}

"بائع الكتب في غزة": سيرة مكتبة

طلعت قديح 22 يناير 2026

إهداء: إلى الأستاذ طلعت قديح المحترم

فليخرج حرفي يُعلمهم أننا هنا نكتب حتى لو لم تُكتب لنا الحياة بسلام.

سمير منصور

1-1-2026

الساعة 1:30 مساءً.

هذا إهداء من صاحب مكتبة سمير منصور للطباعة والنشر والتوزيع، ما إن سمع بمقدمي للمكتبة من مسافة بعيدة حتى لاحت ابتسامته مقبلًا، تحدثنا عن غزة وقصص الورق، وما حدث، وأثناء الحديث استل كتابًا من مجموعة كتب، آخذًا بكتابة ما، في الصفحة الأولى، كنت أعلم أنه لي، فلم تكن هذه المرة الأولى التي يهديني كتابًا وأكثر.
في طريق عودتي لمكاني مستقلًا سيارة أجرة تجرّ كارة حمار - طريقة نقل الركاب - بدأت التّأمل في عنوانه "بائع الكتب في غزة" (مكتبة سمير منصور للطباعة والنشر، 2025)، ومعاينة كلمة "الكتب"، فهي المعنى الحقيقي لنخبة الكتب الذي يعلم القارئ أنها ليست مجرد كتب، وليست مجرد مكتبة.
إن المدخل الأول الذي ارتآه الكاتب محمد سمير منصور في مبتدأ معنونه "رواية" يعكس اعتباره مدخلًا تاريخيًا لتأسيس مشهد سَيري قائم على أحداث تتابعية مثلت جهدًا في بناء حياة إنسان ما زال حيًّا، يروي ما كان وما صار إليه، ولعل المدخل في متنه "طفولة مهجرة، ومفتاح العودة" هو رؤية موحّدة بين أبناء قطاع غزة المهجّرين من فلسطين 48، فبطل الرواية من قرية "برير" التي هاجر منها أهلها مرغمين جرّاء مهاجمتها من العصابات الصهيونية، وحصار محكم، فكان الهروب ملاذا لأهالي القرية، وفي داخلهم صوت أحادي التّوجه عبّر عنه الحاج عبد الهادي: "بس تترتب الأمور بنرجع عالدار... برير إلنا ما تقلقوا".
لقد مارس الكاتب في روايته التوثيقية تسلسلًا عاموديًا، ليعمل على تدفق آخر ولنسق أفقي ساهم في إدامة انتقال سلس بين الأجيال.
بدأت الحركة الفعلية للتدفق الأفقي حال الزيارة الأولى للكيان الأول "المكتبة" مع والده الحاج عبد الرؤوف عام 1976، الذي أسّس اللبنة الأولى في عملية التفاعل الذاتي لابنه الأصغر، ومن التحريك الذاتي الذي رأى بواكيره في عيني ابنه سمير، كاتبًا ذات مرة في دفتره الخاص: "أنا سمير. ابن برير. ابن المخيم. وبدي أصير صاحب مكتبة... مش بس أبيع كتب، لا وبدي الناس تحب المكتبة زيي".
هذا المقتطف شكل الحبكة الرئيسية والأولى في تركيبة السرد الروائي التوثيقي، واللافت في المتن أن كل الحبكات اللاحقة ذات امتداد للحبكة الأولى.

سمير منصور أمام مكتبته بعد أن دمّرها الاحتلال الإسرائيلي أول مرة (Getty, 22/5/2021)


هناك حبكة فرعية تلوح في متن الرواية من دون أن يغفلها الكاتب؛ وهي حقيقة أن المشروع القائم "مكتبة"، وهو مشروع تجاري، لكنه في قصة سمير منصور ذو نمط مختلف يتّسم بالبعد الإنساني، مرجّحا كفته، وفي نفس الوقت يدعم النمط التجاري بمشروعيته الإنسانية.
مثلما أن هناك لحظة فارقة في الحياة، فإن هناك تصويبًا ذكيًا في الاقتراب من الهدف بزاوية تساعد على الدّقة والفاعلية، ومن هنا يقرر بطل الرواية تفعيل التّصويب في مكان يعجّ بالكتب والورق "المدرسة". ومن هذا المكان بدأت الحبكة الأولى في التألق عبر الإحكام القصصي لتأصيل آخر لمتن الرواية.
اختار الكاتب أن يكون البطل مثاليًا، وهذا يخرجه من دائرة التّجاذب الإنساني، إلا أنه استدرك ذلك بحادثة "العدس المسكوب" لكن برؤية طفولية وفطرية.
بدت الحكمة تطل برأسها في متن الرواية، وأصبحت علامة بارزة عبر أروقتها الـ28، حتى ألبست لباسًا فلسفيًا بتركيبة الأمثال الشعبية الفلسطينية، ومن هذه الحكم:
ــ الجيوب المليانة عمرها ما كانت دليل غنى... الأخلاق هي اللي بترفع الناس عشان هيك المكتبة لازم تضل لكل الناس اللي معاه واللي ما معاه.
ــ الكتاب مش بس للبيع، الكتاب قبس من نور، واللي بيفتح الكتاب بيفتح نافذة من داخله.
ــ السوق بيحترم اللي بيطلب حقه من دون ما يخسر احترامه.
ــ أنا ما بطبع ورق... أنا بطبع أمل.
لقد مثّلت آخر حكمة في الكتاب مفترق طرق حقيقي في متن الرواية، حين قال: "قد تُحرقون كتبي، قد تُشعلونها نارًا للطعام، لكن الحروف ستعود للرفوف، مرة أخرى، وستباع، وستقرأ، وستنجو كما ننجو نحن، في كلّ مرّة".
الحبكة الرئيسية الثانية في الرواية هي التفكير خارج الصندوق، حيث كانت ضمن الجزء التاسع بعنوان "نشوة جديدة" وأراه ضمن إعادة الاستفادة من تالف الورق، أو عملية تكرير الورق وإعادة التصنيع، لكنها عند سمير منصور عمل مستحدث، رغم قول والده له: "خليهم ع جنب أو ارميهم، مش للبيع"، فكان أن خلق دفاتر ورقية كل حسب الحجم ومن ثم إلباسها ورقًا مقوى لتخلق دفترًا مقبولًا لأصدقائه التلاميذ الذين لا يستطيعون شراء الدفاتر.
هذا الفعل كان النمط الأساسي في إحاطة التأثير النفسي المتقدم على السرد الروائي لبطل الرواية، والذي تمثل في إكساب تحول النقمة إلى نعمة، كما حدث في تفاصيل الأزمات وأكبرها الحروب على غزة، وكيفية النهوض من جديد لمكتبة دُمرت 3 مرات.
عند تتبع المسار الروائي لسيرة بطل الرواية، نلحظ الكثافة المتعمدة للمواقف التي تحمل الطابع الإنساني، ولعل هذه الكثافة تفيدنا في التوجه لاحتمالين:
ــ الاحتمال الأول: أنه طبع أصيل في شخصية بطل الرواية، ومن ثم لا ينبغي إبخاس حقه في ذكرها.
ــ الاحتمال الثاني: إعطاء ملمح "القدوة" للتاريخ، فالأغلب في هكذا أعمال يكون الترويج والنجاح التجاري هما عصبا العملية التجارية مع هامش تعامل عادي للمواءمة بين جناحيهما، إلا أن العمق الإنساني استحكم في أن يكون العامل الأساسي في العملية التجارية.
لقد استخدم الكاتب عدة أنواع سردية في الرواية، فنرى أن هناك خليطًا ما بين السرد المتسلسل والسرد التناوبي والسرد المتداخل، وقد أكسب هذا التنوع حرية الحركة والانتقال فيما بينهم من دون قيود تكبح جماح الرؤية السردية.
وإذا أردنا أن نُفصّل قليلًا في سرد الرواية، فإن غالب الرواية استندت في متنها على ضمير المتكلم، وضمير الراوي العليم، والذي يُفعّل تيّار الوعي في واقعية الأحداث والمواقف، في تركيز على التدفق النفسي وفق تناول تاريخي يدفع لتناول تصور فلسفي للكينونة الإنسانية.
الانتقالات الذكية في الحالة الروائية كانت ذات بعد استراتيجي في حياة البطل، تأتي تعبيرًا عن الطردية في العمل الإيجابي المتراكم، وإثر هذا جاءت النتائج عبر سرد متداخل يمثل زبدته، ومنها: النداء الذي لم يكن متوقعًا، حكاية الكتاب المدرسي، المصحف من جديد، وحملات تتجاوز الحصار.
عند دراسة حالة الكتابة لدى الكاتب محمد سمير منصور، نلاحظ إظهار المثالية في شخصية بطل الرواية سمير منصور (الوالد)، حيث تأتي من خلال إرهاصات التعامل التكويني ضمن بناء الشخصية التتابعية ويظهر لنا ذلك في:
1 ــ حالة الأبوة ومزامنتها للأحداث التاريخية والمواقف المُعاشة.
2 ــ إظهار الانتقاء العام في الخاص النموذجي.
3 ــ الإذكاء المتناغم لحالة الشخصية بذكر المتعلق الشخصي وإكسابه اللباس المهني بشكل ينسجم مع دلالات الرواية التوثيقية والسيرية.
يقول الروائي الفلسطيني محمد نصّار: "بين دفتي هذا الكتاب، سيرة رجل نذر نفسه ووقته، خدمة للكتاب وبذل كل جهد، لجعله متاحًا بين يدي القارئ، أيا كان الثمن أو الجهد المبذول في سبيل ذلك"، بهذا المعنى لا يقدّم "بائع الكتب في غزة" رواية توثيقية فردية، بل يرسّخ الكتاب بوصفه فعل بقاء، والمكتبة بوصفها ذاكرة تقاوم المحو.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.