(1)
في أميركا لا يوجد بلد ولا يُشبه أحد أحدًا... هنا جمع غفير ممّن تقتضي مصالحهم أن يقيموا في هذه الأرض الشاسعة مترامية الأطراف التي باتت تُعرف بالولايات المتحدة الأميركية المكوّنة من 50 ولاية تشتبك لتشكّل قارّة كاملة... منظومة المصالح بتقاطعاتها وتعارضاتها واشتراطات الحفاظ عليها، تفرض على عشرات الملايين من مئات الملايين هنا أن يصمتوا حين لا بد من الصراخ، ويدّعوا الغفلة حين لا يمكن إلا الانتباه، ويحوّلوا صدمتهم بكل خيبة هنا إلى تفاخر كاذب باحترام النظام، على سبيل المثال، أو تكافؤ الفرص، أو جمال الطبيعة، أو ضخامة كل شيء... أو... أو... إلخ... علمًا أن القانون الوحيد المفروض هنا هو قانون الغاب... والفُرص المجزية تحتاج إلى قليل، أو كثير، من تجاوز القوانين، ولعب الثلاث ورقات... وعلمًا أن العنصرية مقيتة... والتلقائية غائبة... ومنذ وصولي إلى بلاد العم سام قبل 100 يوم، تحضرني كل يوم وساعة وصفاء، مقاطع من قصيدة لمحمود درويش "أميركا هي الطاعون والطاعون أميركا... أميركا وراء الباب وراء الباب أميركا... لأميركا سنحفر ظلّنا ونشخّ مزّيكا"...
(2)
لم ير في حياته أعرض من هذه الابتسامة... بعد دقائق قليلة حضرت سيارات الإسعاف والإطفاء والشرطة... خليط أصواتها أفزع السناجب في أعشاشها... ثمة قتيل وثمة قاتل، أقصد قاتلة... أكثر ما أرعب روحه أن القاتلة هي نفسها صاحبة الابتسامة العريضة: مااااا أكذبهم في بلاد العم سام... ما أجرمهم... قال في سرّه وسريرته... قبل أن يتعلّم درسه الثاني: حين تتعارض مصالحنا نحن الأميركان الشجعان مع مصالح أي أحد آخر فليقرأ على روحه وتاريخه وحقوقه وأحلامه الفاتحة... أما الابتسامة فهي وجه خديعتنا الذي لا يكلّفنا سنتًا واحدًا. منذ ذلك اليوم بدأت تسري في أوصاله جميعها قشعريرة رعب كلما ابتسم/ أو ابتسمت في وجهه أميركية أو أميركي فهم مشاريع قَتَلَة إلى أن يثبت العكس... وهو مشروع قتيل إلا أن يحالفه الحظ، أو يعمل 24 ساعة في الـ 24 ساعة لتحقيق مصالحهم، وزيادة أرصدتهم، وادّعاء الانبهار بهم!! المفارقة المضحكية المبكية أن المجرمة غادرت مسرح الجريمة مكبّلة اليدين مع ابتسامة لم تتسع لها المسافة بين القاتلة وبين ابنة القتيل (ابنتها)، فهجمت عليها وقضمت شفتها السفلى وجزءًا كبيرًا من لسانها!!!
(3)
لا يركز مدونو التاريخ الأميركي لا على الهوهوكام ولا على شعب البيما، ولا ينال السكان الأصليون على امتداد القارة المشيّدة فوق جماجمهم، منهم، حقهم بالرصد والبحث والحفر والتنقيب... وهو ما يشمل عدم التركيز على تاريخ واتسون بريك حيث واحدة من مناطق انتشارهم فوق مساحات شاسعة وحقول وارفة وصحارى ممتدة وجليد مديد وأنهار وبحيرات وأعالي بحار... وعدم التركيز على تاريخ بوفرتي بوينت... وودلاند والمسيسيبي والثقافة العظيمة المتجذرة التي نشأت حول نهرها (ثاني أطول أنهار أميركا قاطبة بعد ميزوري)... وربما هذا ما يوضح التخلف والفقر والإهمال الذي تعاني منه ولاية مسيسيبي، مهد موسيقى البُلوز وأحد أهم موائل السكان الأصليين من قبيلة باليو وغيرهم، ومن الأفارقة الأميركان... إنها العنصرية التي ترى في مدينة مثل نيويورك البريطانية/ الفرنسية/ الألمانية مساحة أوفى وأبهى وأرقى وأبقى للاحتفاء والاحتفال بأميركا (الجديدة/ المديدة)، فارضة على العالم أجمع اللغة الإنكليزية برطنة قبيحة ولهجة كاذبة وقضم فاقع للمفردات.
(4)
يعود إلى رواية "شيكاغو" لصاحبها علاء الأسواني... يقرأ: "قد لا يعرف الكثيرون أن "شيكاغو" ليست كلمة إنكليزية، وإنما تنتمي إلى لغة الألغونكي، وهي إحدى لغات عديدة كان الهنود الحمر يتحدثون بها... معنى "شيكاغو" في تلك اللغة "الرائحة القوية"، والسبب في هذه التسمية أن المكان الذي تشغله المدينة اليوم، كان في الأصل حقولًا شاسعة خصّصها السكّان الأصليون لزراعة البصل، الذي تسببت رائحته النفّاذة بهذا الاسم". ظل السكان الأصليون لمئات السنين يعيشون في شيكاغو... يزرعون البصل... ويرعون الأمل والماشية... ويحيون بسلام حتى كان عام 1673، عندما وصل إلى المنطقة رحّالة وصانع خرائط استعماريّ أوروبيّ اسمه لويس جولييه، يرافقه راهب فرنسي من طائفة الجزويت اسمه جاك ماركت... اكتشف الرجلان الاستعماريان شيكاغو... وسرعان ما توافد إليها آلاف المستعمرين كما يتدافع النمل على إناء العسل... وخلال المائة عام التالية شنَّ البيض المستعمرون حروب إبادة مروّعة (يبدو أن الإبادة الجماعية ديدن المستعمرين المحتلّين الإحلاليين جميعهم)، قتلوا خلالها ما بين خمسة إلى 12 مليون إنسان من (الهنود الحمر) في أنحاء أميركا الشمالية جميعها، وكل من يقرأ التاريخ الأميركي لا بد أن يتوقّف أمام هذه المفارقة، فالمستعمرون البيض، الذين قتلوا ملايين السكان الأصليين، واستولوا على أراضيهم، ونهبوا ثرواتهم من الذهب، كانوا (في الوقت نفسه) مسيحيين متديّنين للغاية... على أن هذا التناقض سرعان ما سوف ينجلي عندما نتعرف على الآراء الشائعة في تلك الفترة؛ فقد ذهب كثير من المستعمرين البيض إلى أن "الهنود الحمر، وبالرغم من كونهم ضمن مخلوقات الله على نحو ما، إلا أنهم لم يُخلقوا بروح المسيح، وإنما بروح أُخرى ناقصة شريرة! وأكد آخرون بثقة أن (الهنود الحمر) مثل الحيوانات؛ مخلوقات بلا روح ولا ضمير، وبالتالي، فهم لا يحملون القيمة الإنسانية التي يحملها الرجل الأبيض"!! وبفضل هذه النظريات الحكيمة، "أصبح بمقدور المستعمرين أن يقتلوا ما شاءوا من الهنود بلا أدنى ظلّ من الندم، أو الشعور بالذّنب، ومهما بلغت بشاعة المذابح التي ارتكبوها (وما يزالون يرتكبونها) طوال النهار، لم يكن ذلك ليفسد نقاء القدّاس الذي يقيمونه كل ليلة قبل النوم!" (ص 8).
(5)
كل شيء في بلاد العم سام يَسْمُن بقدر أبشع بكثير من أي سُمنة في بلاد الله الواسعة... حتى البعوض هنا يكاد يزن نصف أوقية من الدم الثقيل الذي امتصّه من دم أثقل... صدقوني أني رأيت دبابير بحجم قبضة طفل نضير... أما السُّمنة البشرية فحدث ولا حرج... طبعًا مدّعو الحقوق والمثلية وكيفية التعامل مع ذوي الإعاقة سيرون في إشارتي إلى أصحاب السُّمنة (تنمرًا) وما إلى ذلك من عناوين قرقعوا رؤوسنا بها قبل أن نكتشف زيفها أمام شلال الدم الغزّيّ المسكوت عنه... أما أفضل من قد يكتشف زيفهم وكذبهم وفقوعية شعاراتهم وكذبها وخوائها فهو من يقيم بينهم 100 يوم من الصدمات واكتشاف العورات ورصد الانحرافات والأمراض والغباء والإعاقة ولوقة اللسان وضعف البيان وخُفوت البُرهان...
(6)
في هذا المدى من الأخضر المشع بلمعة الصحة والعافية... سرعان ما تفجع أنك أمام طبيعة باهرة لكنها خاوية... سرعان ما تبحث عن الروح فإذا بك لا تجدها... وتحاول أن تضع يدك على النبض فإذا بالنبض مات والخُضرة حولك مجرّد بكائية لا يتقن البيض ألحانها... وأما السود فمشغولون بإثبات الذات ليس على طريقتهم ولكن على طريقة الأبيض المريض للأسف الشديد. وهذا ما ينطبق على الآسيويين بقدر انطباقه على الأفارقة... وحتى على أبناء أميركا الجنوبية ممن راهنوا على حياة أفضل في أميركا الشمالية... على كل حال فإن معظم من قرّر الاستقرار في بلاد العم سام من الآسيويين (الهنود والباكستانيون والتايلانديون والكوريون واليابانيون وغيرهم وخصوصًا الصينيين)، هم ممن رفضوا عقائد الحكم في بلادهم... هم من من رافضي اليسارية والثورية والإصلاحات السياسية... المبهورين بالقبعة الأميركية والبرغر والحذاء المصنوع من جلود الحياة. طبعًا لست معنيًا هنا بالدفاع عمّن هرب منهم من القمع في بلاده... أو من نظام حكم شموليّ... فلا شُمولية أبشع من رأس المال... ولا قمع أرعب ممّا يرتكبه زعماء عصاباته... ومن كان يظنّ بكلّ إثم أن أميركا هي بلاد الحرية والديمقراطية فالله لا يردّه... يتلقّى خرجه.
(7)
أي انحدار تسير أميركا نحوه بسرعة ألف ميل في الساعة؟ انحدار طال ويطول أهمّ معالمها الحضارية والثقافية والحضرية في نيويورك وغيرها من المدن التي كانت، ربما، تحمل بعض مؤشرات عراقة وخصوصية وجَمال. هذا ما حدث ويحدث مع مسارح برودواي والقصر والحديقة الشتوية. وهذا ما حدث ويحدث مع حديقة سنترال بارك Central Park... ومع ميدان التايمز Times Square ومعالم أخرى كثيرة. زمان كان مسرح برودواي مرتبطًا، حصرًا، بالأعمال المسرحية العالمية الكلاسيكية الكبرى، عندما كانت عروض إحدى مسرحيات شكسبير على سبيل المثال، تتواصل في واحد من مسارح برودواي البالغة 41 مسرحًا، سنوات عديدة، وكانت ساعات عرض بعضها تمتد إلى أربع ساعات وأكثر... وثمن تذكرة الدخول يصل إلى 400 دولار، وربما في أحيان كثيرة 500 دولار... لا شيء مما يتسابق الناس من أربع جهات الأرض على مشاهدته هناك يشبه تلك الأيام الخوالي... تشغيل مسعور لهواتف الخليويات... بشر بلا عقول يتسابقون على أخذ صور مع عاريتين محزنتين إلى حد البكاء... حولتا جسديهما إلى سلعة معروضة في مزاد التايمز سكوير... فأي انحدار... أي قاع ينزلقون إليه في بلاد العم سام ويصرّون على أخذ العالم كلّه معهم هناك إلى الهاوية الخالية من دسم الأخلاق... وطزاجة المعنى... وحرارة المشاعر... ووعي الضرورة...
(8)
لشمسنا نكهة يصعب أن يتذوقها المبتلون ببلاد البرد والضباب... وحين يبحث أحد مجرميهم عن "مكان تحت الشمس"، فهو حتمًا يقصد شمس بلادنا فتحتها أجمل أمكنة الله قاطبة... وأندى أراضي الكوكب المخوزق بالأوزون والمجرمين والضائعين الباحثين عن جنس ثالث مللًا من الجنسين اللذين خلقهما الله جلّ في علاه... وتمردًا على نواميس الكون... وطهارة المسافة الوقورة بين كائنين من كائنات الفَلاة...
(9)
حتى أهلنا ممن يقيمون في (فلسطين واي) وهي منطقة في مدينة باتيرسون داخل تفاصيل ولاية نيوجرسي، تحمل ملامح فلسطينية عربية كاملة الوضوح، حتى هؤلاء فإنك سرعان ما تكتشف أنهم مبتلون بما ابتلي به الكاوبويز من مَلل وكآبة وباطنية وادّعاء... حين تزورهم يدهشك هذا الزخم المفرح من الاعتداد بهويتهم الفلسطينية حيث علم فلسطين فوق كل عمود من أعمدة (فلسطين واي)... وحيث لا أحد، تقريبًا، يتحدث بغير اللغة العربية، وحيث يافطات المحلات جميعها، تقريبًا، مكتوبة باللغة العربية، وحين تبتهج لكل ذلك وتقرر أن تنجز تقريرًا صحافيًا عن هذه الظاهرة الدالّة المعبّأة بالمعنى والتمسّك بالهوية وما إلى ذلك، فإذا بك تفاجأ أن من رحبوا بك وأعلنوا استعدادهم الكامل للتعاون بوصفهم مصادر التقرير ومزوديه بالمعلومات، والرد على المكالمات لإنجازه على أحسن وجه، إذا بهم لا يردّون، ولا يعودون، ولا يعتذرون، ولا يوضحون سبب عدم ردّهم... وتعود لا تعرف ما لك وما عليك، ولا ما لهم وما عليهم... وتصل إلى قناعة، أو تكاد، أن زيارتك لشارع فلسطين التي عالجت كثيرًا من كآبتك... وأنعشت مجسّات روحك ووجدانك من جديد مجرّد حدث عابر ينقضي أثره بمجرد مغادرتك له... وما هو سوى ظاهرة سطحية فارغة المحتوى مثل كل شيء هنا!...
(10)
ينكفئ مرّة ثانية نحو كآبة لا دين لها.
(11)
الطريق إلى منهاتن الحالية لا يشبه مقال تركي الدخيل "في الطريق إلى مانهاتن"... لا يشبه أي شيء ولا أي معنى... مجرد استعراض جديد مرتهن لمفاهيم الترند، ومسعرة اللايكات... وأمراض العصر التي تعاني منها أميركا أكثر بكثير من غيرها...
(12)
بعيدًا... على بعد خطوات من المحيط الأطلسيّ الشاسع الممتد... أبهجني في أقاصي شرق بوسطن وجود علم بلادي فلسطين ملصقًا فوق عمود كهرباء... أنر دروب العالمين يا علمي... صوّب بوصلات الأرض... حلّق عاليًا بالمجد... بالوعد... بنضالنا الممتد...
(13)
ياااه لهذا المطر الذي لا ينتهي كم يغيّر في أعماقي مفاهيم كبرى حول الخصب والاستسقاء والغيث والقحط والحقول... هل تخيلتم، في أسوأ كوابيسكم، أن تتحوّل المسطحات الخضراء في يوم من الأيام إلى مسبب جديد من أسباب الكآبة؟؟! هل تصدّقون أنها هنا في ولاية فيرمونت بلا نهائية امتدادها... واستوائها... ولمعان خضرتها... وسكونية ما حولها... وانغلاق الأفق فوقها... تبث في النفس أمواج حزن قارّ داخل أعماق الروح... وأفياء الوجدان... حيث الأثير ضرير والأسلاك شِباك.
(14)
أروع ما يرتبط بـ(العهد الجديد) أميركيًّا، أن شيخ الكار الحالي، ملك حارة (كل من إيده إله)، الرئيس ترامب كشف كل شيء، وجعل ما فوق الطاولة أكثر بكثير مما تحتها، وزي ما قال المثل (اللي مخبّا بندوق).
(15)
يعاني الأميركان بشكل عام من جهل مستعصٍ باللغات، وخصوصًا اللغة الإنكليزية وآدابها والثقافة الهوياتيّة المرتبطة بها، فما كان منهم إلا أن راكموا، على مرّ العقود الماضية، جهلهم العجيب باللغة التي صارت (بقدرة قادر) لغتهم، إلى أن حوّلت هذه المُراكمة البغيضة، مجموع جهلهم اللُغويّ من رطن وخلط مفردات إلى ما تسمعونه اليوم جميعكم وتعانون من ثقله و(دفاشة) ألفاظه بما تعارف عليه أنه اللغة الإنكليزية كما فرضها جُهّال العم سام وعصابات اليانكي الذين لم يكتفوا بسرقة الأرض من أصحابها فسرقوا اللغة من ينابيعها...
(16)
رغم جهلهم المدويّ باللغة التي يدّعون أنها لغتهم، يصرّ الخليط العجيب المُسمّى عماءً بالشعب الأميركي، على استخدام هذه اللغة في محادثاته وتواصله مع غيره. مقابل هذا الإصرار الأعمى المتعجرف بلا معنى، أصرّ على استخدام اللغة العربية، ولا أتحدث إلا بها (رغم إمكانية أن أخربط كما يخربطون وأرطن كما يرطنون)، ورغم الاستهجان والعنصرية المتوارية خلف نظرات العيون أواصل تكرار ما قلته بلغتي البليغة الغنيّة العذبة... واليوم وبعد مائة يوم وأكثر من إقامتي بينهم، فإن كثيرًا من جُمل لغتي باتت مخزنة، رغمًا عن أنوفهم، في وعيهم المريض، وفي أي مكان عام يلتقيني بعضهم، فهم أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن يبادروني بجملة عربية ولو مكسّرة، أو يتجنبوني مبتعدين... والحق يقال إن (يعطيك العافية) والسلام (عليكم) و(مرحبا) وكلمات أخرى كثيرة ممّا بات متداولًا في مدينة ميديلبري حيث أقيم بلغتي وقيافتي والتزامي الحقيقي (وليس المُدّعى) بالآداب العامة وأخلاقيات الشارع، وباعتدادي وتاريخي وسهولي وكرومي وحوراني وبسالة شباب أمتي.
(17)
الناس هنا والكلاب توأمان... فِراخ الغِربان النّاعقة بما يشبه المُواء... الليل والكابوس والضباب... الثقوب السوداء المشوّهة صورة المدى الأخلاقيّ التائه في سديم الكون... لا باعة متجوّلون... ولا حتى متجوّلين... ثقب أسود أميركا في سديم الكون...
(18)
لا ينام... يرقد ساعة فوق بيض الغَمام... يأتيه محمود في المنام: "أميركا هي الطاعون والطاعون أميركا"... يسمع دقّات ساعة الكنيسة... فلا أجراس في كنائس العم سام ولا مصلّين... يشحدهم القساوسة شحدًا... يتذلّلون لهم... يرفعون فوق أسوار الكنائس علم المثليين لعل وعسى يرضى عنهم الغاضبون من كل شيء حولهم ويؤمّون الكنيسة يوم الأحد... ما أبشع علم الضياع فوق بيت اليقين... ما أبشع الوحشة... فـ(الجنّة بلا ناس ما بتنداس) كما نقول نحن في أمثالنا... ما أوحش الطريق إلى الحقيقة... ما أبعد الدقيقة التي تنتظر الدقيقة... ما أصعب الحياة خلف أعالي البحار إلى أن يعرف الشعب طريقه...
(19)
في البلاد البعيدة عن بلادنا يخنقني أوّل الليل... يحمل تذكّر الراحلين وجعًا يكاد يعصف بأنفاس الحياة... تأخذ أخبار الإبادة الجماعية طعمًا مختلفًا يقترب من جموح الأحزمة النّاسفة... في البلاد البعيدة عن بلادنا لا الهناء هناء ولا الفناء فناء.


تحميل المقال التالي...