}

الصمت... حافلات تمضي بلا وجهة

شعر الصمت... حافلات تمضي بلا وجهة
(غادة الزغبي)

 

في المدينة

التي تلمع مثل سكاكين تُغسل كل صباح

يمشي الناس بخطى متشابهة

كأن الأرض قررت أن تمحو الفروق

لكنها تَرَكَت في الظلّ مساحات صغيرة

يكفي أن تنمو فيها الكراهية

كما تنمو الحشائش بين الإسفلت.


العنصرية ليست صرخة

إنها حركة بطيئة في الهواء

مثل ضوءٍ يخبو في غرفة مغلقة.

تبدأ من كلمة

من سؤال عن لون

من إيماءة عابرة في حافلة مزدحمة

ثم تكبر

حتى تصير حجرًا في يد طفل لا يعرف لماذا عليه أن يرميه.

في الحارات التي تسقط كالحجارة

تتراكم الأصوات كرمادٍ ناعم

والسماء

خزانة مهجورة تُغلق على سرها.

 

أمشي بين جدرانٍ تتنفس بصمت

تحكي قصصًا بلا لسان

وحروفٌ معلقة مثل أكياس بلا وزن

تنتظر أن تُفتح

لكن المفتاح ضاع في زحمة الأيام.

 

كل شيء يبدو عاديًا:

مقاهٍ

أبواب مفتوحة

إعلانات بوجوه بلا عيون

حافلات تمضي بلا وجهة

لكن

تحت الأرض

ثمة عظام تتحاور بلغة انقرضت

تحكي عن مدن أكلتها الأيديولوجيا

كما تأكل النار أطراف الورق.

 

أفكر:

ربما يبدأ الموت

حين نمنح الآخر اسمًا أقلّ من إنسان

وربما تبدأ الإبادة

حين نعلّق على صدورنا

مرآةً لا تعكس إلا وجوهنا.

 

مدينة الصمت...

انطفأت أصواتها بعد المجزرة.

أرواح

تتدلّى من أسلاك الكهرباء

مثل قمصان نُشرت لتجفّ

لكنها فقدت الأجساد التي كانت تخصها.

 

في الساحات التي غادرها الضوء

تتكدّس الأصوات في صناديق مغلقة

كما لو أن اللغة نفسها خجلت من الكلام.

 

العنصرية طقس يومي

يشبه وضع الزهور البلاستيكية على قبر مجهول.

هي ليست فكرة

بل تنهيدة

تشبه صفعة لا تُرى

تخرج من صدرٍ

يحمل نشيدًا قديمًا عن النقاء.

 

الإبادة نافذة قديمة

تنفجر في وجه العاصفة.

لا أحد يصرخ.

الجدران صارت أذنًا من إسمنت

والسماء

سقف معدني مثقوب بعوادم السيارات

لا بصرخات المذبوحين.

 

أفكر:

هل ننجو بالكتابة؟

أم أن الحبر يتحوّل إلى رماد

حين يُكتب فوق أجساد غائبة؟

 

الصمت ليس سلامًا.

إنه جسر بين موتين:

لحظة يُذبح فيها اسمك

ولحظة لا يعود فيها أحد ليذكرك.

 

 

بعد الإبادة

لا يبقى سوى هواء مُثقل بأسماء لم تُنطق

وخرائط فقدت حدودها مثل وجوهٍ مُسحت من المرايا.

 

الصمت ينهض من الركام

لا كسلام

بل كإله صغير يحمل في يده دفترًا فارغًا

ويبتسم

ابتسامة تشبه الجحيم.

 

في المدينة

الأشجار تنحني مثل شهود زور

والأنهار تواصل جريانها كأن الدم كان ماءً

كأن الحكاية مجرد خطأ في الطقس.

 

من يكتب التاريخ؟

من يضع النقطة الأخيرة؟

لا أحد

سوى الظل

ذلك الظل الذي يتعلم ببطء كيف يكون ذاكرة

ثم يخونها

ليصير فراغًا.

الصمت ينتج أوهامًا عن العدالة

أوهامًا نعلّقها على الشرفات

كما نعلّق الملابس النظيفة

في مدينة امتلأت بالرماد.

 

أفكر:

ربما لم نُخلق لننقذ أحدًا

ربما خُلقنا لنشهد

ولنكتب أسماءً تظلّ عالقة على جدران مهدومة

مثل رسائل لم تجد بريدها

أو مثل أصوات انطفأت قبل أن تكتمل.

 

لكن

حتى الصمت يحتاج إلى من يسمعه

إلى قلبٍ واحدٍ على الأقل لا يزال يخفق

ليقول:

كنت هناك

ورأيت كيف تحوّل الإنسان إلى فراغ

والفراغ

إلى قاعدة جديدة للكون.

قصائد اخرى للشاعر

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.