حين ينجح المرء في أن يصبح كاتبًا يتحول من شخص يفرّج عن همومه بالكلام واللغة، إلى شخص يهتم أكثر ما يهتم بهموم الآخرين. الكاتب يفترض أنه ملزم بأن يبدي رأيًا راجحًا فيما يحصل حوله. وسيلته لتكوين هذا الرأي هو القراءة والاطلاع. عليه أن يستقصي ويبحث، ثم يقرر أن يطلق من الآراء ما يراه مناسبًا وعادلًا. ولأن الأمر على هذا النحو، يجدر بنا أن نتفكر في قيمتي العادل والمناسب. هاتان قيمتان تفترضان تحديد أفضل المتاح لكل الأطراف. المناسبة تعني أيضًا أن يقبل الخاسر بخسارته شرط السماح له بأن ينطلق من جديد لتعويضها، والعدل يعني ألا يفترض الرابح أن من حقه سحق الخصم نهائيًا وفرض كل شروطه عليه.
لكن هذا كله لا يبدو متيسرًا في أحوال الكتابة اليوم. ذلك أن موقع الكاتب المفترض، يفترض أيضًا أن يكون ثمة من يقيم وزنًا لرأيه من كلا الطرفين. اليوم هذه المعادلة غير متحققة أبدًا. ثمة كتاب كبار وصغار، أساتذة وتلاميذ، ينحازون انحيازًا تامًا إلى طرف من الأطراف الصراع المتعددة. في المقابل، ثمة أعداد لا تحصى من المنحازين والمتحزبين الذين يملكون المنابر والحقوق لقول ما يريدون ورفض خطاب من لا يريدون. والنتيجة، ثمة عالم من أصحاب الرأي لا يمكن إحصاء سكانه. ومعظم هذه الآراء تنطلق من لحظة ردة الفعل، ولا تولد من وقت التفكر والتمحيص. اللبناني منحاز إلى لبنان، والدرزي اللبناني منحاز إلى درزيته في مواجهة أبناء الطوائف الأخرى، وهذا ينطبق على الطوائف الأخرى، وتاليًا، ثمة في أي صراع ناشئ أو متجذر قدرة فائقة على حشد المؤيدين والمعارضين. كل قضية مهما تضاءلت مبرراتها وهفتت تجد من يناصرها من أصحاب الرأي. والحال، نحن في عالم تحولت اللغة فيه إلى مجرد تمرين على الصراخ لا أكثر ولا أقل. لم يعد ثمة الكثير مما يجدي ويجمع ويدعو إلى الشراكة. والحال تحولت الكتابة من امتداد للسياسة إلى مجرد تطبيل لجنود المعارك. المؤيدون سيدافعون عن تجاوزات من يؤيدونهم وجرائمهم بالحديث عن تجاوزات وجرائم الخصم. كما لو أن الجريمة تصبح قصاصًا عادلًا إذا كانت ردًا على جريمة. كما لو أن العنف يصبح محبذًا حين يكون ردًا على عنف مورس على آخرين من الجهة المقابلة. هكذا علينا حين نكتب أن ندافع عن ضحيتنا، او من نعتقد أننا من حزبه وجماعته وعزوته. ونخفي ما أمكننا جريمتنا بحق خصومه، أو ننسبها إلى رد الفعل. وهذا بيت القصيد في ما ترمي غليه هذه المقالة.
نحن نكتب بعقلية ردة الفعل. حتى حين نسعى للتفكر والتمعن فيما نكتبه. تنشأ حوادث عنف في بلد ما، فننصرف عما كنا نهتم به وله، ونركز كل اهتمامنا على ما يجري من أحداث. وعليه نتخذ مواقفنا ونكتب آراءنا بناء على ما استجد من حوادث. هذا يقع حكمًا في خانة رد الفعل وليس في خانة الفعل. لكننا نذهب في تسطيح ردود فعلنا إلى حدها الأقصى. ما أن تواجهنا حجج الطرف الآخر حتى نبدأ باستصدار ردود فعل أقل عمقًا وترويًا من تلك التي أطلقناها في الكلمة الأولى. إلى أن يتحول النقاش، أو السجال، إلى مبارزة يريد كل واحد منا فيها أن يفوز على خصمه بالضربة المميتة.
لكن السؤال الذي يلح منذ بداية التفكر فيما يجري في بلادنا والعالم، قد يكون متعلقًا أصلًا وأساسًا، في البحث مرة أخرى حول وظيفة الكاتب وفيها. هل يمكن للكاتب اليوم أن يكون غير متحزب؟ هل يمكنه أن ينظر إلى ما يجري بعين حانية ومتضامنة لكنها محايدة في الوقت نفسه؟ نظريا هذا ممكن ومطلوب. لكننا عمليًا لا نستطيع. نحن الكتاب نصير كتابا لحظة الكتابة، وهي لحظة تسبقها تحضيرات لا تحصى، وقتًا وجهدًا وتفكرًا. وحين نطلق أحكامنا فإنما نطلقها لأننا نظن أننا نملك كل جوانب الحقيقة، ونستطيع الحكم بنزاهة وعدل. ويحدث أن كثيرًا من الحوادث تكون مخفية عنا وعن غيرنا، وتنطلق أخبارها لحظة ابتداء الردود على ما استخلصناه. في هذه اللحظة التي نتلقى فيها تلك الردود، لا نكون كتّابًا، بل نكون قد عدنا إلى أصلنا البشري-الحيواني: كائنات تنفعل وتغضب وترد بدون تردد.
لحظة الكتابة هي اللحظة الوحيدة التي نكون فيها غير منحازين سلفًا، لكننا ما أن نخرج منها حتى نعود محاربين ومقاتلين نشارك المجرمين جرائمهم ونصفق لها، أو ندين جرائم الآخرين وندعو لقتلهم وارتكاب الجرائم بحقهم. لكننا في كل هذا لا نملك أن ننتمي إلى هذه الفئة والطائفة أو تلك. ذلك أن ردود فعلنا تحشرنا في صفوف المتفرجين، وهذا ما يجعل القتلة من كلا الجانبين المتصارعين في أي صراع أبطالًا وقادة وصانعي مصائر البشر التابعين، ونحن منهم أيضا.
هل من خلاصة ممكنة؟
الأرجح أنه عصر يحثنا بدون انقطاع على التصرف بمنطق ردة الفعل. إن الفيديوهات التي لا تحصى عددا تريد منك ردة فعل. والجمل التي نقرأها لمستخدمي وسائل الواصل تتطلب منا رد فعل. الحروب تحثنا على تحرير ردود أفعالنا، والنتيجة واضحة. ليس ثمة ما يمكننا الاعتداد بصناعته أو المساهمة في صناعته غير نشر ثقافة الكراهية والعنف، حتى حين نكون أبعد ما نكون عن الرغبة بنشرها. والنتيجة التي يمكن استخلاصها من كل هذا تفيد بأننا لم نعد نكتب بل بتنا نصرخ بأفصح ما نستطيع.


تحميل المقال التالي...