}

على عتبة العالم في عام جديد

رشا عمران رشا عمران 11 يناير 2026
يوميات على عتبة العالم في عام جديد
(صفوان داحول)

التكيّف
أخيرًا... هذا صباح شتوي، السماء معتمة تنذر بأمطار كثيرة، لكن إنذارات السماء في القاهرة غالبًا ما تكون كاذبة، هذه مدينة لا تعرف المطر، ولا تعرف البرد الشديد، منذ سكنت في القاهرة قبل ثلاث عشرة سنة وأنا أكتفي في البيت بارتداء ملابس بكم طويل، لم أشعر يومًا أنني أحتاج هنا إلى جهاز تدفئة، أو إلى استخدام بطانية وقت النوم. أو حتى لارتداء الصوف في الخارج. أنا لست (بريدة) عمومًا. يقولون إن من ولدوا في الصيف يحبون الشتاء، والعكس صحيح أيضًا. أنا ولدت في مايو/ أيار في مدينة طرطوس الساحلية (برج الثور)، حيث شهر مايو معتدل ومائل إلى الحر، لكنني لا أطيق الحر، لا أحتمل سخونة جلدي ودبق التعرق. ومع ذلك، تأقلمت مع مناخ القاهرة، تعودت على الحر هنا رغم نفوري منه. نحن كائنات شديدة التكيف على ما يبدو، فأجسادنا تعتاد سريعًا على المناخات المختلفة. أظنها إرادة الحياة، أو غريزة البقاء، التي تجعل أجسادنا تتكيف في الظروف الطارئة، أو المستجدة، وتجعل أرواحنا مهيأة لاستقبال الجديد. نادرًا ما يموت أحد من تغيير ظروف حياته، قلة فقط يحدث لهم هذا. هؤلاء مصابون بما يسمى اضطراب التكيف الذي يسبب لهم الحزن والقلق واليأس والسلوكيات المضطربة الخطرة، والأعراض الجسدية، كالصداع المستمر. النوستالجيون أيضًا يمكن وضعهم ضمن خانة اضطراب التكيف، ذلك أنهم لا يستطيعون قبول الحاضر، يرتبطون بالماضي إلى درجة التعلق ورفض الحاضر، تصبح حياتهم كلها محاولة لاستعادة بعض ذلك الماضي، هؤلاء أيضًا يصابون بالحزن والاكتئاب واليأس والأمراض العضوية. لكن هذه الحالات هي ظواهر قليلة لدى البشر. فنحن البشر نتكيف ونتأقلم ونتغير لكي نعيش. ليس البشر فقط، حتى الحيوانات تشبهنا في هذه الناحية، أو نحن نشبهها باعتبارها هي الأقدم على كوكب الأرض، وكل جيناتنا تعود لها قبل أن نتطور ونتمايز بالعقل والإدراك. هل تأملتم سلوكيات حيواناتكم الأليفة يومًا؟ القطة مثلًا تتعلق بالمكان الذي تكون فيه كثيرًا، وقد تصاب باكتئاب إذا ما غيرت لها مسكنها، أو ظروف حياتها، لكنه اكتئاب عابر لا يتجاوز أيامًا قليلة سرعان ما تعود بعده إلى استئناف حياتها الطبيعية. غريزة البقاء تجعلها تتكيف سريعًا، كما أن ذاكرتها محدودة بالروائح التي توجه سلوكياتها.

الرائحة
أشعر أحيانًا أنني أنتمي إلى عالم القطط، أنا سريعة التكيف مع الظروف الطارئة، ولست نوستالجية على الإطلاق، وللرائحة مساحة كبيرة في حياتي. لكل صديق رائحة أميزه بها، ولكل بيت أيضًا، لكل مدينة حتى. ثمة روائح لا يمكن لها أن تغادرني أبدًا، رائحة طفولة ابنتي، رائحة بيتنا في طرطوس، رائحة أميرة صديقتي الأبدية، رائحة البوفيه المغلق على أنواع رائعة من الشوكولاه في بيت جدي القديم، تخفيها جدتي عن أيدينا الطويلة نحن صغار العائلة، لتعطيها لنا بمواقيت تحددها هي، رائحة الدرج الخاص بأمي، حين أشتاق أستعيد تلك الروائح، وينفتح لي باب الذاكرة والذكريات. آخر رجل أحببته لم أتمكن من قتله في داخلي (أنا أميت الرجال كي أنسى وجودهم تمامًا) كانت رائحته تشبه رائحة أبي العالقة حتى اللحظة في كل المسام التي يتنفس من خلالها جلدي. الرائحة بالنسبة لي هي الذاكرة، أو ربما هي الأكثر وفاء من الذاكرة، ذاكرتي تسقط أحيانًا أشخاصًا وأحداثًا عبروا في حياتي، لكن رائحة عابرة تعيدهم، كما لو أن الرائحة تحصنهم ضد النسيان.

النسيان
أحيانًا، أشتهي لو أنني أمتلك ذاكرة السمك، أتذكر الحدث لثوان قبل أن يختفي تمامًا. ألا يبدو هذا أكثر رأفة ورحمة بالقلب؟ أستيقظ كل يوم صباحًا وأنا أفكر بالطريقة التي تساعدني على نسيان أنني سورية، على نسيان أن أول ما عليَّ فعله في الصباح هو متابعة أخبار سورية، والغضب الذي يتراكم في داخلي يوميًا مما أتابعه، ومما أقرأه على وسائل التواصل الاجتماعي: جمل وعبارات مليئة بالكراهية والحقد يتبادلها السوريون جميعًا، كراهية وسفاهة وقلة أدب وتنمر وتحريض وتعميم، وكأن كل سوري هو عدو لسوري آخر. هذا الشحن اليومي يملؤني غضبًا، والغضب اليومي يجعلني شديدة التوتر والتحفز، والتوتر، كما تعلمون، يضر بالقلب، وأنا أريد أن أحافظ على قلبي معافى، لا أريد له أن يتلف مرة ثانية بسبب سورية؛ هل تستحق الهوية الوطنية كل هذا الألم فعلًا؟ هل تستحق الأوطان كل هذا العنف الذي يحدث باسمها؟ الوطن هو المكان الذي يمنحك أمانًا لا يمكن تهديده بشيء، هل سورية هي هذا المكان حقًا؟ ما هو الأمان الذي تعطيه للسوريين جميعًا؟ كل السوريين مهددون في كل شيء في حياتهم، أمانهم، ولقمة عيشهم، وكرامتهم، ومستقبل أبنائهم، أظنهم يدركون جميعًا أن هذا الوطن المسمى سورية لا يقدم لهم سوى الموت، العنف الذي ظهر في السوريين بعد سقوط بشار هو عنف مؤجل، عنف متراكم ومخفي، عنف يريد أن يلقي باللائمة على أي مختلف، هو عنف مقابل عنف قديم، لكنه ليس لأجل الوطن ومفهومه ووحدته وكينونته، هو نتيجة عكس كل ذلك، هو نتيجة شعور دفين بأن هذا الوطن قاتل، فيحدث انزياح دفاعي، ويصبح المذهب هو الهوية التي تصبح هي الوطن من دون سؤال عن حقيقة الانحياز. هكذا تصبح معارضة النظام القائم هدفها هدم الوطن، فالنظام يمثل المذهب، الهوية المنجية، والتي يمنح الانتماء إليها الأمان اللازم للعيش. حصل هذا سابقًا مع نظام الأسد، وها هو يحصل اليوم في تبادل مذهل لدور الضحية والجلاد، بينما الوطن الحقيقي تزداد مقابره المغطاة بالدم، ويزداد عدد ناهبيه، وتزداد شراسة وعنف مدعي الدفاع عنه. أريد ذاكرة سمك تجعلني أنسى في الصباح أنني سورية، وأنسى أن أتابع الأخبار، وأنسى أن أفتح صفحتي على فيسبوك. أريد ذاكرة تشبه البرق تلمع فجأة وتختفي، تنير منطقة في الوعي الخفي وتظلمها، أريد أن تكون مساحة النسيان أوسع من مساحة التذكر. كتب شاعر صديق ذات يوم: "أوسع عالمي بالتذكر"، فرددت عليه أنا: "أوسع عالمي بالنسيان".

الشعر
عدت لكتابة الشعر بعد انقطاع طويل. لم أعد إليه متدفقة كما عادتي، عدت كما لو أني أتدرب على كتابته، أتردد كثيرًا قبل القول إن هذا النص جاهز للنشر. وأتردد في قبول النص أولًا، ثمة خوف يصيبني حين أقرر حفظ نص ما بدلًا من محوه، خوف من أن أبدو أنني قد فقدت موهبتي وفقدت التقنية اللغوية الخاصة بي، وخوف من تقييم قارئ ما، مع أنني لم أهتم يومًا بتقييم هذا القارئ، أو ذاك، كنت كمن تكتب لذاتها، كما لو أنني أنا الكاتبة وأنا جمهوري، هل هو إذًا التقدم في السن، والانقطاع طويلًا عن الكتابة؟ هل عندما نتقدم في السن نصبح أكثر اعتناء بآراء الآخرين؟ يفترض أن يحدث العكس، عندما نتقدم في السن نزداد ثقة بذواتنا، وبما ينتج عنها، ما بي إذًا؟ هل هي، مجددًا، لعنة الانتماء إلى هوية ووطن يستهلكان أعصابي وروحي حتى لأعجز عن فعل أي شيء آخر غير تقطيع لحم قلبي وأكله؟ لماذا لا أستطيع أن أجعل من الشعر وحده هويتي ووطني وانتمائي؟! لماذا لا أكتفي بأنني شاعرة قبل أية هوية أخرى؟ ليت الأمر بهذه السهولة... أقرأ كثيرًا من الشعر هذه الأيام، أبحث عن مصادر للغة جديدة، وعن خيال جديد. التقدم في السن يعني تراجعًا في التجربة الشخصية التي لطالما كانت تشكل عندي أرضية الشعر. عليَّ، إذًا، أن أعوضها بقراءة ما ينتج عن تجارب الآخرين. هكذا، ببساطة، نحن نكتب خلاصات تجاربنا شعرًا، أو نثرًا، كي تصبح لاحقًا فرشة اللغة والخيال لكتاب تراجعوا في تجاربهم الحياتية، أو اتخذت تجاربهم مناحي جديدة مغايرة كليًا عن الماضي. لا أعرف! يبدو أنني في موضوع الشعر تحديدًا لست متيقنة من شيء، ولست واثقة، ولست مطمئنة. لا بأس... فالشعر في أصله ترجمة للقلق عبر اللغة والخيال. لا يوجد شاعر حقيقي مطمئن، الاطمئنان ضد الشعر، اليقين أيضًا والإيمان، الشاعر يعيش على الشك، وعلى الأسئلة الصعبة، المتيقنون لديهم إجابات لكل الأسئلة. كيف يكتبون شعرًا؟ اليقين في السياسة يشبه اليقين في الدين، كلاهما تسليميان، والشعر ينحاز للبحث والاكتشاف والحيرة ضد التسليم، لم يقدم العصر الإسلامي الأول شعراء حقيقيين، أجمل شعراء العرب القدماء كانوا في الجاهلية، ثم في أواخر العصر الأموي، تحديدًا في الأندلس، نتيجة الاصطدام مع قيم أخرى، وفي العصر العباسي، حين ظهرت الزندقة في كل بهائها الشعري. أفكر هذه السنة في إصدار ديوان جديد، أفكر بمشاريع عديدة للكتابة يجب أن أنجزها في 2026. يقول الفلكيون عن برج الثور إن سنة 2026 سوف تكون سنة التغيير والإنجاز.
دخلنا سنة جديدة قبل قليل.

مقالات اخرى للكاتب

يوميات
11 يناير 2026
يوميات
7 ديسمبر 2025
يوميات
20 نوفمبر 2025
يوميات
16 أكتوبر 2025

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.