}

في شارعنا قنَّاص

فيصل خرتش 28 يوليه 2025
يوميات في شارعنا قنَّاص
(سعد يكن)

على امتداد الشارع الذي أسكن فيه يوجد قنَّاص، وقد أهلك العباد، فلا يفوته إنسان، أو حيوان، إلا ويقنصه، طاخ وتكون الإصابة في الرَّقبة، أو في الرأس، إنَّه دقيق في الإصابة، وهو لا يخطئ أبدًا، وقد ضجَّ الناس منه، إنَّه يبدأ عمله من الخامسة صباحًا حتى الثامنة مساء، وذلك في أيام الصيف، أمَّا في الشتاء فإنَّه ينهي عمله مع غروب الشمس.
وقد سُئِلَت إحدى اللاتي يقنصن، كيف تبدأ يومها، فقالت إنها تستيقظ من نومها في وقت مبكر، ثمَّ تصنع القهوة وتأخذها معها إلى المكان المرتفع، تجهز البارودة، وتضع المنظار على عينها، وتأخذ رشفة قهوة، ثمَّ... طاخ، ويسقط رجل، أو امرأة، أو حيوان. قال لها الصحافي الذي كان يجري معها المقابلة بأنَّه قد يمرَّ طفل، فكان جوابها، إنَّ الأمر سيَّان عندها، فهذا نصيبه، لماذا مرَّ من هنا؟ وعند سؤالها عن عدد الذين تصيبهم يوميًا، قالت: إحدى عشرة إصابة، وربما أكثر، وقد يعطيها القائد هدية إذا تجاوز العدد ذلك.
كنت أمشي مرَّة في الشارع وأنا ذاهب لشراء بعض الحاجيات من خضار وفواكه، وكانت امرأة تسير خلفي، وفجأة سمعت طلقًا ناريًا، فصرخت المرأة "يا خاي"، التفت إليها وقلت: "لا تخافي يا أختي إنهم يضربون في الفضاء، ليخوفونا ليس أكثر من ذلك". قالت المرأة: "لقد قطعوا أصابعي"، ومدت يدها، وإذ بإصبعين قد مالا إلى الأسفل والدم ينزّ منهما، صرخت: إسعاف وأنا ممسك بيدها، وانطلقت أبحث عمَّن يطببها.
استطاع بعض الوجهاء أن يجلبوا ستارًا من القماش، على طول عرض الشارع، رفعوه ليلًا كي لا يتمكن القناص من الرؤية، وعند الصباح هدأت طلقات القنص، ثمَّ سكتت إلى غير رجعة، وصرت أشرب القهوة الصباحية أنا وزوجتي وأمي على الشرفة من دون أن يعكر جلستنا صوت طلقات القناص. وفي يوم، اشتدت أصوات طلقات الرَّصاص والقذائف والصواريخ، فاختبأنا في الحمام والممرَّ. الوقت كان ليلًا، أو قبيل الفجر بقليل، وعندما أصبح الصباح سمعنا طرقًا على الباب. قمت لأفتحه، فوجدت ثلاثة مسلحين بأيديهم البواريد، وأحدهم بيده الـ ب 7، أمسكوني من طرف كتفي وسحبوني خارجًا. دخلوا إلى البيت وأطلقوا الرصاص، أمي وزوجتي صارتا ترتجفان والأولاد صاروا ينشجون وينتحبون، صرخ قائدهم: ليخرج الجميع، البيت هو ممتلكات حربية، إنَّه منطقة عسكرية أخرجوا نهائيًا منه.
خرجنا من البيت وأصبحنا في الشارع. أمَّي التجأت إلى إحدى بناتها، وبقيت وحدي أبحث عن مأوى، ثمَّ قيض لي بيت أحد الأصدقاء، إنَّه بحاجة إلى تسوية، فلا يوجد فيه ماء ولا كهرباء، وسرعان ما سوَّيت الأمر، جلبت الماء، ثمَّ الكهرباء، التي تأتي إلينا ساعتين فقط، والرمد أفضل من العمى. جلبت بعض الرجال الذين قاموا بترميم البيت، وخلال أسبوع صار جاهزًا، فدخلناه أنا وزوجتي والأولاد، كأننا ندخل إلى النعيم.
صرت أذهب إلى الشارع القديم كلَّ يوم، أمرَّ من أمام البيت فأرى الشبيحة يجلسون على الشرفة، يضعون الكراسي الواسعة ويجلسون، وخلف البيت الذي نسكنه كانت منطقة التماس، فقد كنَّا نسمع كلَّ يوم أصوات القذائف، والصواريخ، والآر. بي. جي، تئزّ في رؤوسنا وتقتلعه من جذوره، وهذه المنطقة تكون يوم الجمعة للقضاء على التظاهرات، يأتي الشبيحة من كلِّ مكان، يتجمعون هنا، هم وكلابهم الشرسة، فتجد الواحد منهم يلوب في مكانه، والكلب يعوي يريد الانطلاق، والشبيح مزوَّد بالبارودة الروسية عيار 7/ 62، بالإضافة إلى حربة ومسدس، الكلُّ متحمس لمجابهة المتظاهرين، معهم بعض القادة من الشرطة والعناصر الأخرى، إنَّهم يبدؤون التحرك على سيارات رباعية وضعت خصيصًا للمهمات الصعبة والمستحيلة، وقبل أن يعلن المؤذن عن صلاة الجمعة، تأتيهم التعليمات "اذهبوا إلى مسجد التقوى"، ويبدأ الانطلاق، فتجد السيارات تعوي والكلاب تنبح والجميع في حالة استنفار. وما إن يصلوا إلى المكان حتى تبدأ المعركة بين الجموع التي تهتف بإسقاط النظام: "سورية حرَّة حرَّة"، و"الشعب السوري واحد"، والجموع القادمة مع كلابها وبنادقها وبلطاتها، تصبح المعركة غير متكافئة، بين ناس تهتف وهي عزلاء، وناس بيدها البنادق والمسدسات والكلاب.
استعرت المعركة فكنت ترى الذين خرجوا من المسجد وهم يعبأون بالسيارات المخصصة لمثل هذه الأوضاع، والتي ليس لها نوافذ، إنهم يمسكون المتظاهر من رقبته، ويضعون على رأسه قميصه، أو كنزته، ثمَّ يلقونه في غياهب الموت. لقد بحثت عن ولدي في كلِّ فروع الأمن، فكان الردُّ "لم يأتنا أحد في هذا اليوم"، وانتهت المظاهرة بأن امتلأت ثلاث سيارات بالمتظاهرين، وتفرَّق الباقون، بعضهم أصيب، وبعضهم جرح، وبعضهم استطاع الهروب.
بعد سنة مما تعدُّون عدنا إلى بيتنا، فوجدناه حطامًا خاوية، فقد كانت أمِّي تفخر أمام العجائز بأنَّ الجبنة التي تمونها لا يعلو عليها، وهي تجمع أخواتي وتبدأ بتصنيعها، واحدة تسيَّخها، وواحدة تشللها، وأخرى تلفها، وصبية تصفها، إنَّها تصنع المربيات كلٌّ في أوانه، ثمَّ تضعه في مرطبان وترفعه إلى الشتاء، وترفع كذلك السمن الحيواني. حين دخلت إلى البيت، لم تجد شيئًا من كلِّ هذه التي تموِّنها، حتى المرطبانات التي تضع بها هذه لم تجدها.
بدؤوا بعفش البيت، وهذه تسمَّى التعفيش، فقد لمَّوا كلَّ ما استطاعوا من المحتويات، شالوا غرفة الضيوف بما تحتويه، والمطبخ وما فيه من فرن وبرَّاد وفريزة وغسالة، وأدوات للطبخ، ثمَّ مالوا على غرفة الأولاد فأخذوا الأسرة والفرش والمخدات والأغطية التي فوقها والسجاد الذي في الأرض، والخزانات وما فيها، وكذلك غرفتي نالها النصيب ذاته، أمَّا غرفة الأمِّ فلم يتركوا فيها أي شيء، ملصوا أشرطة الكهرباء، واقتلعوا تمديدات المياه، وأشرطة الهاتف، حتى البلاط لم يخلص من شرِّهم، والشبابيك والأبواب كلُّها قد حمِّلت ورحلت لتباع في المزاد.
جمعنا أنفسنا في شبه هذا البيت، وبدأت العمل من جديد. أحضرت العمال، وخلال شهر عاد البيت من جديد يزهو، وعادت الإشراقة من جديد إلى وجه أمي. وخلال ذلك، عادت الجبنة المسنَّرة، والمشلَّلة، والمربيات، توضع في البيت، لفصل الشتاء. قال الناس: اشتكوا لأولي الأمر، فقلت: "لقد اشتكى جارنا، فما جاب نتيجة"... لقد قالوا له: كان البيت في منطقة عسكرية فهو من الغنائم الحربية، هذا هو نصيبنا من هذه الحرب، أفلا تعقلون.

مقالات اخرى للكاتب

يوميات
10 نوفمبر 2025
سير
31 أغسطس 2025
يوميات
28 يوليه 2025

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.