تستمّد الحكاية الليلية جذورها من تقاليد السمر القديمة التي تمتد عبر حضارات متعددة. وقد حفظت لنا المرويات أن الإسكندر المقدوني، كان أول من سنّ فعل السمر والمسامرة بالحكايات كممارسة منظمة. حين وجد جنوده يغلبهم النعاس في الحراسات الليلية، ابتكر طقسًا جديدًا: أن يتناوب الحراس على سرد الحكايات العجيبة طوال الليل. هكذا يظل المستمع مشدودًا، متيقظًا، منتظرًا النهايات والمفاجآت. تحولت الحكاية من تسلية محضة إلى ممارسة وجودية ترتبط بالبقاء والحماية. وفي هذا التقليد الإسكندري نلمح بذرة ما سيصبح لاحقًا جوهر حكايات شهرزاد: الحكي من أجل البقاء والكلمات التي تنسج خيوط الحياة.
يحمل كتاب "ألف ليلة وليلة" في طياته وعدًا ضمنيًا يتكرر في كل ليلة تبدأ بـ "قالت شهرزاد" وتنتهي بـ "وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح". الوعد هو أن ما بين دفتي الكتاب هو ما روته شهرزاد للملك شهريار حرفيًا. غير أن هذا الوعد، حين نتأمله من داخل منطق النص ذاته، يكشف عن استحالة جوهرية تقوضه من أساسه.
تتجلى هذه الاستحالة في الليلة الأخيرة. فبعد أن حوّلت الحكايةُ شهريارَ من طاغية قاتل إلى عاشق وأب، وبعد أن أنجبت له شهرزاد ثلاثة أطفال، يأمر الملك الكُتّاب والنساخ أن يجمعوا ما سردته شهرزاد من حكايات، وأن يدوّنوها في كتبٍ تحفظ للعالم هذا الكنز من الحكمة والموعظة. يبدو هذا الأمر الملكي منطقيًا وخاتمة طبيعية للياليه مع شهرزاد، إلا أن السؤال الممثل للمفارقة: كيف سيكتب هؤلاء النسّاخ حكايات لم يسمعوها قط؟
يصمت النص عن تقديم أي تفسير. لا يخبرنا أن شهرزاد أعادت رواية "ألف ليلة وليلة" على مسامع الكُتّاب، ولا أن شهريار أملاها عليهم من ذاكرته، ولا أن أحدًا كان يسجل الليالي سرًا. هذا الصمت مقصود، لأنه يكشف أن هدف الملك، وهدف النص بالتبعية، لم يكن الدقة التوثيقية، بل كان شيئًا أعمق وأهم بكثير.
لم يسعَ شهريار إلى حفظ ما قيل، بقدر ما أراد خلق شيء جديد يحمل أثر ما قيل. أراد إنتاج نص يحمل قيمة التجربة التي غيّرته، لا شكلها الحرفي. أراد تخليد فعل الحكاية الذي أنقذه، لا تفاصيل مضمونها. لقد أمر بخلق عمل يعيد إنتاج التأثير السحري الذي أحدثته شهرزاد عليه، سحر الحكايات، ولا أهمية عنده لتسجيل الكلمات التي استخدمتها، حرفيًا.
هنا، تتجاوز الحكاية كونها مجموعة كلمات ثابتة لتصبح تجربة حيّة تعيد خلق نفسها. يسكن جوهرها في الأثر، لا في النص؛ في الصدى، لا في الصوت. هذا هو جوهر التقليد الشفهي الذي تنتمي إليه الليالي، حيث يملك كل راوٍ سلطة على ما يرويه، فيضيف ويحذف ويغير، بدون أن يكون همه الأول هو الولاء الحرفي لأصلٍ سبقه. فالنص المكتوب هنا لا يسعى للحفاظ على ذاكرة شهرزاد، بل ليحل محلها، ليخلق بديلًا مكتوبًا عن حضورها الشفهي.
يقودنا هذا إلى سؤال جوهري: أين يكمن "الأصل" في "ألف ليلة وليلة"؟ هل هو في الرواية الشفهية المفقودة لشهرزاد، أم في النص المكتوب الذي أمر به شهريار؟
الأصل في "ألف ليلة وليلة" كان حدثًا؛ كان تجربة التحوّل التي عاشها الملك بفعل مواجهته مع حكايات روتها له شهرزاد. ما يبقى من هذا الأصل، فعل المواجهة مع الحكايات، هو الأثر الذي يتركه خلفه. النص المكتوب، بهذا المعنى، ما عاد نسخة عن الأصل الذي روته شهرزاد، إنما هو الأثر الحي لذلك الأصل الغائب. هو الصدى الذي يملأ الفراغ بعد توقف الصوت، والظل الذي يشير إلى النور الذي رحل.
يمكننا، على سبيل التمثيل، جلب استعارة من الفيزياء: حين ننظر إلى قطعة قماش خضراء، فإننا لا نرى اللون الأخضر الذي "تحتويه" المادة، بل نرى طيف الضوء الأخضر الذي رفضته وعكسته. القماش يمتص كل الألوان الأخرى، ولا يظهر لنا إلا ما يرفضه. الظهور، بهذا المعنى، هو أثر لعملية إخفاء.
يعتمد كتاب "ألف ليلة وليلة" الآلية ذاتها. نحن نقرأ غياب شهرزاد في النص، ونرى الأثر الباقي من حضورها، لا الحضور ذاته. وهكذا تفعل كل حكاية: محاكاة التجربة لإعادة إنتاج الأثر، لا النقل الحرفي التوثيقي البارد لما حدث.


تحميل المقال التالي...