في تجربة هاتف جنابي، يبدو الشعر رحلة طويلة في البحث والكشف ومواجهة الذات والعالم. إنها تلك الرحلة التي لم تمنحه الطمأنينة بقدر ما دفعته إلى الشك الدائم، ومراجعة اللغة، وتشذيب الكتابة، والاحتفاظ بحسّ نقدي صارم تجاه ما يكتب. ومن هنا تتشكّل تجربته الشعرية في فضاء تتقاطع فيه ثيمات الوطن والمنفى والذاكرة والموت والخلاص، فيما يظل العراق حاضرًا بوصفه جرحًا وهاجسًا وجوديًا، ويغدو الشعر محاولة لمقاومة العتمة واستعادة المعنى. وفي هذا الحوار، يتحدث جنابي عن المسافة التي قطعتها تجربته بين بدايات الشعر وامتداد العمر، وعن علاقته باللغة التي يرى فيها مفتاح الوطن وذاكرته، كما يتوقف عند تجربته بين العربية والبولندية، وما أتاحته الثنائية اللغوية والثقافية من اتساع في رؤيته الشعرية وعمله في الترجمة. كما يكشف عن نظرته إلى المترجم بوصفه قارئًا وباحثًا ومحيطًا بالنص وثقافته، وعن موقفه من الترجمة بالذكاء الاصطناعي وقدرتها على نقل الشعر بما يحمله من إحساس وتجربة.
هاتف جنابي هو كاتب، شاعر، ومترجم وباحث عراقي، متخصص في الأدب والمسرح والثقافتين العربية والبولندية والحوار بين الثقافات، وهو يكتب بالعربية والبولندية، وقد عمل أستاذًا في جامعة وارسو حتى تقاعده في أواخر سنة 2019.
صدرت له أكثر من عشرين مجموعة شعرية ونحو ثلاثين كتابًا مترجمًا، وترجم أعمال أكثر من مائة مؤلف وشاعر بولندي إلى العربية، وحاز جوائز أدبية وأكاديمية دولية عديدة عن تجربته الشعرية وإسهاماته في الترجمة.
هنا الجزء الثاني والأخير من الحوار معه:
(*) أوليس الوطن جرحًا ينبض في الشّعر ويتنقّل مع الشّاعر في المنفى بمعناه المجازيّ والوجوديّ؟
الوطن مركز ثقل وجودي، انتمائي وإيحائي، وأحد أهم أسس الهوية بالإضافة إلى اللغة. عندما فقدته فَرْضًا، شعرت بانسلاخ كياني واهتزازه، وبموازاة ذلك تحول إلى حنين إلى أرض أحلام خيالية مبتغاة، ومطلب بالعودة يتضخم بمرور الوقت. لقد قالت العرب: "الهوى من النوى" والنوى يعني البعد. فكلما طال الفراق بيننا أخذ يتحول إلى نوع من متلازمة سيكولوجية مرضية، وموضوع للكتابة. عندما عدت إلى العراق عام 2009 للمرة الأولى بعد غيبة بدأت عام 1976 دفعني الفرح لا إراديًا لتقبيل الأرض. لكن فرحتي لم تدم طويلًا، بعد أن لاحظت الخراب، وأن حديثي العلني عن الوطن بالحماسة التي استحوذت عليّ آنذاك لا قيمة له، حتى إن البعض قد لفت انتباهي إلى أن هذه المشاعر تخسر أمام سيل من ممارسات "اللاوطنية" و"النفعية" و"الوصولية". حينئذ وقعت في فخ اسمه حب وطن- مستغرب، وأصابني شعور بالانكسار والخيبة فالعذاب فمراجعة الذات والمواقف، والمتابع لشعري يلاحظ هذا التحول. لقد ارتقى "الوطن- الجرح" إلى مصافّ العذاب النفسي والشعور بالهزيمة وعبثية كفاحي السابق وتشردي، وأصبح رمزًا لمأساة وجودية.
لدي قصائد استشرافية لما آلت إليه بعض الأمور والمصائر. قلت:
"أرى الكلمات تعوي
في البراري مجروحة اللسان
أصابعها تناثرتْ في فضاء الوقائع الغائبة
وقد علقتْ شفاهُها بعقارب الماضي
وهي تنوسُ فوق جثث الحالمين:
جثث تحرسها خُوذُ الفقهاء،
والساسة المنهزمين"...
من قصيدة: ("أدوار"، بلومنغتن، 4 شباط/ فبراير 1994)
(*) يحضر الموت بين القصائد بطريقة مباشرة أو رمزية. لماذا كلّ هذا الموت؟
شاخت أحلامي النبيلة وذبلتْ بعض آمالي، والحبيبات لم يفين بالوعود. وتحول موطن الأحلام إلى كتلة سوداء من العويل والبكاء واللطم وسادت الخرافة. مات جزء كبير من الوطن، ماتت أختي الطفلة، وأخي الرضيع أمام عينيّ، ثم قتل أخي، ورحل الوالدان، ولم أتمكن حتى من حضور جنازتهما. تفرق الأصدقاء، مات من صحبي الكثير، وكنت شاهدًا حيًّا على موت البعض ممن لم أتمكن من إنقاذهم.
قلت في ذلك:
"... رأيتُ من عَلٍ كيف يهرسُ التمساحُ
رأسَ جاري الوحيد
كنتُ أراه يتهشمُ داخل النفق المظلم
داخل قاع العالم المُدبب
ألقيتُ نظرة أخيرة
على الأحراش
بعيني خيبة متفاقمة
بعيني جاري الوحيد
وكنتُ المنقذ الوحيد".
من قصيدة ("عيون الخيبة"، بلومنغتن- إنديانا، 5 شباط/ فبراير 1994)
نادرًا ما تجدين شاعرًا وفنانًا لا يتناول الموت في نتاجه. هناك حالات أتجاهل فيها الموت أو أدعي لنفسي ذلك، وهذا نابع من موقف الانتصار للحياة، وعدم الاستسلام للموت ببساطة. "كل هذا الموت" يقابله "كل هذه الحياة" في شعري. مساحة الحياة أوسع بكثير من قبر الموت، ولولا أفقها الرحيب لما كتبت كل هذا الكم في مديحها، والتغزل فيها. وأنا القائل: مهلًا، أيها السواد/ سأستلّ أوراقيَ البيضاء/ من فم الهاوية.
(وارسو، 17. 06. 2020).
الحياة أوسع من كونها جسدًا وروحًا. فيها الكثير من الجمال والسحر، فهي هذا الغصن الرطيب، والصوت الجميل، والفتاة الفاتنة، وقوس قزح... وهذا الكون اللامتناهي. كنت وما زلت في انتظار مجيء إخوتي النورانيين من أكوانهم، وحينها، ستتخذ المادة أشكالًا وأبعادًا أخرى، وتتغير طرق الحب والتواصل.
(*) طالما حملت شغفًا باللغة البولندية، فيما ظلت العربية بيتك الأول ووطنك الذي لا يغادره اللسان. كيف عاشَت اللغتان في تجربتك الأدبية؟ وهل فتحت لك البولندية نافذة على عالم آخر، أم أنها أعادتك، كلما ابتعدت، إلى بيت العربية؟
اللغة البولندية لغة عميقة وغنية وذات مرادفات عديدة، رغم صعوبتها. كان هناك صراع رهيب في داخلي بين عالمين، ولغتين، بل لغات. كلما تقدمتُ في مجاهيل لغة الآخر كان على اللغة الأولى- الأم أن تبتعد، تتقلص، كما لو كانت شخصًا يمضي ببطء في اتجاه آخر، حاملًا مشعلًا في عاصفة. لم يكن أمامي سوى مخرجين: تجاهل لغتي الأم والاستسلام إلى اللغة الجديدة المكتسبة، أو الاحتفاظ بكلتا اللغتين. لقد حكم عليّ المكان والشعر بثنائية اللغة، مع الاحتفاظ برجاحة كفة لغة الطفولة والمراهقة الأولى. لقد ساعد عملي الأكاديمي، والترجمة، وبطبيعة الحال الكتابة، على تطوير اللغتين. لا بدّ من الإشارة إلى أنني خريج جامعة بغداد، قسم اللغة والأدب العربي، وخريج جامعة وارسو- قسم اللغة والأدب البولندي، ومتخصص في المسرح والحوار بين الثقافات. لقد كلفني هذا الاختيار كثيرًا من الوقت، والجهد، والمعاناة، والتمزق والحرمان، وعرّضني للوقوع في حالة نفسية من التأرجح الذي كاد أن يفتك بي وبهويتي الثقافية.
(*) في ترجماتك منحت النصوص البولندية عناية وحياة، كونك شاعرًا يمتلك الحس الشعري ويحسن الاختيار بعد كل هذه التجربة الطويلة. ألا ترى أننا اليوم أمام تجارب في معظمها باتت تعتمد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي في الترجمة؟ هل يمكن للذكاء الاصطناعي ترجمة الشعر حقًّا بكل ما فيه من شغف وإحساس؟
في أواخر السنة الماضية نبهني صديق أثق فيه إلى إمكانية الاستفادة من برامج الذكاء الاصطناعي في ترجمة وتوضيح بعض النصوص. لست ضليعًا في الحاسوب ولا في برامجه ولم يكن لدي قبل نصف سنة سوى لابتوب قديم خلو من هذه البرامج. اطلعت على بعض البرامج المجانية في هذه السنة فألفيتها ميكانيكية، تفتقر إلى المشاعر، فلا حرقة ولا لغة مضبوطة ولا أسلوبًا يُعتمد. عندما أقرأ بعض الكتابات اليوم أحسّ بأنها نسخة غوغلية، واصطناعية تفتقد للذكاء المذكور! حتى الآن، وبالمواصفات المتوفرة، لا يمكننا الجزم، بقدرة "الذكاء الاصطناعي" على القيام بدور المترجم البارع والمبدع الذي لا تقوم له قائمة بدون المشاعر والتأمل والجانب الروحي والفكري والتجربة العملية.
(*) ما المعايير التي تعتمدها لاختيار نصوص الأدب البولندي الذي تعمل على ترجمته؟
معاييري هي خلاصة لقراءاتي وتجربتي ومعرفتي الشخصية بالكتاب إن كانوا على قيد الحياة، أولًا، وما غربله الزمن وتاريخ الأدب والثقافة، ثانيًا، وما اختاره مؤلفو الأنطولوجيات الشعرية والنثرية وخضع للانتقاء من قبلي، ثالثًا، وما اختاره الشاعر من شعره، والناثر من نثره، رابعًا. وأحيانًا أستشير من أثق فيهم من الشعراء والكتاب والمترجمين. وعادة ما أجمع هذه المعايير، أضعها في المختبر معًا، ثم أعمل خلطتي السحرية.
الأدب البولندي عميق وغني
ومتنوع ومتطوّر بأسلوبه
(*) لك فضل كبير في تعريف الأدباء وخصوصًا الشباب منهم بالأدب البولندي، إذ نقلت للعربية أصواتًا وتجارب مهمة لفضائنا الثقافي. ما الذي ما زلت تطمح إليه لتفتح آفاقه من الأدب البولندي للقارئ العربي؟
لم أنقل من الأدب البولندي إلى اللغة العربية سوى النزر اليسير، لأن هناك أعمالًا كثيرة غنية وذات مستوى فني وفكري رفيع تحتاج لمن ينقلها. الأدب البولندي عميق، غني، متنوع، ومتطور في أسلوبه وأدواته وانتقاء مواضيعه، وفيه حرقة، معاناة، تأمل، فكر، وجهد إبداعي. تعرض البولنديون على مر التاريخ إلى مظالم عديدة، من تقسيم بلادهم، وتجاهل ثقافتهم، والاستخفاف بهم، والاستعلاء عليهم، وهم بهذا قريبون منا، إلا أنهم نهضوا ونحن ما زلنا في الوحل عالقين. أعمل على الجزء الثاني من أنطولوجيا الشعر البولندي التي ستضم نماذج لأكثر من خمسة وثلاثين شاعرة وشاعرًا، وكلي أمل في صدور "متاهة على شاطئ البحر" للشاعر زبيغنيف هربرت هذه السنة، وسيتعرف عليه القارئ مُنقّبًا، باحثًا عميق المعرفة، ورحالة لا يكلّ، في أصول الثقافات الأوروبية. سأترجم أعمالًا قصصية مهمة، وربما رواية أو اثنتين، بالإضافة إلى ثلاث مختارات شعرية لشاعرات رائعات، وربما سأتوقف بعد ذلك، لأنني بحاجة للتركيز على نتاجي الشخصي وأنا في خريف العمر.
(*) لا يكتفي هاتف جنابي، في ترجماته لمختارات الشعر والنثر البولندي، بنقل النص إلى العربية، بل يبدو كأنه يلاحقه إلى طبقاته الخفية، ويحيط به من جوانبه التاريخية والجمالية والسيرية. ففي مختارات زبيغنيف هربرت، مثلًا، لا نقرأ تعريفًا بالشاعر وحياته فحسب، بل دراسة تسعى إلى الإحاطة بتجربته وسياقها، ثم قراءة لشعره تتوقف عند أدق التفاصيل، حتى إنك تلتفت إلى ملاحظة تبدو عابرة، من قبيل أن شعر هربرت "يكاد يخلو تمامًا من علامات الترقيم". وفي "النهاية والبداية" لشيمبورسكا، نلتقي مقاربة مختلفة، أكثر اتساعًا، تتضمن دراسة وافية ومقارنة بالترجمات التي أُنجزت إلى الإنكليزية والفرنسية، مع عناية لافتة بالتفاصيل والملاحظات. إلى أي حدّ ترى أن المترجم ينبغي أن يكون قارئًا وباحثًا ومؤرّخًا للنص، لا مجرد ناقل له من لغة إلى أخرى؟ وهل أصبحت هذه الإحاطة الشديدة بالنص شرطًا لا غنى عنه لديك كي تشعر أنك أنصفت الشاعر والعمل الذي تترجمه؟ وهل من رسالة يمكن توجيهها إلى المترجمين؟
أنا شخصيًا أهتم بأدق التفاصيل، وأجهد في مراجعة وتصويب ما أكتب وأترجم وأقول، ولدي شعور عالٍ بالمسؤولية، يدفعني إلى احترام نفسي واختياراتي والدفاع عنها، من خلال نقلها، بما يليق بالمؤلف ومترجمه والمتلقي، من جهة، وباللغتين الأولى والثانية، من جهة أخرى. فضلًا عن كون النصوص التي أنجزها عادة ما تنقل من لغتها الأم إلى اللغة العربية لأول مرة. أتعذب طويلًا عندما أعثر على خطأ، زلة أو هفوة، أو عدم دقة في بعض الحالات، وأتمنى أن تتوفر لي فرصة طبع هذا العمل أو ذاك ثانية، سواء أكان ترجمة أو تأليفًا. لا يمكن للمترجم أن يكون بخلاف ما تفضلت أنت بذكره في السؤال. أرى ضرورة بالغة في تقديم المؤلف من خلال نصه أولًا، والتعريف به ثانيًا. وإن اقتضت الضرورة وضع بعض الهوامش فلا ضير في ذلك. المترجم ليس آلة بل إنسان يفترض به أن يكون مثقفًا ومتمكنًا من كلا اللغتين وملمًّا بكلتا الثقافتين. النصوص المهمة عادة ما تكون ذات مرجعية روحية وثقافية وربما تاريخية أو أسطورية. سأسوق لك مثالًا يتمثل في نقل كتاب هربرت "متاهة على شاطئ البحر" لتري حجم الجهد الذي بذلته ليصل إلى قراء العربية كما هو في الأصل. ومن هنا "فالإحاطة بالنص" شرط أساسي. المترجم يتعلم طوال حياته، وكل نص جديد يفاجئه، وكل ترجمة يقوم بها تضعه أمام تحديات. إن الإحاطة بالنص لغةً، وأسلوبًا، ومعنى، ومرجعية ثقافية، تعد من الشروط البديهية التي يجب أن تتوفر في المترجم. وهذه الإحاطة ذات اتجاهين وأبعاد عديدة. وقد سبق أن نوّه إلى وجوب توفر بعض الشروط (عدة المترجم) كل من الجاحظ وأبي حيان التوحيدي مثلًا.
| |
| أراني مؤتمر مترجمي الأدب البولندي كيف أن بلدًا مثل بولندا كان يقترن بمحدودية الإمكانيات واللغة، أصبح مثالًا على توسيع نطاق أدبه ولغته ومكانته في العالم (الصورة عن صفحة فيسبوك جنابي) |
(*) بالانتقال إلى النقد، ما الذي اختلف فيه بين الأمس واليوم؟ ألا ترى تقصيرًا أو عدم إيلاء العناية الكافية لنقد الآداب المترجمة خصوصًا؟
تقترن عملية النقد بالجامعات أساسًا. وهكذا هي الحال في العالم. النقاد الكبار هم سليلو الجامعات قبل كل شيء. وهم الذين قادوا ويقودون الحركة النقدية. ذاكرتنا تحتفظ بأسماء عديدة عربيًا، وعالميًا. فضلًا عما قام به عدد من الكتاب والشعراء أنفسهم، ويكفي أن نستحضر أمثلة من مصر ولبنان والعراق وسورية وفلسطين وتونس والمغرب وحتى الجزائر لنحصل على الجواب المناسب. تعاني الجامعات العربية اليوم من عسر، وأزمة، وانحدار في المستوى، وتدهور الثقة بما يكتب. فعلى سبيل المثال، لقد صاحبت العملية النقدية الجادة الكتاب والشعراء في مصر منذ بداياتهم وحتى بعد مماتهم، وهي التي منحت النتاج المصري سمعة ومكانة في خارطة الإبداع العربي تفوق سواها. فكلما خرج الأكاديميون من الحرم الجامعي إلى الملأ أصبحت كتاباتهم أكثر تأثيرًا وانتشارًا. خذوا مثلًا أسماء من قبيل طه حسين، عبد الرحمن بدوي، محمد النويهي، عبد القادر القط، عز الدين إسماعيل، علي الراعي، صلاح فضل، جابر عصفور، غالي شكري (...) والقائمة تطول. بطبيعة الحال، تسند أعمال هؤلاء كتابات بعض الصحافيين ممن مارسوا النقد بشتى أصنافه.
والآن، نقول، إذا كان النقد العربي شبه معدوم اليوم، وإن هناك فجوة متنامية بين الحركة الإبداعية والنقدية، فمن غير المعقول أن نشهد متابعة لما يترجم. نادرًا ما رأيت نقدًا جادًا أو متابعة لما نشر من ترجمات، باستثناء أخبار عابرة، فشكلت هذه الحالة- الظاهرة حسرة، وألمًا، وقلقًا في داخلي.
(*) شاركت مؤخّرًا في مؤتمر مترجمي الأدب البولندي الّذي يهتمّ باللّغة والأدب، ويحظى بدعم كبير. أين تكمن أهمّيّة هذا المؤتمر بالنّسبة إليك؟ وماذا عن الاهتمام بترجمة الكتب العربيّة إلى اللّغة البولّنديّة؟
كنت مشاركًا فاعلًا وشاهدًا على حدث له دلالات عديدة. ومن بينها أنه دليل على نهوض ثقافات وتراجع أخرى، وعلامة على تراجع دور الغرب التقليدي. لقد أراني المؤتمر كيف أن بلدًا مثل بولندا كان يقترن بمحدودية الإمكانيات واللغة، أصبح مثالًا على توسيع نطاق أدبه ولغته ومكانته في العالم. لقد حضر المؤتمر أكثر من (250) مترجمة ومترجمًا من مجموع يفوق الألف. فلو ترجم كل من هؤلاء المترجمين كتابًا واحدًا سنويًا لكان لدينا كم يقدر بعدد الحاضرين على الأقل. ولو ضربنا هذا العدد بأربع لصار لدينا ألف عنوان مترجم، في غضون أربع سنوات، وهو الوقت بين مؤتمر ومؤتمر. فهل تترجم من الأدب العربي (أكثر من عشرين دولة محسوبة على اللغة العربية) مثل هذا الكم خلال عشر سنوات؟ وأنا أتحدث عن نشاط معهد الكتاب في هذا المجال فحسب، بدون ذكر مؤسسات أخرى تقوم بدور مماثل، ناهيكم عما تقوم به دور النشر في هذا المجال، وما ينتج من حوافز عن سلسلة الجوائز المرموقة في مجال الترجمة التي تدفع للعمل في هذا الاتجاه. هناك برامج تشجيعية أخرى للمترجمين طرحت في المؤتمر من منح واستضافات مجانية، ودعم لنماذج من الترجمة غير التي مرّ ذكرها. ولمعهد الكتاب شقق يستضيف فيها سنويًا عددًا من المترجمين لمدة شهر. أما بالنسبة لي فبالإضافة إلى مساهمتي في إحدى حلقات المؤتمر المهمة، وتبادل الأفكار والتجارب مع الزميلات والزملاء والتعرف على آخرين، كان حضوري الواضح في المؤتمر بمثابة حضور للغة العربية. الاهتمام بترجمة الكتب العربية إلى اللغة البولندية لا علاقة له بمعهد الكتاب المهتم أساسًا بترجمة الأدب البولندي إلى اللغات الأجنبية. لكن والحق يقال، تشهد السنوات العشر الأخيرة اهتمامًا متناميًا بالتعرف على الأدب العربي الذي كان محصورًا بنسبة غير قليلة بما يقوم به المستعربون الذين أخذوا يتذوقون طعم الخروج من الجامعات عبر التعامل مع دور نشر مهمة وأخرى صاعدة. وفي هذا الصدد تحظى الأعمال الروائية قبل كل شيء بأهمية وبعدها بمسافة تأتي بعض التجارب الشعرية. واتخذ النشر في هذا المجال سبيلين: نشر الكتب، خصوصًا تلك التي نشرت بلغات أخرى، كالإنكليزية، فالفرنسية، فالألمانية. وثانيًا، إعداد ملفات لبعض المجلات تضم نصوصًا عربية نثرية، شعرية، ونقدية، لكن في أحيان نادرة. بيد أن كل ما نشر حتى الآن لا يرقى لحجم اتساع وتطور الإبداع العربي في هذا القرن على أقل تقدير. وفي هذا المقام، ندعو، بل نرجو المؤسسات والأفراد في البلدان العربية لدعم وترويج الأدب العربي وتسهيل ترجمته. ومن المفيد أن نستحضر قول المتنبي: عَلى قَدْرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ وَتَأتي عَلى قَدْرِ الكِرامِ المَكارِمُ.
(*) هل من دعم للأصوات الشّابّة (أقلّ من 30) في مجال التّرجمة في بولندا؟
نعم، هناك برامج لتشجيع الأصوات الشابة سواء كمترجمين أو كتاب. ناهيك عن الطلبات المتزايدة لدور النشر البولندية في هذا المجال. ثمة جوائز للكتاب الأول في مجالات الترجمة والشعر والرواية والنقد. وهناك دعم لهؤلاء الشباب الواعدين. يتمثل في تعضيد الترجمات الأولى ماديًا، وكذلك عبر منحهم إقامات قصيرة مدفوعة لإنجاز مشاريعهم. وهناك جوائز تمنح للمترجمين، ومنح وإيفادات داخل بولندا وخارجها. إن حركة الترجمة في بولندا في تطوّر ملحوظ كمًّا ونوعًا يفوق كثيرًا ما هو لدى العرب مجتمعين.


تحميل المقال التالي...