحيح"، التي بدأت مسيرتها في النشر حديثًا، بحوار مع مؤرخ بارز مثلكم. تصفون إسرائيل في أعمالكم، وبقدر كبير من الدقة، بأنها دولة استعمار استيطاني. بدايةً، ما المقصود بالاستعمار الاستيطاني؟ وما أوجه التشابه والاختلاف بين الاستعمار الاستيطاني الأوروبي والنموذج الإسرائيلي؟
الصهيونية حركة استعمارية استيطانية، وإسرائيل دولة استعمار استيطاني. يقوم منطق الاستعمار الاستيطاني على إزالة السكان الأصليين قبل الاستيلاء على أرضهم ومواردهم، ولذلك فإن جوهر المسألة هو التخلص من السكان الأصليين والاستيلاء على الأرض. منذ البداية، كان هدف الحركة الصهيونية إقامة دولة يهودية على أكبر مساحة ممكنة من أرض فلسطين، مع أقل عدد ممكن من العرب داخلها. ولم يكن هذا مجرد خطاب، بل هدفًا حقيقيًا. ولم يكن بوسع الحركة الصهيونية تحقيق هذا الهدف من دون الإمبريالية أو الاستعمار الغربي. قال نعوم تشومسكي ذات مرة: "إن الاستعمار الاستيطاني هو أكثر أشكال الإمبريالية تطرفًا وسادية". وعلى امتداد القرن الماضي، وقع الفلسطينيون ضحيةً لقوتين في آن واحد: الاستعمار الاستيطاني الصهيوني من جهة، والإمبريالية الغربية من جهة أخرى؛ البريطانية أولًا خلال عهد الانتداب، ثم الأميركية لاحقًا.
لكن ثمة فارق بين الاستعمار الاستيطاني الصهيوني والاستعمار الاستيطاني الأوروبي الكلاسيكي. فقد كانت للحركات الاستعمارية الأوروبية حواضرها في لندن وباريس وبروكسل ولاهاي، وحتى عندما كانت تستعمر بلدًا آخر، كان للمستوطنين وطن يستطيعون العودة إليه إذا اضطروا إلى الرحيل، كما حدث مثلًا مع الفرنسيين في الجزائر. اضطر الجزائريون إلى خوض حرب شديدة الوحشية من أجل الاستقلال بين عامي 1954 و1962، ونجحوا في نهاية المطاف، واستطاع خلال تلك العملية عدد كبير من المستوطنين الفرنسيين العودة إلى فرنسا. أما في الصهيونية فالوضع مختلف؛ فاليهود الذين استوطنوا أرض فلسطين لا يملكون وطنًا آخر يعودون إليه. وهذا هو الفارق. لكن القاسم المشترك بين الاستعمار الغربي والاستعمار الصهيوني هو أن كليهما يُمارَس على حساب السكان الأصليين، وكلاهما ينطوي على نزع الملكية والتخلص منهم. وهذا تحديدًا ما يجعل كل أشكال الاستعمار خبيثة وشريرة إلى هذا الحد.
(*) عملتم سنوات طويلة في الأرشيفين الإسرائيلي والبريطاني. ما الوثائق أو المعلومات التي كانت صادمة بالنسبة إليكم إلى درجة أنها غيّرت نظرتكم إلى الصهيونية وإسرائيل؟
أنا مؤرخ في تاريخ الدبلوماسية، وقد أمضيت سنوات طويلة في الأرشيفات الإسرائيلية والبريطانية والأميركية. وكان أكبر إنجاز لي في إطار ما يمكن تسميته بالصحافة الاستقصائية هو أنني نجحت في دفع إسرائيل إلى نشر "بروتوكول سيفر". كان هذا البروتوكول اتفاقًا سريًا أفضى إلى العدوان الثلاثي البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي على مصر عام 1956. ففي اجتماع عُقد في باريس بين رئيسي وزراء إسرائيل وفرنسا ووزير الخارجية البريطاني، دبروا مؤامرة لإشعال حرب ضد مصر. كانت هذه خطة نفاقية تمامًا؛ إذ كان من المفترض أن توجه بريطانيا وفرنسا إنذارًا إلى الطرفين، مصر وإسرائيل التي احتلت سيناء، تطالبهما فيه بالانسحاب بعيدًا عن قناة السويس، وكان من المؤكد أن مصر سترفض، ليصبح ذلك ذريعة للتدخل البريطاني-الفرنسي.
وقد وردت كل تفاصيل هذه الخطة في الوثيقة السرية المعنونة "بروتوكول سيفر". كانت هناك ثلاث نسخ من الوثيقة: أضاع الفرنسيون نسختهم، وأمر رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن بإتلاف النسخة البريطانية لأنها كانت دليلًا على الاتفاق السري، أما رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون فاحتفظ بنسخته. وقد نجحتُ، استنادًا إلى قاعدة فتح الأرشيفات بعد مرور ثلاثين عامًا، في إتاحة هذه الوثيقة للنشر. كان واضحًا أن البريطانيين والفرنسيين قوتان استعماريتان فاسدتان، لكن إسرائيل، التي كانت قد حصلت حديثًا على استقلالها آنذاك، كان يُنظر إليها باعتبارها قوة ليبرالية وتقدمية، وجزيرة ديمقراطية وسط بحر من الأنظمة السلطوية. تكمن أهمية تلك الوثيقة في أنها أثبتت أن إسرائيل، منذ البداية، كانت قوة استعمارية وحليفة للقوى الاستعمارية الأوروبية، وأنها لم تكن تضمر للعالم العربي سوى نيات عدائية.
(*) هل صادفتم وثائق أخرى صدمتكم وغيّرت نظرتكم إلى إسرائيل؟
هناك وثيقة واحدة فقط صدمتني بحق، وقد عثرت عليها أثناء عملي في أرشيف بن غوريون في سديه بوكر في النقب. كنت أراجع يوميات دافيد بن غوريون التي تغطي الفترة الممتدة من عام 1947 إلى عام 1963، وفيها يروي أن أحد القادة أبلغه خلال حرب 1948 بحادثة اغتصاب جماعي ارتكبها جنود من الجيش الإسرائيلي، وسجل تفاصيلها أيضًا. دخلت وحدة إسرائيلية إحدى القرى البدوية، فقتلت أبًا، ثم أخذ الجنود ابنته البالغة من العمر ستة عشر عامًا، وغسلوها أولًا لأنها كانت، بحسب وصفهم، "متسخة"، ثم اغتصبوها جماعيًا. كانت تلك المرة الوحيدة خلال عملي في الأرشيفات التي لم أتمالك فيها نفسي وانفجرت بالبكاء.
لكن هذه المعلومة لم تكشف لي شيئًا عن الصهيونية لم أكن أعرفه من قبل. فالصهيونية في الأصل حركة شديدة القسوة؛ لأن الصهاينة لم يكن في مقدورهم تحقيق أهدافهم عبر الدبلوماسية، بل عبر العمل الأحادي واستخدام القوة العسكرية. تكشف هذه الحادثة ثمن الحرب؛ فالمدنيون هم دائمًا من يدفعون ثمن حماقات السياسيين. لدينا الكثير من الإحصاءات عن الدمار والمجازر الإسرائيلية في غزة، لكن الأرقام ليست هي التي تصيب الإنسان في صميم قلبه دائمًا؛ أحيانًا تكون قصة فرد واحد هي التي تفعل ذلك. وخلال خمسين عامًا من أبحاثي الأرشيفية، كانت هذه القصة الفردية هي الأكثر إيلامًا بالنسبة إليّ.
(*) تحدثتم عن الاتفاق السري البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي ضد مصر عام 1956. ولا بد من وجود تفاهمات مماثلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ترسم السياسات بعد 7 أكتوبر. ما رأيكم؟
لا أصف ذلك بأنه اتفاق سري، لأن التحالف الأميركي-الإسرائيلي أمر معروف. والفارق بين اليوم وحرب السويس هو أنه في ذلك الوقت كان البريطانيون والفرنسيون هم "الأشرار"، بينما كان الأميركيون هم "الأخيار". فقد أمر الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور القوى الثلاث بوقف الحرب والانسحاب فورًا، أي إن الولايات المتحدة التزمت بالقانون الدولي في أزمة السويس عام 1956. أما اليوم فنحن أمام أكثر رئيس مؤيد لإسرائيل في التاريخ الأميركي، ولم تكن العلاقات الأميركية-الإسرائيلية في أي وقت مضى بهذا القدر من التقارب.
حرب إيران ليست حربًا أميركية؛ إنها حرب بنيامين نتنياهو وحماقة ترامب. فمنذ ثلاثين عامًا تقريبًا، يدفع نتنياهو باتجاه مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، لم يكن أي رئيس أميركي غبيًا بما يكفي ليقع في هذا الفخ ويغرق المنطقة في الفوضى. ترامب هو أول رئيس انجرّ وراء ذلك وهاجم إيران إلى جانب نتنياهو. كان هذا عدوانًا غير قانوني؛ إذ لم تكن إيران تمثل تهديدًا وشيكًا لا للولايات المتحدة ولا لإسرائيل، ولم يصدر أي قرار عن مجلس الأمن الدولي يجيز هذا الهجوم. ولم تكن الحرب غير قانونية فحسب، بل كانت أيضًا حربًا غير عقلانية، سيئة التقدير إلى أقصى حد، وحمقاء ومتهورة، ونحن جميعًا ندفع ثمنها. ولا تُقصف المنشآت النووية وحدها، بل المدنيون والمنشآت المدنية أيضًا. وفي غزة يستمر التدمير والقتل رغم وقف إطلاق النار، كما تدّعي إسرائيل أن جنوب لبنان غير مشمول بوقف إطلاق النار مع إيران، ولذلك تواصل تدميره. أما إيران، فمن خلال إغلاق مضيق هرمز، فتُلحق أضرارًا جسيمة بالاقتصاد العالمي. إنها حرب غير ضرورية وغير مشروعة ومدمرة بالكامل، تنتهك القانون الدولي، وكانت إسرائيل القوة الدافعة وراءها. المشكلة أن الدعم الأميركي لإسرائيل غير مشروط، ولذلك تستطيع إسرائيل أن تفعل ما تشاء من دون أن تدفع أي ثمن، ولهذا تبقى جرائمها بلا عقاب.
(*) ما السياسات الاستعمارية التي انتهجتها إسرائيل تجاه سكان غزة منذ عام 1948؟ في الواقع تطبق إسرائيل سياسات استعمارية مختلفة في كل جزء من فلسطين، لكن دعونا نركز على غزة بحكم موضوعنا.
لم يكن قطاع غزة منطقة منفصلة في الأصل. إسرائيل هي التي أوجدته في نهاية حرب 1948، وكان هدفها دفع أكبر عدد ممكن من اللاجئين من بقية مناطق فلسطين إلى هذه البقعة. ولذلك فإن نحو 80 في المئة من سكانه الحاليين هم من لاجئي عام 1948 وذريتهم. بعد توقيع اتفاق أوسلو واغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين، الذي وقّع الاتفاق، عاد حزب الليكود إلى الحكم عام 1996، فتراجع عن أوسلو وفصل غزة عن الضفة الغربية. واستمر المشروع الاستعماري في بناء المستوطنات، رغم أن أي مستوطنة تُبنى في أي جزء من فلسطين هي غير قانونية وتشكل عائقًا أمام السلام. وفي عام 2005، انسحب رئيس الوزراء اليميني أرييل شارون من غزة من جانب واحد، لكن ذلك لم يكن مساهمة في السلام مع الفلسطينيين، بل كان بدايةً لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
استغل نتنياهو هجوم حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر لتدمير غزة بالكامل وتحويلها إلى مكان غير صالح للحياة، كما استغله لتصعيد التطهير العرقي في الضفة الغربية. وهنا نرى بوضوح كيف يعمل الاستعمار. انسحبت إسرائيل عام 2005 لأن كلفة الاحتلال كانت مرتفعة للغاية، لكنها عادت الآن، بعد تعرضها لهجوم من غزة، إلى احتلال القطاع والسيطرة على نحو 60 في المئة منه، فيما يدعو بعض الوزراء الإسرائيليين إلى إعادة بناء المستوطنات اليهودية هناك. وهكذا يتقدم الاستعمار عبر التطهير العرقي، كما حدث في عامي 1948 و1967. كان الهدف الإسرائيلي الأول في غزة هو التطهير العرقي، لكن مقاومة مصر حالت دون تمكن إسرائيل من دفع الفلسطينيين إلى شمال سيناء وإفراغ غزة من سكانها. بعد ذلك انتقلت إسرائيل من مرحلة التطهير العرقي إلى مرحلة الإبادة الجماعية. ونحن نشهد إسرائيل وهي تتصرف كقوة استعمارية تتجاهل القانون الدولي والنظام الدولي القائم على القواعد تجاهلًا كاملًا.
(*) يبدو أن رئيس الوزراء نتنياهو قد تحول بعد 7 أكتوبر إلى ما يشبه المدمن على الحرب؛ فهو يفتح جبهات جديدة بحجة القضاء على "المنظمات الإرهابية" والدول الداعمة لها، بينما يحاول في الحقيقة إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفرض الهيمنة عليه. برأيكم، كيف ستبدو المنطقة بعد خمسة أو عشرة أعوام؟ وهل تستطيع إسرائيل تحقيق أهدافها؟
أنا مؤرخ، ولذلك أشعر براحة أكبر في الحديث عن الماضي بدلًا من التنبؤ بالمستقبل. لكن لنبدأ بطموحات نتنياهو عقب هجمات حماس في 7 أكتوبر. هدفه هو فرض الهيمنة العسكرية الإسرائيلية على المنطقة بأكملها. ومنذ عقود، يصوّر نتنياهو إيران على أنها عدو وجودي لإسرائيل، وهذا غير صحيح؛ فإسرائيل، لا إيران، هي التي تمتلك أسلحة نووية. وإيران لم تبدأ من قبل حربًا ضد أي من جيرانها، بينما تهاجم إسرائيل جيرانها باستمرار وتضطهد الفلسطينيين. وقّعت إيران معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بينما لم توقعها إسرائيل ورفضت دائمًا الخضوع لأي رقابة دولية.
نجح نتنياهو في إقناع المجتمع الإسرائيلي بأن إيران تشكل تهديدًا وجوديًا، ولذلك هناك تأييد شعبي واسع جدًا للحرب ضدها. وتُقدَّم إيران أحيانًا في إسرائيل باعتبارها "رأس الأفعى"، أما أنا فأفضل وصفها بأنها زعيمة "محور المقاومة"، الذي يضم الحوثيين في اليمن، وحماس في غزة، وحزب الله في لبنان. حزب الله هو أهم حلفاء إيران؛ فقد أدى دور قوة ردع، سواء بسبب قدرته وخبرته العسكرية أو بسبب وجوده على الحدود مع إسرائيل. يريد نتنياهو القضاء على إيران والقوى الحليفة لها، والهدف من هجومه على إيران هو تغيير النظام. كان ترامب يعتقد أن تغيير النظام سيكون سهلًا، كما في فنزويلا، وأن أحد أفراد الحرس الثوري سيسيطر على السلطة ويتحول إلى متعاون، ونتنياهو هو من أوهمه بإمكانية تحقيق انتصار سهل. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي، في الحقيقة، لا يريد مجرد تغيير النظام في إيران، بل انهياره بالكامل بحيث لا تبقى أي بنية للحكم، وأن تعمل جماعات انفصالية مثل الأكراد على تفكيك البلاد، وأن تندلع حرب أهلية؛ أي إنه يسعى إلى جعل إيران، مثل سورية، عاجزة عن الدفاع عن نفسها.
لكن هذه الحرب تحولت إلى فشل ذريع. فبدلًا من إضعاف النظام، عززته ودفعته إلى اتخاذ موقف أكثر تشددًا. وكانت إيران قد حذرت من أنها، إذا تعرضت للهجوم، ستحوله إلى حرب إقليمية، وقد فعلت ذلك بالفعل، وفي النهاية أغلقت مضيق هرمز. لم يعد أحد يتحدث الآن عن الأسلحة النووية أو القوى الحليفة لإيران أو برنامجها للصواريخ الباليستية؛ فالقضية الأساسية أصبحت مضيق هرمز وتعطّل حركة السفن فيه، لأن ذلك أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وأصاب الاقتصاد العالمي بالاضطراب. خرجت إيران من هذه الحرب أقوى، وانتزعت زمام المبادرة في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. وكما قلت من قبل، إنها حرب غير عقلانية ومدمرة وعبثية بحق.
(*) حتى الآن، تبدو المواجهة العالمية مع الصهيونية وأهداف إسرائيل الاستعمارية الاستيطانية، وكذلك مع الإبادة الجماعية في غزة، غير كافية أو غير فعالة. لماذا؟
لا أتفق مع القول إن المواجهة العالمية ضد إسرائيل وإبادتها الجماعية قد فشل. هذه المواجهة مستمرة، وهناك مؤشرات على تحقيق تقدم في معركة العدالة للفلسطينيين. سأعطي مثالين: الأول هو قرار محكمة العدل الدولية الذي أقر بوجود خطر حقيقي ومعقول بوقوع إبادة جماعية ترتكبها إسرائيل في غزة، والثاني هو الحكم الواضح بأن كل ما يرتبط بالاحتلال غير مشروع، وأن على الدول الأخرى بذل كل ما في وسعها لإنهاء هذا الاحتلال. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. صحيح أن مذكرتي الاعتقال تتعلقان بأفراد، لكن إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه متهمًا بارتكاب جرائم حرب، فإن لذلك تداعيات على المجتمع الإسرائيلي بأسره.
سمعة إسرائيل اليوم في أدنى مستوياتها في تاريخها، وهي التي حولت نفسها إلى دولة منبوذة دوليًا، وليس الآخرون. لقد فعلت ذلك بسياساتها الاستعمارية، وقمع الفلسطينيين واضطهادهم، والإبادة الجماعية في غزة. وخلال العامين ونصف العام الماضيين حدث تحول لافت جدًا في الرأي العام الدولي ضد إسرائيل ولمصلحة الفلسطينيين، وهناك مظاهرات ضد إسرائيل في مختلف أنحاء العالم. لكن لا تزال هناك فجوة كبيرة وانفصال بين الرأي العام والحكومات في الغرب. فغضب الرأي العام الغربي من إسرائيل ودعمه لفلسطين يتزايدان باستمرار، ولا تزال الحكومات الغربية مؤيدة لإسرائيل، لكن مواقفها بدأت تتغير هي الأخرى، وفي نهاية المطاف ستضطر السياسة الخارجية إلى الانسجام مع موقف الرأي العام.
إسرائيل هي الطرف الخاسر، وهي تقف في الجانب الخطأ من التاريخ. وأحد أهم العوامل في ذلك هو حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS). إنها حركة عالمية سلمية تنطلق من القاعدة الشعبية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. ولا يمكن الاعتراض عليها لأنها سلمية، كما أن جميع أهدافها تستند إلى القانون الدولي. إن أكبر أمل في تحقيق العدالة للفلسطينيين يكمن في استمرار هذه الحركة الشعبية العالمية في اكتساب القوة، ولهذا لا أتفق مع الرأي القائل إن إسرائيل تنتصر وإن الفلسطينيين يخسرون.
(*) ما الوسائل والأدوات الأخرى التي ينبغي استخدامها لإنجاح المواجهة مع الصهيونية؟ فما ذكرتموه مهم، لكنه لم يتمكن حتى الآن من إنهاء الإبادة الجماعية في غزة.
المشكلة في القانون الدولي هي غياب آلية فعالة لفرض العقوبات وتنفيذ الأحكام، فتطبيق قرارات المحاكم الدولية يُترك للدول الأعضاء، وحتى الآن لم تقم الدول بواجبها. وبموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، تلتزم كل دولة طرف باتخاذ إجراءات فورية لوقف الإبادة الجماعية. ومن الناحية القانونية، يتعين على الحكومة البريطانية، التي أحمل جنسيتها، أن توقف جميع إمدادات الأسلحة وجميع مبيعات التكنولوجيا إلى إسرائيل، وأن تعلق التجارة معها. لكن الحكومة البريطانية تنكر وقوع إبادة جماعية وتواصل دعم إسرائيل.
ينبغي ألا نغفل حقيقة أن موقف فلسطين في جميع هذه القضايا يحظى بدعم قوي من القانون الدولي. قد تدور عجلات القانون الدولي ببطء، لكن لا ينبغي أن نقلل من أهميته وفاعليته. وقرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية مهمة جدًا في هذا السياق. لن تتغير الأمور بين ليلة وضحاها؛ إنها عملية سياسية طويلة، لكن الأوضاع ستتغير مع اعتراف مزيد من الدول بفلسطين واتخاذها مواقف أكثر انتقادًا لإسرائيل.
(*) أخيرًا، دأب سياسيون إسرائيليون في الفترة الأخيرة على استهداف تركيا في تصريحاتهم. بل إنهم طرحوا خطة لإنشاء "تحالف سداسي" شبيه بتحالف المحيط لعام 1958. هل يمكن لهذا التحالف أن ينجح في تطويق تركيا وإيران وباكستان؟ وما وسائل وأساليب المواجهة التي قد تستخدمها إسرائيل، في سعيها إلى الهيمنة الإقليمية، ضد تركيا بعد حرب إيران؟
تم اقتراح "تحالف المحيط" عام 1958 في أعقاب حرب السويس. كان هدف إسرائيل في حرب السويس توسيع أراضيها عبر السيطرة على شبه جزيرة سيناء بأكملها، وعلى الأراضي الممتدة شمالًا حتى نهر الليطاني في لبنان، وكذلك على غزة والضفة الغربية. وعندما فشلت تلك الخطة، تبنت بعد الحرب استراتيجية جديدة عُرفت باسم "تحالف المحيط". كانت الفكرة الأساسية تجاوز حلقة الدول العربية المعادية التي تحيط بإسرائيل، وإقامة تحالف مع ثلاث دول غير عربية، هي تركيا وإيران في عهد الشاه وإثيوبيا، وبذلك تطويق الدول العربية من الخارج. وكانت تركيا الركيزة الأساسية في هذا التحالف، ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت العلاقات بين إسرائيل وتركيا وثيقة للغاية.
أما اليوم فالعلاقات بين البلدين شديدة التوتر. وتنتقد تركيا، وبحق، الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة بصورة متزايدة. وفي المقابل، تضمر إسرائيل نيات أكثر عدائية تجاه تركيا، كما يشدد السياسيون الإسرائيليون لهجتهم ضدها. إضافة إلى ذلك، تمثل تركيا أكبر عقبة أمام خطط نتنياهو الاستراتيجية المتعلقة بما يسمى "إسرائيل الكبرى"، والهادفة إلى الهيمنة على الشرق الأوسط بأسره. ولهذا تنتشر تكهنات عن احتمال أن تهاجم إسرائيل تركيا يومًا ما. ومن الناحية العملية، وبسبب ضعف منظومة الدفاع الجوي التركية، من الممكن تمامًا أن تقوم إسرائيل بقصف أهداف عسكرية تركية، وهذا يمثل خطرًا حقيقيًا على تركيا.
لكن على المدى الطويل، يستحيل على إسرائيل أن تطوق تركيا وإيران وباكستان. يتراوح عدد سكان إسرائيل بين تسعة وعشرة ملايين نسمة، أما إيران التي يبلغ عدد سكانها نحو تسعين مليونًا، وتركيا التي يبلغ عدد سكانها نحو ستة وثمانين مليونًا، فهما دولتان بحجم بريطانيا وفرنسا وألمانيا، فيما يبلغ عدد سكان باكستان نحو 260 مليون نسمة. ليس بوسع دولة صغيرة مثل إسرائيل أن تطوق المنطقة كلها وتفرض عليها هيمنتها. إن إسرائيل تحاول القيام بأمور تفوق حجمها وقدراتها؛ إنها تُجهد نفسها وتفرط في التوسع، وفي النهاية ستنهار من الداخل.
لأن كل ما يحدث يرتبط في جوهره باستقلال فلسطين. فكل الحروب وأعمال العنف هي نتيجة رفض إسرائيل حق الفلسطينيين في تقرير المصير. هناك قول شائع في إسرائيل: "إذا لم تنجح القوة، فاستخدم مزيدًا من القوة". وهذه فكرة حمقاء. استخدام القوة لا ينجح، لأنها الأداة الخطأ لمعالجة مشكلة سياسية، والطريق الذي تسلكه إسرائيل خاطئ بالكامل. قد تتسبب إسرائيل في قدر أكبر بكثير من الضرر في المنطقة، وقد تقتل مزيدًا من الناس، وتدمر أكثر، وتلحق مزيدًا من المعاناة بالمدنيين في كل مكان؛ لكنها في نهاية المطاف محكوم عليها بالسقوط، كما حدث مع جنوب أفريقيا. ذلك أن نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) لا يمكن أن يكون مستدامًا في القرن الحادي والعشرين، والمشروع الصهيوني، بصورته الراهنة، لا يمكن أن يستمر.


تحميل المقال التالي...