يستعد الناس في الدول الإسلامية لصوم شهر رمضان منذ النصف من شهر شعبان، فهم يجهزون كلَّ شيء من أجله، وعندما كنا صغارًا وفي نصف شعبان نستعد لهذا اليوم، فنذهب منذ الصباح إلى المقابر، ونحن نحمل بأيدينا (ربع يسن) ونطوف على القبور ونصرخ (مقري مقري) ونرى تجمعًا من الأولاد قاعدين حول قبر أحدهم فنجلس ونفتح على سورة الرحمن أو على سورة يسن ونبدأ القراءة، وسعر سورة الرحمن عشرة قروش، وسعر سورة يسن ربع ليرة، وما إن ننتهي ونأخذ الأجرة حتى ننتقل إلى قبر آخر وهكذا دواليك حتى ينتهي النهار فتكون هذه الغلَّة هي زوادتنا لأيام العيد.
وعندما يأتي شهر رمضان ترى السوق وقد اشتعلت بها الأنوار والبضائع انتثرت أمام الدكاكين والشوارع ازدحمت بالناس، وقد ورد ذكر الصيام عند الأخوين راسل، وهو كتاب مطبوع في القرن الثامن عشر، ويقولان فيه: "لا يوجد شيء ديني عند المسلمين يماثل الصوم، فهم يمتنعون عن الأكل والشراب طول النهار، وهو مفروض على الجميع بيد أنَّه يمكن عدم التقيد به في حالات المرض، أو حدوث أي عائق مسوِّغ آخر، شريطة صوم عدد مماثل من الأيام في وقت لاحق عندما تسمح الظروف بذلك، وبشكل عام يلتزم كلا الجنسين بالصوم على نحو دقيق. ولا يتناول المسلمون طعامًا ولا يشربون ماءً ويمتنعون عن تدخين التبغ، حتى إنَّ الأشخاص الأكثر تدينًا يمتنعون عن شمِّ زهرة، وذلك منذ الفجر وحتى غروب الشمس خلال شهر رمضان كلِّه، وبما أنَّ هذه الفترة مخصصة للعبادة فقلَّما تعقد صفقات قبل الظهر، ولا تفتح المحلات في الأسواق إلا في وقت متأخر من النهار، ولا يخرج الأشخاص الأغنياء من بيوتهم معظم الوقت، وهم يعانون من عدم احتساء القهوة وتدخين التبغ، أمَّا الأشخاص الذين تستدعي ظروفهم التجوال والعمال المياومون فيتعرضون للحرارة والبرد، ويعاني كثير منهم من الجفاف أو الجوع، ولذلك عندما يأتي رمضان في الشتاء يكون قاسيًا على الفقراء، ويأتي هذا الشهر بشكل متعاقب في كلِّ موسم من السنة، ويحسبه المسلمون بحسب الأشهر القمرية ولا يسمحون أن يتطابق مع كلِّ المواسم، وبهذه الطريقة فهم يفقدون أحد عشر يومًا في كلِّ سنة شمسية، لذلك فإنَّ هذا الشهر يتقدَّم بنفس عدد الأيام تقريبًا في السنة في كلِّ عام، أمَّا في شؤونهم المدنية فهم يحسبون بالأشهر الإغريقية التي تماثل التقويم اليوناني".
خلال شهر رمضان يحتسي الناس كوبًا من القهوة أو جرعة من الماء البارد عند الغروب ويجلسون لتناول الإفطار بعد الصلاة، ويوجد فاصل بين ساعتين وثلاث بين المغرب والعشاء وفاصل آخر، وذلك بحسب الفصل بين العشاء والسحور، ويجول المسحِّر في الشوارع ليعلم الناس بانتهاء الليل بواسطة قرع الطبلة الصغيرة.
تضاء الأسواق بعدد لا يحصى من المصابيح، وتبقى المحلات مفتوحة إلى وقت متأخر من الليل، ولا تغلق المقاهي والحمَّامات إلا مع اقتراب الفجر، وتمتلئ الشوارع بخليط من الناس، وبالاختصار ينقلب الليل إلى نهار، ويتبادل المسلمون عددًا أكبر من الزيارات، وينفقون أموالًا أكثر خلال شهر رمضان من أيِّ وقت آخر من السنة.
وتعاني النساء في رمضان أكثر مما يعانيه الرِّجال، وذلك لأنهنَّ لا يستطعن التجوّل مثلهم في الليل، وفي النهار قلَّما يسمح لهنَّ بالخروج إلى الشارع.
وعندما لا يوجد عائق ديني يحول دون الصيام، فإنَّ غالبية الناس يلتزمون به، وغالبًا ما ينتهكه العساكر الفاسقون وبعض العثمانيين الفاسقين، إلا أنَّهم يلتزمون بقدر من الاحترام لمظاهر اللياقة الخارجية ويرتكبون مآثمهم سرًّا.
يعقب شهر رمضان عيد يتألَّف من ثلاثة أيام متواصلة، ويعلن عن بدئه بواسطة مدافع القلعة فور رؤية القمر الجديد، وبعد أن يؤدي الشخص الذي رأى القمر القسم في المحكمة، وعادة ما يأتي من إحدى القرى، ويحصل على مكافأة لقاء ذلك وهي عبارة عن ثوب من القماش.
تبقى معظم المحلات مغلقة طوال أيام العيد الثلاثة، وتتوقف الأعمال بالكامل خلاله، وتنصب عند بوابات المدينة قلابات وخيول، وتقام دكاكين خشبية صغيرة تباع فيها الألعاب والفاكهة في أسواق مكشوفة (كما هي الحال في أسواق بريطانيا) حيث يقوم الراقصون على الحبال والمصارعون والحواة بأداء عروضهم، كما كان يفعل العداؤون القدامى، يدهن المصارعون أجسادهم وأطرافهم بالزيت، ولا يرتدون سوى سراويل رقيقة، ويبقون عراة تمامًا من الوسط حتى الأعلى، ثمَّ يختالون في مشيتهم أمام الناس قبل بدء الاشتباك، ويصفقون ويطلقون عبارات تنذر بالتهديد والوعيد، ولكن سرعان ما يظهرون أسفهم عندما يبدؤون المصارعة.
أمَّا الحواة فهم أكثر خبرة في عملهم ويرافقهم صبي يقوم بدور المهرِّج أو البهلول، ويؤدي بين فترات العرض لتسلية المشاهدين، وليس لديهم طاولة، بل يجلسون على الأرض بدون أن يرتدوا مئزرًا، وتكون أذرعهم عارية حتى المرفق، وهم حاذقون في لعبة الفناجين والكرات، يؤدون حيلًا عديدة بالثعابين الحية، وتسمع الموسيقى في غضون ذلك، وفي هذه المناسبة يرفل الجميع في ثياب جديدة وتحتشد الشوارع بشكل غير اعتيادي بأعداد غفيرة من كلا الجنسين وهم يتجولون من مكان إلى آخر.
أما علية القوم فيلتزمون بيوتهم لاستقبال الزوَّار معظم اليوم الأوَّل، ويُطلب من طبقة معينة من الزوار الجلوس بعد تقديم التهاني وتُقدَّم لها القهوة والشراب، أمَّا التابعون من الطبقة الثانية فلا يجلسون في حضرة سيدهم، بل يقبلون يده أو كم ثوبه، وينسحبون إلى السلاملك حيث يحتسون القهوة، وتتمثل التهنئة المعتادة في قول: "عيد مبارك" و"كلُّ عام وأنتم بخير". ويُحيِّي المسلمون بعضهم في الشارع بهذه الطريقة، وإذا كانت العلاقة حميمة فيتعانقون بشكل يلامس أحدهم بذقنه رقبة الشخص الآخر.
وفي الأيام التالية يقوم علية القوم بزيارة بعضهم بعضًا ويظهرون في أبهى حلة عندما يخرجون، ويرتدي أفراد حاشيتهم ثيابًا جديدة، وتزدان خيولهم بصورة فاخرة، وتتواصل الأفراح والمهرجانات في السراي وتُطلق الألعاب النارية في كلِّ ليلة لإدخال البهجة إلى نفوس الناس، وتبقى أبواب بيت الأغا مفتوحة خلال أيام العيد الثلاثة، ويقدِّمون هدايا إلى أتباعهم ويوزِّعون القوت والمال إلى الفقراء، ويتصرَّف المسلمون من جميع الفئات بحرِّية أكبر في الموسم الاحتفالي. كما تحتفل النساء بهذه المناسبة، فيرسلن إلى قريباتهنَّ التهاني، ويتبادلن الزيارات ويقدِّمن الهدايا للأطفال.
مراجع:
ـ تاريخ حلب الطبيعي في القرن الثامن عشر، الأخوان راسل، ترجمة خالد الجبيلي، دار شعاع للنشر، عام 1999.
ـــ حلب في القرن الثامن عشر، إبراهيم ماركوس، ترجمة أيمن درويش، دار شعاع للنشر، عام 2009.
ـــ تاريخ حلب، أردافازد سورمايان، ترجمه عن الأرمنية ألكسندر كيشيشيان، دار النهج، 2003.
وعندما يأتي شهر رمضان ترى السوق وقد اشتعلت بها الأنوار والبضائع انتثرت أمام الدكاكين والشوارع ازدحمت بالناس، وقد ورد ذكر الصيام عند الأخوين راسل، وهو كتاب مطبوع في القرن الثامن عشر، ويقولان فيه: "لا يوجد شيء ديني عند المسلمين يماثل الصوم، فهم يمتنعون عن الأكل والشراب طول النهار، وهو مفروض على الجميع بيد أنَّه يمكن عدم التقيد به في حالات المرض، أو حدوث أي عائق مسوِّغ آخر، شريطة صوم عدد مماثل من الأيام في وقت لاحق عندما تسمح الظروف بذلك، وبشكل عام يلتزم كلا الجنسين بالصوم على نحو دقيق. ولا يتناول المسلمون طعامًا ولا يشربون ماءً ويمتنعون عن تدخين التبغ، حتى إنَّ الأشخاص الأكثر تدينًا يمتنعون عن شمِّ زهرة، وذلك منذ الفجر وحتى غروب الشمس خلال شهر رمضان كلِّه، وبما أنَّ هذه الفترة مخصصة للعبادة فقلَّما تعقد صفقات قبل الظهر، ولا تفتح المحلات في الأسواق إلا في وقت متأخر من النهار، ولا يخرج الأشخاص الأغنياء من بيوتهم معظم الوقت، وهم يعانون من عدم احتساء القهوة وتدخين التبغ، أمَّا الأشخاص الذين تستدعي ظروفهم التجوال والعمال المياومون فيتعرضون للحرارة والبرد، ويعاني كثير منهم من الجفاف أو الجوع، ولذلك عندما يأتي رمضان في الشتاء يكون قاسيًا على الفقراء، ويأتي هذا الشهر بشكل متعاقب في كلِّ موسم من السنة، ويحسبه المسلمون بحسب الأشهر القمرية ولا يسمحون أن يتطابق مع كلِّ المواسم، وبهذه الطريقة فهم يفقدون أحد عشر يومًا في كلِّ سنة شمسية، لذلك فإنَّ هذا الشهر يتقدَّم بنفس عدد الأيام تقريبًا في السنة في كلِّ عام، أمَّا في شؤونهم المدنية فهم يحسبون بالأشهر الإغريقية التي تماثل التقويم اليوناني".
خلال شهر رمضان يحتسي الناس كوبًا من القهوة أو جرعة من الماء البارد عند الغروب ويجلسون لتناول الإفطار بعد الصلاة، ويوجد فاصل بين ساعتين وثلاث بين المغرب والعشاء وفاصل آخر، وذلك بحسب الفصل بين العشاء والسحور، ويجول المسحِّر في الشوارع ليعلم الناس بانتهاء الليل بواسطة قرع الطبلة الصغيرة.
تضاء الأسواق بعدد لا يحصى من المصابيح، وتبقى المحلات مفتوحة إلى وقت متأخر من الليل، ولا تغلق المقاهي والحمَّامات إلا مع اقتراب الفجر، وتمتلئ الشوارع بخليط من الناس، وبالاختصار ينقلب الليل إلى نهار، ويتبادل المسلمون عددًا أكبر من الزيارات، وينفقون أموالًا أكثر خلال شهر رمضان من أيِّ وقت آخر من السنة.
وتعاني النساء في رمضان أكثر مما يعانيه الرِّجال، وذلك لأنهنَّ لا يستطعن التجوّل مثلهم في الليل، وفي النهار قلَّما يسمح لهنَّ بالخروج إلى الشارع.
وعندما لا يوجد عائق ديني يحول دون الصيام، فإنَّ غالبية الناس يلتزمون به، وغالبًا ما ينتهكه العساكر الفاسقون وبعض العثمانيين الفاسقين، إلا أنَّهم يلتزمون بقدر من الاحترام لمظاهر اللياقة الخارجية ويرتكبون مآثمهم سرًّا.
يعقب شهر رمضان عيد يتألَّف من ثلاثة أيام متواصلة، ويعلن عن بدئه بواسطة مدافع القلعة فور رؤية القمر الجديد، وبعد أن يؤدي الشخص الذي رأى القمر القسم في المحكمة، وعادة ما يأتي من إحدى القرى، ويحصل على مكافأة لقاء ذلك وهي عبارة عن ثوب من القماش.
تبقى معظم المحلات مغلقة طوال أيام العيد الثلاثة، وتتوقف الأعمال بالكامل خلاله، وتنصب عند بوابات المدينة قلابات وخيول، وتقام دكاكين خشبية صغيرة تباع فيها الألعاب والفاكهة في أسواق مكشوفة (كما هي الحال في أسواق بريطانيا) حيث يقوم الراقصون على الحبال والمصارعون والحواة بأداء عروضهم، كما كان يفعل العداؤون القدامى، يدهن المصارعون أجسادهم وأطرافهم بالزيت، ولا يرتدون سوى سراويل رقيقة، ويبقون عراة تمامًا من الوسط حتى الأعلى، ثمَّ يختالون في مشيتهم أمام الناس قبل بدء الاشتباك، ويصفقون ويطلقون عبارات تنذر بالتهديد والوعيد، ولكن سرعان ما يظهرون أسفهم عندما يبدؤون المصارعة.
أمَّا الحواة فهم أكثر خبرة في عملهم ويرافقهم صبي يقوم بدور المهرِّج أو البهلول، ويؤدي بين فترات العرض لتسلية المشاهدين، وليس لديهم طاولة، بل يجلسون على الأرض بدون أن يرتدوا مئزرًا، وتكون أذرعهم عارية حتى المرفق، وهم حاذقون في لعبة الفناجين والكرات، يؤدون حيلًا عديدة بالثعابين الحية، وتسمع الموسيقى في غضون ذلك، وفي هذه المناسبة يرفل الجميع في ثياب جديدة وتحتشد الشوارع بشكل غير اعتيادي بأعداد غفيرة من كلا الجنسين وهم يتجولون من مكان إلى آخر.
أما علية القوم فيلتزمون بيوتهم لاستقبال الزوَّار معظم اليوم الأوَّل، ويُطلب من طبقة معينة من الزوار الجلوس بعد تقديم التهاني وتُقدَّم لها القهوة والشراب، أمَّا التابعون من الطبقة الثانية فلا يجلسون في حضرة سيدهم، بل يقبلون يده أو كم ثوبه، وينسحبون إلى السلاملك حيث يحتسون القهوة، وتتمثل التهنئة المعتادة في قول: "عيد مبارك" و"كلُّ عام وأنتم بخير". ويُحيِّي المسلمون بعضهم في الشارع بهذه الطريقة، وإذا كانت العلاقة حميمة فيتعانقون بشكل يلامس أحدهم بذقنه رقبة الشخص الآخر.
وفي الأيام التالية يقوم علية القوم بزيارة بعضهم بعضًا ويظهرون في أبهى حلة عندما يخرجون، ويرتدي أفراد حاشيتهم ثيابًا جديدة، وتزدان خيولهم بصورة فاخرة، وتتواصل الأفراح والمهرجانات في السراي وتُطلق الألعاب النارية في كلِّ ليلة لإدخال البهجة إلى نفوس الناس، وتبقى أبواب بيت الأغا مفتوحة خلال أيام العيد الثلاثة، ويقدِّمون هدايا إلى أتباعهم ويوزِّعون القوت والمال إلى الفقراء، ويتصرَّف المسلمون من جميع الفئات بحرِّية أكبر في الموسم الاحتفالي. كما تحتفل النساء بهذه المناسبة، فيرسلن إلى قريباتهنَّ التهاني، ويتبادلن الزيارات ويقدِّمن الهدايا للأطفال.
مراجع:
ـ تاريخ حلب الطبيعي في القرن الثامن عشر، الأخوان راسل، ترجمة خالد الجبيلي، دار شعاع للنشر، عام 1999.
ـــ حلب في القرن الثامن عشر، إبراهيم ماركوس، ترجمة أيمن درويش، دار شعاع للنشر، عام 2009.
ـــ تاريخ حلب، أردافازد سورمايان، ترجمه عن الأرمنية ألكسندر كيشيشيان، دار النهج، 2003.


تحميل المقال التالي...