1
الكتب
انتشلتني من قاع مائدتي الصغيرة
كما تنتشل قطة حائرة قطعة لحم
مِن حلم انسان جائع.
كنت أطير في طيف سوبرمان
أتلعثم في شفاه تان تان
أتوارى خلف قناع الرجل الوطواط
الذي يخشى، مثلي، من انكشاف الفجر.
حين قرأت أول جملة فلسفية
تقيأتُ صورتي القديمة
ورأيتني
من بعيد
أجلس مع طين قديم
نصغي معًا
إلى خرير فكرة لا تعرف الماء.
زرعتني الكلمات في أراضٍ لا تُسقى
وأصبح جسدي أخفّ
كلما اختفت وجوه الناس خلفي.
لم تكن الرفاهية سوى مِرآة مشروخة
تنظر إليّ بأنيابها المطلية بالذهب
أما أنا
فقد لبست الفراغ
وعطرته بنداءات الكتب
ومشيت في الأسواق
كأنني فكرة منسية
تبحث عن اسم مستعمل.
اشتريت الكتب ببذخ
كما تشتري العصافير ريشًا من الريح
وركنت حواسي في غرفة
لا يدخلها إلا الصمت
ذاك الصمت
الذي يقرصك كضحكة
في جنازة
لا تخصك.
2
أقرأ كثيرًا
كما لو أن عينيّ لم تُخلقا للرؤية
بل لابتلاع الحبر
للسباحة في ماءٍ لا يُبلّل الأصابع.
أما الكتابة
فكانت كارتجافة قطار مهجور
يمرّ في داخلي
كلما نامت المدينة
كأنني أُفرغ الكتابة من قلبي
لا من يدي.
أكتب قليلًا
كأنّ ما فيّ أعمق من الحبر
وأصعب على البياض من رصاصة
تسكن في الذاكرة.
أكتب
لأني لا أستطيع التكلّم
وأتكلّم حين أعجز عن الاحتراق في جملة.
في الداخل
كل شيء يتهجّى اسمي بطريقة مكسورة
حتى اسمي نفسه
يتلعثم حين أناديه.
في الخارج
الخُدَع تمشي على قدمين أنيقتين
والسَّرِقةُ تحمل رخصة عبور
وتنثر عطرًا فرنسيًا في المؤتمرات.
أرى اللصوص
يبتسمون للكاميرا
كما يصافح الشتاء أزهارًا من شمع.
والناس يصفقون
كلما عبر ظلٌ يلمع
حتى لو كان لمعانه من غبار ذهب مزيف.
الكتب ليست وطنًا
لكنها أكثر صدقًا من جوازات السفر
والحبر لا يُطعم
لكنه يشبع أكثر من الخبز
حين ينام الجوع في الروح.
أعيش في كواليس العالم بصحبة الكتب
مثل هامش طويل يخاف أن يُصبح نصًا.
3
لم أكره البشر
لكنني أراهم من مسافة
كأنني أنظر إلى مدينة تنام تحت قناع
حيث الوجوه تُعيد ترتيب أكاذيبها
كما تُرتب الطاولات في جنازة رسمية.
الناس يتحدثون عن النور
لكنهم يُضيئون حياتهم بكهرباء الخوف
أستمع إليهم
كما تستمع حشرة الليل لصوت الغرقى
بلا خوف
لكن بنوع من الحذر
الحذر الذي يعرف
أن الضجيج لا يعني الحياة
وأن الموتى غالبًا ما يرفعون صوتهم حتى لا يُنسَوا.
في مكتبتي الصغيرة
أجدني محاطًا بكائنات تهمس
ورائحة العفن
تُذكّرني
بأن الزمن ليس دائمًا عدوًا
وأن الكتب القديمة تتنفّس ببطء
لكنها لا تموت.
الغلاف الممزق يربّت على وحدتي
والحواف المهترئة تُذكّرني بهشاشتي الخفيّة
كيف أنني مثل كتاب مستعمل
أحمل بصمات من لمستهم
ولم أتعرف عليهم قط.
أحيانًا أشعر
أن الحبر يتحوّل إلى جِلد والسطر إلى ضلع.
أن بين الورق والضلوع نسب خفي
يتآمران معًا على جعل الذاكرة شيئًا لا يُمحى
لكنه لا يُفهم.
أتنفس من بين الكلمات
كأن الهواء ذاته يمرّ من الأبجدية
ويتكثف في رئتي بصوت شاعر
نسيَ أن يغلق آخر قصيدة كتبها.
4
كلما قرأت أكثر
أصبحت أقلَّ قابلية للاندماج
كأنّ كل سطرٍ جديد
يزرع مسافةً أخرى
بين جلدي وبين الجموع.
لم أعد أنتمي إلى الطوابير
ولا إلى الموائد المستديرة
التي يوزّع عليها البُغْضُ
كما يُوزّع الخبزُ في الطقوس.
يتحدّثون عن النجاح
كما لو أنه سلّم كهربائي
يصعد من جيبٍ إلى جيب
ومن فمٍ إلى فم
بينما أنا
أبني سلّمي من الورق
وأصعد عليه برعشةٍ
تُشبه ارتعاش يد نادلةٍ
تحمل صينية الأحلام
في مقهى بلا زبائن.
كل قراءة تجرّني إلى الهاوية
ولكن أيّ هاوية أبهى من الفكر؟
أيّ سقوطٍ أنبل من أن تهوي داخل فكرة
تنسى فيها
لونك
اسمك
مقاس حذائك
وتصبح شبحًا ينام داخل كتاب لم يُكتب بعد؟.
أجمع الكتب
كما يجمع طفلٌ الأحجار
ليس ليرتبها
بل ليرى كم منها يحتوي على صوتٍ
يمكنك أن تسمعه إن وضعته قرب القلب.
أسمع الكتب
تئن
تشخر
تتوسل
كما لو أن الحروف تتعفّن حين تُهمل
وكأن الأبجدية ذاتها
كائنٌ يُصاب بالاختناق
إن مرّت عليه مواسم كاملة
دون أن تُلامسها عيونٌ جائعة.
لم أقرأ للمعرفة
ولا للمتعة
أقرأ لأني لا أملك بديلًا
لأني خائفٌ من أن أتحوّل
إلى ما حولي
إلى وجهٍ بلا ملامح
إلى يدٍ تعرف كيف تصفّق
لكنها لا تعرف كيف تكتب وداعًا.
5
أشتري الكتب
كمن يشتري حياةً موازية بثمن التجاهل
وأترك العالم يتكاثر
خلف زجاجٍ
لا يعكس شيئًا سوى الغبار.
في الخارج
اللصوص يرتدون ابتسامات قابلة للشحن
يتقنون الوقوف في الصفوف الأمامية
يُراكمون الألقاب
كما تتزاحم الدواب الصغيرة
على فتاتٍ في مخزن نسيه الزمن.
كلّما مرّ لصّ جديد
ترتجف المدينة فرحًا
كأنها أنثى
أُغريَت بعطرٍ
لا يُشمّ إلا بعد انطفاء الكهرباء.
أنا
أكتب أحيانًا
كما تكتب النار على جلدها
وأنسى في خضمّ الجمر
أنني أحترق.
لم يكن فيّ رغبةٌ لأن أُفهم
بل فقط
أن لا أُنسى
أن أترك أثرًا في هواء الغرفة
رائحة خفيفة
تشبه الغبار الذي يعلو الكتب القديمة
ذاك الغبار
الذي يشبه الزمن
حين يتعثر بفكرة لم تكتمل.
أكتبُ
لأقول ما لا يمكن أن يُقال
أمشي في اللغة
كما يمشي ضرير داخل حلمٍ شفاف
يتحسّس الجدران لا ليهتدي
بل ليعرف
إن كانت الأحلام تملك جدرانًا أصلًا.
ورغم كل هذا
ما زلت أشعر أحيانًا
أنني كتاب منسيّ على رفّ مائل
يرتعش في كل مرة تُقلب فيها الصفحة
بأصابع أحدٍ
لا يعرف أنه يقرأني.
6
في أول الزمن
لم يكن شيءٌ واضحًا
سوى الحبر
يتسلّل مثل حشرةٍ سمراء
إلى خلايا الليل.
تفتح الكتب أفواهها على مصراعيها
كأنها قوافل تئنّ من تعب الذاكرة
تُخرج من جوفها صرخةً
لا يسمعها سوى الذين نسوا أسماءهم
على موائد القراءة.
لا مدينة تشبه الأخرى
حتى وإن تشابهت النوافذ.
هناك مدينة
لا يُطلق عليها اسم
لكنّ المدى يمرّ بها كلّ مساء
راكبًا حصانًا من ورق.
وهناك مدينة
تُفتّش عن أهلها بين السطور
ولا تجد إلا العناوين.
تشقّ القوافل دروب الرمل
كما يشقّ الجرح جلده
تحمل أسماءً
تهرب من بطاقات الهويّة
وترتدي أسماء الطين
وأحيانًا... لا ترتدي شيئًا سوى الحنين.
تمرّ قافلة عبر عظام الطريق
وتسقط أخرى في فخّ السراب
وفي منتصف المسافة
ينام الزمن
مثل كُرة صوف
أُكلت نصفها الجرذان.
الوقت لا يتقدّم
هو فقط يغيّر قميصه
ويضع عطرًا جديدًا في رقبة الذكرى.
ليس فيه بداية
ولا نهاية
هو بابٌ يُغلق من تلقاء نفسه
وحين تفتحه
تجد طفلًا يقرأك
كما يُقرأ ظلّ الغيمة على وجه البئر.
في كل صفحة خريطةٌ مشقوقة
وفي كل سطر موكب من المدن المبعثرة
حلب تتّكئ على عكازٍ من رخام
ماردين تهمس تحت جنح الليل بأسماء لا يسمعها أحد
الموصل تحرسها القصائد التي لم تُكتب بعد.
في زاوية مجهولة
اسمٌ صغير كُتب على جدارٍ قديم بماء الطين
ينتظر قارئًا أعمى
يضع إصبعه عليه، ويقول: ها أنا... وها أنتم.
الحروف تفتح نوافذها عند المساء
تُلقي أوراقها من الشرفة كأنها تسأل:
هل وصل أحد؟
هل تنفّستني عينٌ لا تَرى؟
العطر لا يحتاج ضوءًا
والعمى لا يطلب دليلًا.
يكفي أن تكون الرائحة صادقة
لكي يتبعها القلب
ولو إلى الهلاك.
كما يصافح الشتاء أزهارًا من شمع
مروان ياسين الدليمي
27 فبراير 2026
قصائد اخرى للشاعر
شعر
2 يونيو 2026
شعر
30 أبريل 2026
شعر
24 مارس 2026
شعر
27 فبراير 2026


تحميل المقال التالي...