كنت قد وصفت الحداثة المتأخرة بأنها "سائلة". كنتَ ترى أن القوة لم تعد تحتاج إلى أن تستقر في مكان، وأنها استطاعت، مع حركة رأس المال والمعلومات، أن تفك ارتباطها بالمؤسسات والأراضي والأجساد التي كانت تحتاج إليها في الحداثة الصلبة. لكن يبدو لي أن شيئًا ما، لم ننتبه إليه بما يكفي، حدث في الطريق. فالعالم الذي ظنناه يتبخر أمامنا لم يتبخر تمامًا. ربما تبخرت أشياء، لكن أشياء أخرى ازدادت صلابة.
هل السيولة قدر نهائي؟ أم أنها، في لحظة ما، تحتاج إلى أن تنتج صلابتها الخاصة؟
زيغمونت باومان:
السيولة لا تعني اختفاء الصلب. هذه ربما كانت إحدى أكثر أشكال سوء الفهم شيوعًا لفكرة الحداثة السائلة. السائل لا يعيش بلا وعاء. وما يبدو لنا حركة حرة قد يكون معتمدًا على بنية ثابتة لا نراها.
في الحداثة الصلبة كانت السلطة ظاهرة في المؤسسات والأبنية والقوانين والمصانع والحدود. كان عليك أن تعرف أين توجد السلطة لكي تخضع لها أو تقاومها. أما في الحداثة السائلة، فقد أصبحت القوة أكثر قدرة على الإفلات من المكان، وعلى نقل تكاليف قراراتها إلى الآخرين.
لكن هذا لا يعني أنها تحررت من المكان. يعني فقط أنها نجحت في إخفاء اعتمادها عليه.
خبيز:
هذا بالضبط ما أريد الاعتراض عليه. خذ مدينة مثل نيويورك. يمكن لمصرف عالمي أن ينقل جزءًا من عملياته إلى مكان آخر، ويمكن لشركة تكنولوجية أن توزع موظفيها على قارات عدة. لكن إذا أغلقت الشوارع، وتعطلت الكهرباء، وانهارت شبكات المياه، أو توقفت الشرطة والمحاكم عن العمل، فإن السيولة المالية لا تنقذ أحدًا.
إذا افترضنا، مثلًا، أن احتجاجًا واسعًا أغلق نيويورك، فإن نقل شركة كبرى إلى ناشفيل ليس مجرد قرار على شاشة. هناك محاكم، وبنية تحتية، وجامعات، ومطارات، وشبكات كهرباء، ومياه، وشرطة، وعمال، وسوق عقارية، وعقود، وتاريخ طويل من التراكم المؤسسي. وإذا كان البديل كابول لا ناشفيل، يصبح الوهم أكثر وضوحًا.
نحن نتحدث عن سيولة تحتاج إلى مجرى صلب لكي تتحرك فيه.
باومان:
نعم. وربما لهذا السبب ينبغي أن نكون حذرين من استعارة التبخر. رأس المال قد يكون أكثر حركة من العامل، لكنه لا يستطيع أن يصبح غازًا.
ما تغير هو أن بعض أشكال القوة أصبحت قادرة على تصدير المكان الذي لا تريد تحمل كلفته، أو على توزيع هذه الكلفة على آخرين. لكنها تظل محتاجة إلى الأرض، وإلى البنية التحتية، وإلى الدولة، وإلى الأمن، وإلى أجساد بشرية تقوم بأعمال لا تستطيع الآلات القيام بها كلها. السيولة ليست غياب الصلابة. إنها، في أحد وجوهها، قدرة على اختيار الصلابة التي تخدمها.
خبيز:
وهنا تبدأ المشكلة التي أراها في المدن الكبرى. لوس أنجلوس ونيويورك، مثلًا، لم تعودا مدينتين يستطيع فيهما الفرد أن يعيش بمجرد أن يكون قادرًا على العمل. هناك جيل كامل يستطيع أن يعمل، لكنه لا يستطيع أن يسكن.
الشاب الذي لا يملك بيتًا عائليًا أو مساعدة من أهله يجد نفسه أمام مدينة ارتفعت فيها قيمة الأرض أسرع بكثير من قدرة الأجور على اللحاق بها. وفي المقابل، هناك شاب آخر، قد لا يكون أفضل منه تعليمًا أو عملًا، لكنه يستطيع البقاء لأن والديه اشتريا بيتًا قبل ثلاثين أو أربعين عامًا.
أسمي هذا الشاب، مجازًا، ابن الأهل. إنه ليس بالضرورة أكثر نجاحًا من غيره. لكنه يملك شيئًا لم يعد العمل وحده قادرًا على إنتاجه: مكانًا يعود إليه.
باومان:
وهنا تظهر مفارقة قاسية. الحداثة وعدت الفرد بأنه يستطيع أن يتحرّر من العائلة والقبيلة والميراث، وأن يصير شخصًا مستقلًا تحدّده قدراته وعمله. لكن ماذا يحدث حين تصبح شروط الاستقلال نفسها موروثة؟
خبيز:
تحدث المفارقة التي أراها أمامي: لم تعد العائلة عائقًا أمام استقلال الفرد. صارت شرطًا ماديًا لإمكانه. المدينة الحديثة التي كان يفترض أن تحرّر الإنسان من اسم أبيه تعيد اليوم إدخاله إلى المدينة عبر أبيه. ليس الاسم وحده، بل البيت أيضًا.
يمكن لشخصين أن يملكا الوظيفة نفسها، وأن يتقاضيا الدخل نفسه، وأن تكون لهما الحقوق القانونية نفسها، لكن أحدهما يملك خلفه منزلًا عائليًا، والآخر لا يملك إلا راتبه. الأول يستطيع أن يكون فردًا. الثاني قد يضطر إلى العودة إلى أهله أو مغادرة المدينة أو قبول حياة لا يريدها.
باومان:
إذًا ليست المشكلة أن الدولة تخلّت عن الفرد، كما يقال أحيانًا. قد تكون المشكلة أكثر تعقيدًا: أن الدولة تستطيع أن تمنح الفرد حقوقه القانونية، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تضمن الشروط المادية التي تجعل استقلاله ممكنًا. الحق في المدينة شيء، والقدرة على دفع ثمن البقاء فيها شيء آخر.
خبيز:
بالضبط. الفرد الحديث كان يحتاج إلى قانون يحميه من أبيه، لكنه يحتاج الآن إلى بيت أبيه كي يستطيع أن يعيش في المدينة. وهذا يعيدنا إلى شيء ظننا أن الحداثة تجاوزته: البنية الأهلية. حين تصبح الأرض هي شبكة الأمان الاجتماعية الأخيرة، يصبح امتلاكها، أو وراثتها، بوابة الانتماء. عندها لا تعود المدينة فضاء للمواطنين المتساوين، بل فضاء لمن يملكون حق العودة إلى مكان مأمون وجاهز.
باومان:
وهذا يقلب صورة السيولة رأسًا على عقب. الأموال تستطيع التحرك بسرعة. المعلومات أسرع منها. الشركات تستطيع إعادة تنظيم مواقعها. لكن الإنسان الذي لا يملك مكانًا يعود إليه لا يكون سائلًا بالمعنى نفسه. إنه قابل للاقتلاع. ربما يمكن القول إن العالم أصبح سائلًا في الأعلى وصلبًا في الأسفل.
خبيز:
وأحيانًا أظن أن الصلابة في الأسفل ليست مجرد نتيجة جانبية للسيولة في الأعلى. إنها شرط لها. كلما احتاجت النخبة إلى مزيد من الحركة، احتاجت إلى مزيد من الحدود والأسوار والأمن والقوانين والبنى التي تثبت المكان الذي تتحرك منه وإليه. والأمر لا يتوقف عند المدينة. بدأنا نرى المؤسسات الكبرى نفسها تبني عوالم صغيرة حولها: أماكن للعمل، والطعام، والتأمين، والرعاية، والترفيه، والحماية، وأحيانًا السكن والخدمات التي كان الإنسان يحصل عليها من المجتمع المحيط به.
باومان:
وهذا يقود إلى سؤال مختلف عن السؤال الذي كنت أطرحه في أعمالي: ماذا لو لم تعد المؤسسة مكانًا للعمل فقط؟
خبيز:
هذا ما يهمني الآن. لقد كانت المؤسسة، في صورتها القديمة، جزءًا من المجتمع. يدخل إليها العامل صباحًا ويخرج منها مساءً ليعود إلى عالم آخر: أسرته، حيه، أصدقاؤه، نقابته، مقهاه، مدينته. لكن المؤسسة الحديثة تستطيع أن تبدأ بابتلاع هذه المساحات واحدة تلو الأخرى. تؤمّن له دخله، وتأمينه الصحي، وطعامه، ومرافقه، وربما نشاطه الاجتماعي. وفي بعض المواقع الحساسة، لا تعود حماية العامل مسألة رفاهية، بل تصبح جزءًا من حماية المؤسسة نفسها. كلما زادت حساسية المكان والمعلومات التي يحتويها، أصبح وجود العامل داخله جزءًا من منظومة الأمن. وهنا تحدث مفارقة غريبة: المؤسسة ترفع العامل اجتماعيًا لكي تعزله اجتماعيًا.
باومان:
لا أظن أن هذا يعني أن الطبقة العاملة تختفي. ربما يحدث شيء آخر: يعاد توزيعها. العامل لا يعود بالضرورة موزعًا في المدينة، داخل علاقات اجتماعية واسعة، بل يصبح محيطًا بالمؤسسة التي يعمل فيها. ويصبح زملاؤه في العمل، تدريجيًا، أقرب الناس إليه.
لكن السؤال هو: هل هذه جماعة اجتماعية بالمعنى القديم؟
خبيز:
لا أظن. إنها جماعة صنعتها الضرورة المؤسسية. وهنا أعود إلى تجربة أقدم. ظهرت في مراحل مختلفة أفكار عن مجمعات سكنية مكتفية ذاتيًا، تملك الطاقة والمياه والزراعة، بحيث يستطيع الأثرياء أن يعيشوا بعيدًا عن المدن وبأقل اعتماد ممكن على الخارج. لكن شيئًا بسيطًا كان يفسد الحلم: الإنسان الذي يملك الملايين ويعمل طوال النهار على جهازه لا يستطيع في الوقت نفسه أن يزرع الحديقة، وينظف البيت، ويصلح الأنابيب، ويراقب أنظمة الطاقة. كلما اقتربت المدينة من الاكتفاء الذاتي، اكتشفت حاجتها إلى بشر آخرين. لكن التكنولوجيا الحديثة قد تجعل هذه الحاجة أكثر إحكامًا. بدلًا من أن يبقى العامل موزعًا في المجتمع، يمكن استدعاؤه إلى داخل القلعة نفسها. يحصل على راتب ومزايا وحماية أفضل، لكنه يدخل عالمًا مغلقًا لا يعرف عنه الخارج الكثير، ولا يعرف هو عن الخارج إلا أقل مما كان يعرفه من قبل.
باومان:
إذًا أنت لا تتحدث عن عودة الإقطاع بمعناه القديم، ولا عن اختفاء الطبقة العاملة. أنت تتحدث عن خصخصة الاجتماع. المؤسسة لا تعيد الإنسان إلى المجتمع. إنها تستولي على بعض الوظائف التي كان المجتمع يؤديها.
خبيز:
نعم، وهذه النقطة تقودني إلى سؤال أظنه أخطر من سؤال البطالة الذي نطرحه عادة أمام الذكاء الاصطناعي والروبوتات. نسأل دائمًا: ماذا سيحدث إذا أخذت الآلات وظائف البشر؟
لكن ماذا لو أخذت المؤسسات الوظائف التي كانت تجعل البشر يحتاجون بعضهم إلى بعض؟
فالعمل ليس دخلًا فقط. العمل شبكة من الضرورات المتبادلة. أنا أصلح لك شيئًا، وأنت تعلمني شيئًا، وهذا الرجل ينقل لي شيئًا، وتلك المرأة تعالجني، وشخص آخر يطهو لي، ونلتقي في الطريق، ونتبادل الأخبار، ونحتاج بعضنا إلى بعض لأن حياتنا موزعة بين أيد كثيرة.
إذًا، ماذا يحدث إذا أصبحت المؤسسة قادرة على جمع هذه الوظائف حولها؟
باومان:
عندها لا تكون المشكلة أن الإنسان فقد وظيفته فحسب. قد تكون المشكلة أنه فقد ضرورته الاجتماعية. وهذا أخطر. البطالة تقول للإنسان: لا نحتاج إلى عملك. أما المجتمع الذي لا يحتاج إليك فيقول شيئًا أعمق: لا نحتاج إلى وجودك بالطريقة التي اعتدت أن يكون بها وجودك ضروريًا.
خبيز:
أظن أن علينا أن نعيد النظر في معنى الفردية.
الفرد الحديث لم يكن مجرد إنسان يعيش وحده. كان إنسانًا يستطيع أن يعيش وحده لأنه محاط بشبكة واسعة من العلاقات والمؤسسات العامة التي تجعل استقلاله ممكنًا.
الآن قد يحدث العكس.
كلما أصبح الفرد أكثر استقلالًا داخل مؤسسة معينة، صار أكثر اعتمادًا عليها خارجها. إنها تمنحه ما كان المجتمع يمنحه، لكنها في الوقت نفسه تفصله عن المجتمع الذي كان يتيح له أن يملك أكثر من علاقة واحدة بالحياة.
باومان:
وهذا يعيدنا إلى السؤال القديم عن الأمن. الإنسان يقبل القيود أحيانًا لا لأنه يحب السلطة، بل لأنه يخاف انعدام الأمان. وإذا استطاعت المؤسسة أن تمنحه الأمن الذي لم تعد المدينة قادرة على ضمانه، فإن الانتماء إليها يصبح اختيارًا يبدو حرًا، حتى حين يكون ناتجًا عن الضرورة.
خبيز:
ولهذا أعتقد أن الفردية نفسها يمكن أن تصبح مكلفة إلى درجة تمنع التمرد الفردي. إذا كنت لا تملك بيتًا، ولا تأمينًا، ولا شبكة عائلية، ولا مكانًا تعود إليه، فإن خسارة العمل ليست مجرد خسارة دخل. إنها خسارة المكان والعلاج والعلاقات والأمان دفعة واحدة. عندها يصبح الفرد الذي يفترض أن يكون أكثر حرية أقل قدرة على الاعتراض. ليس لأن أحدًا يمنعه من الاعتراض، بل لأن ثمن الاعتراض صار أكبر من قدرة فرد واحد على دفعه.
باومان:
ربما هنا ينبغي أن نعود إلى ما سميته "الفائض البشري". في الحداثة الصلبة كان الفائض هو الإنسان الذي لا يحتاج إليه المصنع أو الجيش أو الدولة. أما في عالمك، فقد يصبح الفائض هو الإنسان الذي لا يملك مؤسسة تحميه، ولا عائلة توفر له مأوى، ولا وظيفة تجعل وجوده ضروريًا.
خبيز:
وهذا يعيدني إلى الدولة. لا أراها غائبة، ولا أظن أن بإمكانها أن تختفي. بالعكس، كلما ازداد هذا الانفصال، ازدادت حاجتها إلى إدارة ما يبقى خارج القلاع: الفقر، والهجرة، والجريمة، والكوارث، والبنية التحتية، والصحة العامة، وانهيارات السوق. الدولة تبقى لإدارة الأرض التي لا تستطيع القلاع أن تتخلص منها. لكنها قد تجد نفسها أمام مجتمع ينقسم إلى عالمين: عالم يستطيع أن يبني مؤسساته الخاصة للحماية، وعالم لا يملك إلا الدولة كي تحميه من نتائج هذا الانقسام.
باومان:
إذن لا تختفي الدولة. لكن وظيفتها تتغير. وحين تصبح بعض المؤسسات قادرة على توفير ما كان يُعد من وظائف المجتمع والدولة، فإن السؤال السياسي لا يعود فقط: من يحكم؟
بل يصبح: من يملك شروط الأمان التي تسمح للإنسان بأن يكون فردًا؟
خبيز:
وهذا هو السؤال الذي بدأت منه، وإن كان قد أخذنا إلى مكان آخر. كنت أظن أن مشكلتنا هي وهم التبخر: الاعتقاد بأن المال والمعلومات والقوة أصبحت قادرة على التحرر الكامل من المكان. لكنني أرى الآن أن شيئًا آخر يحدث: المكان لم يتبخر. والدولة لم تختفِ. والطبقة العاملة لم تختفِ. والعائلة لم تختفِ. الذي يتراجع هو الإنسان الذي كان يفترض أن يقف بينها جميعًا بوصفه فردًا مستقلًا.
باومان:
وهذا ربما هو الوجه الأكثر قسوة للحداثة السائلة: أنها لا تلغي الصلب، بل قد تجعل الوصول إليه امتيازًا.
خبيز:
ربما لهذا يبدو لي أن "ابن الأهل" و"العامل داخل القلعة" ليسا شخصين مختلفين تمامًا. كلاهما يملك ما لا يستطيع الفرد وحده أن ينتجه: مكانًا يحميه. الأول يملك بيت العائلة. والثاني يملك المؤسسة. أما من لا يملك أيًا منهما، فعليه أن يظل سائلًا إلى أن يجد مكانًا يقبله.
باومان:
وهنا تصبح السيولة نفسها عقوبة.
خبيز:
أو يصبح التبخر وهمًا. فالذي يتبخر فعلًا ليس المكان. إنه الفرد الذي كان يفترض أنه يستطيع الوقوف على أرضه وحده. ويبقى السؤال الذي لا أعرف إن كانت الحداثة قادرة على الإجابة عنه هو: من يملك المكان الذي يمكنك أن تعود إليه إذا ما فشلت؟


تحميل المقال التالي...