أغمضت عيني، وكأن تساقطت في قلبي أمنية، احتفظت بها طويلًا، حتى تحققت. أدركت ذلك عندما وجدت نفسي أقف أمام لائحة مكتوبة بحروف عربية، وبعض معانيها أفهمه باللغة التركية، إنها اللغة الأويغورية، التي تنتمي إلى عائلة اللغات الأتراكية. كنت قد وصلت توًا إلى مطار أورومتشي، عاصمة منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم (والتي تكتب شىنجاڭ بالأويغورية).
كأن المدن تصغي إلى ما يجول في داخلنا، وحينها تفتح لنا طريقًا يحملنا إليها. استغرقت رحلة وصولي إلى شينجيانغ من بكين ـ بالطائرة ـ قرابة خمس ساعات. مساحة شينجيانغ مترامية، تغطي سدس المساحة الإجمالية للصين، وتقع شمال غربها. هناك تمتزج الحضارة الإسلامية والصينية، ويتجلى نسيج مضفر من ألوان التنوع الثقافي والثراء الفني. كما أن حدودها تلتقي مع 8 دول، من بينها: روسيا، ومنغوليا، وأفغانستان، والهند.
رغم التعب، تقودني قدماي للمشي. وكأن الخطى المتعبة تتلاشى، وتتبدل بأخرى مفعمة بالشغف، فيصير الدرب هين الخطو. انبعث في داخلي شعور بأنني أسير في مكان مألوف، رغم أنها المرة الأولى التي أذهب فيها إليه. الساعة تقترب من التاسعة والنصف مساءً، أرنو إلى الأفق، فتترقرق أشعة الشمس ملامسة بصري. مستحيل الإلمام بمعرفة مدينة في أيام، ولا أشهر، ولا حتى عام، ولكن المشاعر التي تنبت مصاحبة للانطباعات الأولى لا يمكن تخطيها، أو تجاهلها، أحيانًا تكون أشبه بالحدس، الذي قد يقودك إلى شيء، أو يدفعك إلى الترجيح بين شيئين، فيستغلق عليك تفسير السبب، أو شرحه.
ابتعدت عن نقطة انطلاقي لأكثر من ساعة. أورومتشي صاخبة، تزخر بالحياة. الليل على مشارف الانتصاف، ولكن أشعر أنني في وضح النهار. شارع طويل يعج بالبشر، وتتعالى فيه نداءات الباعة، ملتحمة بموسيقى شرقية تتناهى إلى الآذان. ألمح المنتجات المحلية، ولكن الفاكهة كانت أكثر ما يباع. فشينجيانغ تشتهر بفاكهتها الحلوة والمتنوعة، ومن أشهرها بطيخ خامي، وعنب توربان، وغيرهما. ويرجع طعم الفاكهة المختلف إلى طول فترة النهار، وكذلك تباين درجات حرارة الطقس بين الليل والنهار، ومصادر المياه الطبيعية النقية والعذبة.
في شينجيانغ رأيت الجبال الخضراء السامقة، التي يكسوها الثلج، والأنهار، والبحيرات والوديان، والمروج، بل ومررت على الصحاري التي يسير فيها الجمال. شينجيانغ منطقة متعددة القوميات، فيها قوميات مثل: الخاساك، المنغول، خوي، التتار، الخان، القرقز، التجاك، ويشكل عدد الأويغور 48% من تعداد السكان بها.
على مدى قرون متمادية، تواجدت في شينجيانغ ديانات ومعتقدات متعددة، ومنها الشامانية، والبوذية، والطاوية، المانوية، وغيرها، حتى دخلها الإسلام نهاية القرن التاسع، وبداية القرن العاشر. ففي البداية كان حكام الدولة القاراخانية يؤمنون بالديانة البوذية والمناوية، ولكن، في ما بعد، اعتنقوا الإسلام. وكذلك كان للعرب دور في نشر الدعوة الإسلامية في الصين، على طريقي الحرير، البري والبحري. ففي عصر أسرتي تانغ وسونغ، جاء العرب إلى جوانغ جو، وتشوان جو، عبر طريق الحرير البحري، ونشروا الإسلام بمعاملتهم الطيبة في جنوب شرق الصين.
في اليوم التالي لوصولي إلى أورومتشي، ذهبت إلى حديقة الجبل الأحمر، والتي بنيت فوق الجبل الأحمر. وسمي بهذا الاسم للون صخوره التي تميل إلى اللون الأحمر، أو الطوبي الفاتح. ومن الأساطير المشهورة حوله أنه ذات يوم هرب تنين من بحيرة الجبل السماوي، فقطعته شي وانغ مو (وتعرف بملكة أم الغرب، وهي من آلهة الأساطير الصينية) بسيفها إلى نصفين، فتحول نصفه إلى جبل ياماليك، ونصفه الآخر إلى الجبل الأحمر. أما سيف شي وانغ مو فتحول إلى نهر أورومتشي. حديقة الجبل الأحمر من أشهر معالم المدينة. عندما دخلتها، داومت السير في طريق صاعد، ومررت على معبد بوذي. وعند نقطة ما لاح لي مشهد بانورامي مذهل للمدينة بأسرها. وفي أقصى نقطة للحديقة، كان هنالك برج أحمر صيني تقليدي يعود تاريخه إلى 200 عام.
في الصين، معظم المدن فيها متاحف خاصة بها. ومن بين الأماكن التي زرتها متحف منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم. المتحف كبير، وفيه قاعات عرض كثيرة أتاحت لي رؤية الكنوز الثقافية والتاريخية لشينجيانغ، والتي شهدت على أن الثراء الثقافي، والعمق الحضاري، وتعدد القوميات، التي يبلغ عددها 56 قومية، جزء لا يتجزأ من هوية الصين.
فهمت أكثر، من خلال المتحف، أن شينجيانغ كانت بمثابة بوابة لتواصل الحضارة الصينية مع العالم، بل وكانت طريق تلاقي الثقافات، وجسر تواصل الشرق والغرب، ونقطة مهمة على طريق الحرير قديمًا. يعرض المتحف تاريخ شينجيانغ على مدى عصور مختلفة، وكذلك تضم قاعات العرض: الآثار التاريخية لشينجيانغ، والمجتمع البدائي بها، والمنسوجات المختلفة، وخاصة الحريرية، وغيرها....
بعد التنقل بين القاعات، عزمت على احتساء القهوة في مقهى المتحف، ولكنه كان مزدحمًا. وربما لأنه كان عيد الأضحى، كانت الأماكن تعج بالبشر. فذهبت إلى الطابق الخاص ببيع الهدايا التذكارية، والذي يقدم للزوار مجموعة متنوعة من القطع الفنية المختلفة، على شكل معروضات المتحف. فكل من الدفاتر، والتماثيل، والحقائب، والأوشحة الحريرية، بل وحتى المثلجات، كانت مستوحاة من معروضات المتحف، وكأن التاريخ يدُمج في الحياة اليومية المعاصرة.
لم ينته اليوم هنا. فهنالك مكان آخر ذهبت إليه. زرت "بازار أورومتشي الدولي"؛ وهو من أشهر الأماكن في أورومتشي، بُني على الطراز الإسلامي المميز. هنالك مسجد، وساحة ضخمة مكشوفة فيها مطاعم ومتاجر، ومقاه، وأسواق. الأجواء هناك تشبه خان الخليلي.
سرت صوب السوق المغطاة، التي تبيع الهدايا والمنتجات الخاصة بالمدينة، ومن بينها السيراميك المزخرف، والحلي، والآلات الموسيقية المختلفة، ومنتجات الجلود. ثم دلفت إلى ممر ضيق للمشغولات اليدوية، وملابس القوميات المختلفة. وهناك، رأيت دكاكين تبيع الفاكهة المجففة، والحلوى التقليدية المتنوعة الخاصة بشينجيانغ، والتي قدمها لي الباعة ـ بترحاب ـ لتذوقها. وعندما خرجت من الجهة الأخرى للسوق المغطاة إلى الساحة المكشوفة المكتظة بالبشر، لمحت عربات مصطفة لبيع المأكولات وأسياخ الكباب. وفجأة، تسلل إلى أنفي عطر الخزامى، فوجدتني أقف أمام متجر لبيع الخزامى ومنتجاته، فيما بعد علمت أن شينجيانغ فيها أكبر مزارع للخزامى في الصين، والذي يزدهر في شهر أيار/ مايو، وموسم حصاده يكون بين شهري حزيران/ يونيو وتموز/ يوليو.
عندما التفت إلى الناحية الأخرى، وقعت عيني على تمثال بعمامة وإلى جواره حمار، نعرفه في الوطن العربي بجحا، أما الصينيون فيطلقون عليه "آفانتي"، أي أفندي، وتعني باللغة الأويغورية "أستاذ"، أو "معلم". ويقال إن أصل شخصية "آفانتي" هو نصر الدين خوجا التركي، الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي، واشتُهر بقصصه الطريفة التي استوطنت قلوب الناس.
انتهى اليوم، ولم ينته النهار بعد.
أورومتشي مدينة لا يأفل نورها، لا أقصد هنا النور الساطع في الأفق، بل ذلك النور الذي ينفذ إلى الوجدان، وتستضيء به الخطى، فيربط المرء بالمكان، رغم العبور الخاطف، والبقاء المؤقت. بل ويجعله يألف الحيز، بالرغم من فجوة المسافات، وكل التباينات. ببساطة، لأنه نور متفرد، مشبع ببريق الشرق، وسحر فنونه، وكرم ثقافته، وضيافته.


تحميل المقال التالي...