}

من اتحادٍ إلى اتحادٍ للكتّاب في سورية

نبيل سليمان نبيل سليمان 17 يوليه 2025
يوميات من اتحادٍ إلى اتحادٍ للكتّاب في سورية
(Getty)
من المعلوم أن خمسينيات القرن الماضي كانت فورة سياسية واجتماعية وثقافية في سورية. ومن العلامات الكبرى للفورة الثقافية، كانت الهيئات التي شكلها الكتاب والمثقفون، ومنها: أهل القصة، وكان من أعضائها: إسكندر لوقا الذي كان قبل ربع قرن نائب علي عقلة عرسان الذي تربّع على رئاسة الاتحاد ثمانية وعشرين عامًا (1977 - 2005). ومن تلك الهيئات رابطة الشباب، وكان من أعضائها: نصر الدين البحرة، عضو المكتب التنفيذي للاتحاد قبل ربع قرن، وناديا خوست، عضوة مجلس الاتحاد يومئذٍ - ورابطة الأدب الجديد، وكان من أعضائها سعد صائب - ورابطة وحي القلم، وكان من أعضائها مصباح الغفري - وجماعة الكتاب التقدميين، وكان من أعضائها عبد الباسط الصوفي... وقد تناثرت تلك الهيئات في المحافظات أيضًا، كأسرة الكواكبي في دير الزور، وكان من أعضائها عبد العزيز هلال وعبد الباقي باقر - ورابطة الأدب السوري الجديد في اللاذقية، وكان من أعضائها يوسف أيوب ومحمد غزال - وأسرة الأصدقاء في حلب، وكان من أعضائها فاضل السباعي وجورج سالم... وقد كانت كبرى الهيئات جميعًا: رابطة الكتاب السوريين التس ضمت حنا مينة وشوقي بغدادي وسعيد حورانية وعبد المعين الملوحي ومصطفى الحلاج وعبد السلام عيون السود وصلاح دهني واللبناني صديق بطرس... وهي الهيئة التي نظمت المؤتمر الأول للأدباء والكتاب العرب في دمشق (9 - 11 /9 / 1954) وصار اسمها إثره: "رابطة الكتاب العرب"، وكان ممن شهدوا هذا المؤتمر عبد الله العلايلي ومارون عبود وحسين مروة ومحمد دكروب (لبنان) وغائب طعمة فرمان (العراق) ويوسف إدريس وأحمد صادق (مصر)...

بقيام الجمهورية العربية المتحدة بين سورية ومصر عام 1958، انتهت تلك الفورة التي كان من آخرها جمعية الأدباء العرب (وكان من أعضائها مطاع صفدي وشكيب الجابري ويوسف الخطيب وإلفة الإدلبي ومدحة عكاش) وسرعان ما هيمن الصوت الواحد. وإذا كان الوقت لم يفسح لدولة الوحدة ولا لدولة الانفصال بعدها (1961)، فقد انتظرت دولة البعث منذ قيامها عام 1963 حتى عام 1969، لتنشئ للكتّاب في 1969/1/28 منظمتهم (الشعبية) التي ترأسها وزير التربية سليمان الخش، وكان علي الجندي فيها نائبًا للرئيس، وحيدر حيدر أمينًا للسر.

من هذه الأحادية المتنكرة بالديمقراطية الشعبية ابتدأ اتحاد الكتاب العرب، جريًا على سنن اتحاد العمال واتحاد الفلاحين واتحاد الطلبة... وهي السنن التي احتذيت فيها الصيغة السوفياتية (وما تبعها أو ناظرها)، بما في ذلك سنّة الحزب القائد، أو سنّة الجبهة الوطنية التقدمية، وسواها. ولقد جرى منذ ثمانينيات القرن الماضي بخاصة تحفيز وتيسير انتساب الكتاب البعثيين للاتحاد، كما جرت العادة بإغلاق قائمة الجبهة الوطنية التقدمية في انتخابات الاتحاد. وإذا كان هذا الإغلاق قد ضيّق فرص التداول في الاتحاد - على الرغم من الاختراق المحدود المألوف للقائمة العتيدة - فقد نجم عن أمر التنسيب وجود جمهرة من الأعضاء أهليتهم الأدبية هي موضع تساؤل، أو الذين تعنيهم عضوية اتحاد الكتاب بقدر ما يغنمون منه عبر النشر أو الجمعية السكنية أو صندوق الضمان الصحي أو صندوق التقاعد أو الوفود التي كانت تتزاحم وتزدحم قبل انهيار الاتحاد السوفياتي وكواكبه عام 1991.

إزاء ذلك ابتدأ السؤال عما إذا كان الشأن النقابي وحده كافيًا ليجمع كل من هبَّ وكتب في منظمة واحدة. والسؤال يتشظى في سورية الجديدة بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 عن حق أية مجموعة داخل أو خارج الاتحاد في أن تشكل منبرها المستقل عنه، شأنها شأن سواها في المجتمع بعامة، مما يضاعف من ضرورة إصدار قانون/ قوانين الهيئات والجمعيات والأحزاب وسائر أشكال الفعالية المدنية، بعد هذا الانتظار الطويل والغامض منذ إسقاط نظام الطغيان الأسدي.

اتحاد الكتاب العرب 


لقد أفضى السبيل منذ سيطر حزب البعث عام 1963، فالسلطة الأسدية عام 1970، من الأحادية والهيمنة إلى العطالة المدنية. وعلى الرغم من ذلك ما فتئت الشعلة الثقافية في سورية تتقد على يد كثيرين من الأجيال المتعاقبة، ومن أولاء من ظل خارج الاتحاد (مثل عبد السلام العجيلي والياس مرقص وأنطون مقدسي وحافظ الجمالي ومحمد كامل الخطيب وبوعلي ياسين) ومنهم من قضى في الاتحاد زمنًا وشارك في قيادته ثم غادره (مثل حنا مينة وسعد الله ونوس وزكريا تامر وعدنان بغجاتي)، ومنهم من فُصل من الاتحاد بدعوى التطبيع (مثل هاني الراهب وأدونيس).

أما تمام هذه المفارقة السورية فيأتي في الدور التنويري والنقدي الذي نهضت به جمهرة من المثقفين المستقلين والنقديين مقابل جمهرة من مثقفي نظام الأحكام العرفية الذين يسيّدون الإعلامي على الثقافي، والنفعي على القيمي، فتكتمل بفضلهم مصادرة النقدي، مرة باشتراط أن يكون النقد بناء، ومرة باشتراط أن يكون النقد مسؤولًا، ومرة... ولنتذكرْ هنا مَنْ مِنَ الكتّاب الذين طالما أصمّ الآذان صوتهم المعارض بعد 2011 أو 2012، نراه قد أسرع بعد إسقاط النظام إلى المزاودة بالولاء، وإلى تحريم أي نقد أو انتقاد للسلطة الجديدة، أو على الأقل التشكيك بمثل هذا النقد.

وللسؤال إذًا أن يتجدد عما بين السياسي والثقافي، بعدما همّش الأول الثاني أي تهميش، وألحق ما أمكن منه بركبه، وبعدما ارتضى من ارتضى من الثقافي بالفصل عن السياسي، ابتداءً من النكاية بالالتزام في صيغته الشيوعية والقومية العربية، إلى أوهام الحداثة وما بعد الحداثة، إلى النكاية بالعقود العربية السابقة جراء أحاديتها القامعة، في الثقافة وفي سواها. ولقد ضاعف السؤال عن الفصل والوصل بين الثقافي والسياسي من الوعي بالخصوصية الثقافية، كما ضاعف من تحصين المثقف ضد التبعية للسياسي، سواء أكان حاكمًا أم معارضًا. وهنا يمضي السؤال من ارتباط اتحاد الكتاب سابقًا بأحد مكاتب القيادة القطرية لحزب البعث، أو ارتباطه لاحقًا بأية جهة كانت، إلى استقلاليته التامة.

من الحق أنه كما تعوّد المواطن أن ينصاع لرجل الأمن أو لابن فلان وقريب علّان، تعوّد المثقف على الرقيب الداخلي. وكان اتحاد الكتاب قد تولّى بموجب المرسوم 31 لعام 1971 مراقبة المصنفات والمؤلفات الأدبية والفكرية، بدلًا من وزارة الإعلام. ومن دولة الوحدة السورية المصرية إلى دولة البعث وما بينهما، توالت خلال خمسين سنة تعقيدات وطرائف الرقابة، حتى باتت في العهد البائد المؤلفاتُ السياسية تُراقَبْ في القيادة القطرية، ووزارة الإعلام تراقب ما يدخل إلى البلاد من الكتب والدوريات، ووزارة الأوقاف تراقب الكتب الدينية، والرقيب عادة في وزارة الإعلام أرحب صدرًا من صنوه المعني بما ينشر في الداخل... وفيما يخص الاتحاد قد يمنع كتابًا فتسمح به القيادة القطرية، "الميراث الدموي" لإبراهيم الخليل كمثال، وقد تمنع جهة ما - قيل إنها دائرة الإفتاء - كتابًا سمح به الاتحاد ("صهيل الجسد" للزاوي أمين كمثال).. أما المفارقة فهي أنْ يمنع الاتحاد كتابًا لعضو فيه (خيري الذهبي كمثال) أو أن يسمح بطبع كتاب بعد منعه له، "مسرحية الحمام لا يحب الفودكا" لمحي الدين اللاذقاني، وقد جرى فصلي من اتحاد الكتاب عام 1978، ولسنوات، بسبب روايتي "جرماتي"، ثم أجاز الاتحاد طبعها في سورية عام 1995. واليوم، وبما أن آلية الرقابة المسبقة لا تزال قائمة، بعد سبعة أشهر من إسقاط نظام الطغيان، أليس للحناجر أن تتفجر: من راقب الناس مات همًا وغمًّا؟

في مؤتمر اتحاد الكتاب السادس الذي ابتدأتْ به هذه المقالة، تقدمتُ مع حسين العودات ووليد إخلاصي باقتراح للمؤتمر بأن يوصي بسحب صلاحية الرقابة على الكتب الأدبية من الاتحاد، ويوصي بإلغاء الرقابة المسبقة على الكتب. وقد أقرّ المؤتمر التوصية، ولكنها ظلت حبرًا على ورق. وها أنذا، من بين كثيرين وكثيرات، نرفع الصوت عاليًا فأعلى بهذه التوصية، فالرقابة - أيًا كانت - هي وصاية سلطوية على ضمير الكتابة.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.