}

القصة القصيرة جدًا تنتسب لفن القصة ولا تستقل عنه

محمود الريماوي محمود الريماوي 4 سبتمبر 2025
سير القصة القصيرة جدًا تنتسب لفن القصة ولا تستقل عنه
(Getty)

 

شهدت حواضر عربية قبل ثلاثة عقود ملتقيات ومهرجانات حول فن القصة القصيرة جدًا. وانبرى عدد من النقاد العرب، في سورية والمغرب على الخصوص، للتنظير لهذا الفن، وإظهار أهميته وما يختزنه من فُرص ووعود. وتم إلقاء الأضواء في منابر ثقافية عديدة على نتاج أدباء في حقل القصة القصيرة جدًا. وظهرت أيضًا كتب قصصية سعى كاتبوها إلى الالتزام بكتابة هذا اللون دون سواه من ألوان وطرائق سردية. غير أن هذه الاندفاعة وما يكتنفها من جَيشان، لم تعمّر طويلًا، فقد خفتت الحماسة وذبلت، رغم أن الاندفاعة لقيت في حينها قبولًا واسعًا من جمهرة كاتبين يشقون طريقهم، كما استقطبت آنذاك اهتمام شرائح كبيرة من القراء/ المتصفحين، مع ازدهار النشر الثقافي الإلكتروني ممن شرعوا يتفاعلون مع ثمار هذا اللون السردي. غير أن هذه الموجة لم تلبث أن انحسرت، وهدأت معها الانفعالات والرهانات "القصوى" المصاحبة لها. وهذا من دون أن تتوقف بعض ثمارها عن الظهور هنا وهناك بين آونة وأخرى، إنما بمواكبة احتفائية أقل، وبغير رهانات حارة على فن القصة القصيرة جدًا، كجنس سردي مستقل يضارع فن القصة القصيرة المعهود.

لا يتعلق هدوء هذه الموجة، بوجود تيارات معاكسة، أو بـ"مؤامرة" ما، من لدن ناشرين أو أكاديميين أو محررين أو نقاد، أو لسوء الطالع وتبخيس المنجز حقه، ولكن لأن هذه الموجة ما كان لها أن تتواصل بالاندفاع نفسه بعد أن استنفدت تدريجيًا وعودها وتوقعات أصحابها بالاستقلال عن فن القصة والخروج منه و"عليه" وشق طريق/ة خاص/ة. والأمر هنا أشبه بعودة لرؤية الغصن على الشجرة وليس بمعزل عنها، ورؤية الشجرة في كامل إهابها ومن ضمنها أغصانها. والشجرة هنا هي فن القصة... وبالطبع القصيرة. فلو كانت طويلة لاستحالت إلى رواية أو رواية قصيرة (نوفيلا).

لا شك أن للقصيرة جدًا خصائص تميّزها وأهمها التكثيف، وإمكانية الاستغناء عن عنصري المكان والزمان والتخفف من الوصف، واستبعاد الحوار، مع إيلاء المفارقة  أهمية كبيرة، وكلما كانت القصة أقصر كان ذلك أفضل وأشد وقعًا. لكن ومع الحديث عن تقنيات القصيرة جدًا، نلاحظ أن التقنيات القصصية تختلف من قاص إلى آخر، فما لدى تشيكوف يختلف عما لدى كافكا وهمنغواي وإدغار آلان بو وبورخيس، وبين يوسف إدريس وزكريا تامر ومحمد خضير وإبراهيم أصلان فروقات نوعية في الأداء القصصي، غير أن سرودهم تنتمي جميعًا إلى فن القصة. بل إن التقنيات قد تختلف لدى القاص نفسه في مراحل مختلفة من تجربته الإبداعية. غير أن اختلاف التقنيات وتفاوتها وحركتها التي لا تنقطع، لا تخرج الكتابة عن هذا الفن. وذلك ما ينسحب على القصيرة جدًا، التي تشبه الأم (القصة) في بعض قسماتها.

مغزى ما تقدم أن بعض المواكبات النقدية  للّون القصير جدًا، قد اعترتها مبالغات ورغبات "ذاتية" في استقبال مولود جديد والتبشير به والتغنّي به وعقد الرهانات عليه واحتسابه شاهدًا على نهوض متجدد أو فتح مُبين في عالم السرد. والأقرب إلى النظر الواقعي هو احتساب اللون القصير جدًا أحد تجليات فن القصة، وهو بالمناسبة، فن، إلى صعوبته، مرن من حيث الشكل والمبنى، ويتّسع لمغامرات فنية شتى من بينها اللون القصير جدًا، كما يتسع الشعر للقصيدة القصيرة إلى جانب تلك غير القصيرة. وفي رأيي، أن عددًا ممن اندفعوا لكتابة القصيرة جدًا، قد أدركوا بالتجربة والتأمل وبالصدق (الفني) مع الذات (الكاتبة) أن فن القصة هو حقًا على درجة كبيرة من المرونة، وأنه يمكن كتابة قصة في ثلاثة أسطر وقصة في ثلاثة آلاف كلمة، وأن الفيصل هو الأصالة وتشكيل هوية إبداعية لصاحبها، وأنه لا طائل من تخيّر شكل فني مسبق، فالأصل أن يترك الكاتب نفسه على سجيتها، وأن يدع التجربة تتشكل في وعاء يلائمها وفي معمار يرتبط بإيقاعها. لا أن يهيئ نفسه لكتابة قصة بتصورات إرادية مسبقة تتعلق بالحجم وعدد الكلمات.


وبطبيعة الحال، فإن السطور السابقة لا تنزع أية شرعية عن اللون القصير جدًا، وخلافًا لذلك فإن النص القصصي الأصيل (بمعنى الجديد، المبتكر الذي ينتسب لصاحبه) القصير جدًا يحظى بشرعية، بجدارة غير منقوصة. إنما من غير حاجة إلى تطويبه لونًا جديدًا غير مسبوق، فالصحيح أن الأمثولات على شكل حوار أو سؤال وجواب، والحِكَم والمُلح وشذرات القول والمرويات الحكائية الموجزة، تعتبر من الشواهد الخام ومن البذور في حقل القصير جدًا. ومن الواقعية والموضوعية احتساب هذا اللون من الطرائق والأشكال التي يزخر بها عالم القصة. إذ أننا ننعت من يكتب القصيرة جدًا بأنه: قاص، ولا نصِفه بأنه قاص قصير جدًا، وإلا سوف يبدو ذلك ضربًا من التهكم.

منذ أواخر الخمسينيات ومع قصص زكريا تامر الأولى "صهيل الجواد الأبيض" التي تجنح إلى القصر والتكثيف، بدأت مخايل أولى لهذا اللون، وفي عام 1963 أو 1964، فإن الطيب صالح في كتابه القصصي "دومة ود حامد "، بعد "عرس الزين" وقبل "موسم الهجرة، إلى الشمال"، نشر خمس قصص قصيرة جدًا في هذا الكتاب ضمن ما أسماه بـ"مقدمات" وعناوين القصص منها "أغنية حب"، "خطوة للأمام"، "لك حتى الممات"، و"الاختبار"..

فيما يرى نقاد عراقيون أن العراق شهد ظهور هذا اللون القصصي في بلاد الرافدين قبل هذه الفترة. وهكذا فإن هذه الظاهرة الإبداعية  سابقة زمنيًا على فترة التسعينيات.

وقد كتب كاتب هذه الكلمات عددًا من القصص القصيرة جدًا قبل عام 1970 ونشرت في مجلة "مواقف" برئاسة تحرير أدونيس. فيما تضمن الكتاب القصصي "العُري في صحراء ليلية" الصادر عام 1972 عن وزارة الإعلام في بغداد عددًا من القصيرة جدًا، أضع هنا بعضًا منها للتاريخ (الأدبي).

 

سلام على الفقراء

... في أول النهار، في أول الركض والاصطدام، في زقاقنا العتيق. زقاقنا الذي في الجنوب من المدينة. أخذ الأولاد المنبوذون يطاردون سيارة البيك الطويلة، التي اضطرت بحكم النية في الوصول سريعًا، من أقرب الطرقات وأيها، لعبور زقاقنا المشهود. وكان البيك يجلس كالعادة في الخلف، إلى اليمين. ولأن البيك زعل، فقد كان يجب أن يزعل السائق العزيز أبو الوفا. فاستدار هو، أبو الوفا إليهم، وهرس من بينهم، معهم، لحم ولده الصغير...

(1970) 

امرأة في حياته

"أنت رائع". تطلعت إليه الممرضة الجميلة بحنان غامر وقالت: تشجّع. فتشجع الولد ورمقها بنظرة طويلة باتجاه واحد، نسي فيها الوجع والأم.

وبعدما خرج الولد من المستشفى وصار رجلًا، رأى في الشارع الرئيسي امرأة صغيرة السن وجميلة. فاهتز من داخله، وأحبها، وبعد أيام قليلة ماتت المرأة، فاجتاحه حزن قابض. (وفيما أنا في الحزن، تصاعد من آخر ذاكرتي وجه شفيف وشديد السرية، وكان لتلك الممرضة. فأدركت بحرقة أن المرأة التي غادرت هي... لم يكن هناك ما يدفعني للتساؤل إن كانت تلك الممرضة حية أو ميتة، هذه الأوقات).

(1970)

الحب يؤدي إلى الموت

رآها فأحبها فورًا. ولم يكن يملك الجسارة ليصرح لها بالحب، فاتصل هاتفيًا بها ونقل إليها عواطفه والرغبة في التعرف، فأقفلت السماعة.

ثم كتب لها أنه يحبها بكل أعماقه فلم تجبه بكلمة.

ثم طاردها في الشارع، والشوارع فلم تلتفت.

ثم كتب له أنه يغفر تجاهلها إياه، فلم تجبه بكلمة.

ثم سافرت، فكتب لها أنه لم يقلع عن حبها، وأنه يحبها ما زال 24 ساعة في اليوم، فلم تجبه بكلمة.

ثم رجعت إلى البلاد بعد طلاقها فكتب يعرض لها حبه الباقي فلم تجبه بكلمة.

ثم كتب أنه مستعد للموت ليثبت لها الحب، فلم تجبه بكلمة.

ثم كتب أن حبه قاتل، فلم تجبه بكلمة.

ثم فكر في القتل، وسريعًا ما طرد الفكرة ما دام لا يجرؤ أن يسحق صرصارًا. وعند ذلك قرر أن يقتل نفسه. فكتب: إنها إذا لم تجبه هذه المرة فإنه ينتحر، فلم تجبه بكلمة.

فانتحر.

ولم تعلم.

(1970)

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.