}

المسرح في كتاب: متعة القراءة بالمخيلة

راسم المدهون 29 مارس 2026
سير المسرح في كتاب: متعة القراءة بالمخيلة
لوحة تمثل شكسبير مع أفراد فرقته تحضيرًا لإحدى مسرحياته

في ستينيات القرن العشرين الماضي، وجدت في مكتبة خان يونس العامة عددًا كبيرًا من المسرحيات العالمية التي صدرت في القاهرة ضمن سلسلة "المسرح العالمي". وأتذكر أنني في تلك الأيام بدأت قراءة ما تيسر لي من مسرحيات بمسرحية "مروحة الليدي وندرمير" لأوسكار وايلد. بعيدًا عن انبهاري بتلك المسرحية، بل لأقل بمسألة قراءة مسرحية منشورة في كتاب، فقد اعتبرت ذلك إلى اليوم "حالة خاصة" من حالات القراءة لا تشبه أية حالة أخرى لقراءة الأجناس الأدبية. قراءة مسرحية ما من خلال كتاب بدت لي غير ممكنة ولا تحمل متعة القراءة الأدبية، ولا حتى تسعفني في فهم وقائعها وتفاصيلها من دون أن أتخيلها، أي أن أقيم لها في مخيلتي مسرحًا يرسم مشاهدها، ويحدد حركة شخصياتها، لأرى وأسمع الحوارات، وأقبض على غايات تلك المسرحية في صورة أقرب للفكر، ويمكن أن تمنحني فرصة امتلاك ذائقة التفاعل معها كحالة إبداعية تترك أثرها في النفس والذاكرة.
في ذلك الزمن البعيد، كنا نقرأ ونسمع أن المسرح "أبو الفنون"، ومع تنامي قراءاتي للمسرحيات العالمية اقتنعت أنه كذلك، إذ هو دراما الحياة اليومية والمتخيلة، كما هو مساحة المشهدية، وبالذات مشهدية المواجهة المباشرة بين الممثلين والجمهور. هنا بالذات يلتقي الفعل برد الفعل، فتشتعل شرارة النجاح أو لا، وفي الحالتين يخرج رواد المسرح بمتعة من نوع بالغ الخصوصية لعل أبرز ملامحها أنها متعة رؤية وتصديق ما يقوله الممثلون على الخشبة بعد أن ترسخ توافقهم الضمني مع أولئك الممثلين على اللعبة، بل على أهم ما في اللعبة، وهو قيمة الفن باعتباره أولًا، وقبل أي شيء آخر، الاحتكام للمخيلة.
مع شغفي بالعروض السينمائية وجمالها ومتعتها، ظلت لقراءة المسرحيات من كتاب سطوة التخيل والإبحار في فكرة بناء حدث يومي يؤلف قصة متكاملة وله أبطاله من رجال ونساء، خصوصًا بعد أن تعرفت على مسرحيات وليم شكسبير، التي لاحظت أنها حين تحول بعضها إلى أفلام سينمائية ظلت تحتفظ بكثير من ملامح المسرح، وبالذات في حوارات أبطالها، وفي "تشكيلية" أحداثها، بل حتى في إيقاعها الزمني الذي يحمل كثيرًا من عناصر البطء، الذي يستدعي بالضرورة التأمل، خصوصًا في مسرحيات مثل "هملت"، و"ماكبث"، و"الملك لير"، وفيها تلك اللمسات العميقة لقوة الشعر الروحية عند شكسبير، والتي تتجاوز المضمون إلى التكوين الآسر للمشاهد المسرحية ولملامح رسم الشخصيات "الغنية" بعناصر القوة الدرامية وذات الملامح بالغة الخصوصية إلى حدود الفرادة والتميز، ما يعني عندي إلى حدود أن تكون مثالا يحتذى، أو يستدل من خلال تصرفه وأخطائه على معان كبرى فيها الحكمة والغايات الفكرية، أو السياسة، أو العاطفية.




مع كل ذلك، أتذكر أنني فشلت رغم محاولات في قراءة مسرحية عربية من كتاب، وأعترف أنني لا أجد تفسيرًا مقنعًا لذلك، فأعزو الفشل إلى فكرة أن قراءاتي للمسرحيات المنشورة جاءت في مرحلة الصبا، وتحديدًا في سنوات المرحلة الثانوية، وأيضًا في بدايات علاقتي الجدية بالقراءة، حيث نغادر عادة قراءاتنا الرومانسية التي تبدأ عندي بمصطفى لطفي المنفلوطي، ثم بالروائيين يوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، قبل أن نكتشف نجيب محفوظ، فنمضي معه إلى عالم آخر أهم ما يوصف به أنه عالم واقعي نراه قريبًا تمامًا من عالمنا، ونتعرف من خلاله على أشخاص يشبهوننا، ويمكن أن نلتقي بهم في الشوارع والحارات الشعبية.
نتحدث عن "أبو الفنون" فتستعيد الذاكرة عروضًا عشنا معها وأخذتنا كأفراد، وحتى كمجتمعات، إلى فنون أخرى، ومنها وأبرزها هذه الأيام الدراما التلفزيونية، وهي التي جاء كثر من ممثليها الأوائل والرواد من المسرح بالذات وامتلكوا من خلال تجاربهم المسرحية قدرات إخراجية كبيرة لعل أبرزهم إلى اليوم المخرج الراحل حاتم علي، الذي قدم بعضًا من أجمل وأهم أعمال الدراما السورية والمصرية، خصوصًا تلك الأعمال التي كتبها الشاعر الفلسطيني وليد سيف، مثل "التغريبة الفلسطينية"، و"صقر قريش"، و"ربيع قرطبة"، و"ملوك الطوائف"، و"عمر"، وغيرها من الأعمال الاجتماعية المعاصرة، وهي كلها حملت شغفًا جميلًا بفكرة مركزية الإخراج في الدراما التلفزيونية، والتي كانت في حالة حاتم علي تدين للمسرح بفضل كبير، وهو الذي درس المسرح أولًا، ثم مارسه مخرجًا لعدد من المسرحيات التي حققت انطلاقته الكبرى.
اليوم، لا نرى مسرحيات تنشر في كتاب وينتبه لها الناس، وإن انتبه لها المخرجون المسرحيون، وأعتقد أن ذلك يحدث بسبب من غياب المسرح من حياتنا العربية عمومًا، ثم من غياب القراءة ذاتها، والتي تراجعت إلى درجات كبرى لصالح مشاهدة الفنون البصرية السينمائية والتلفزيونية، خصوصًا في العقود الثلاثة الماضية، وهي مشاهدات ترتبط اجتماعيًا بالبيوت، وتحض على البقاء فيها.
ذهب المسرح، أو يكاد، رغم أنه ظل صامدًا في البلدان المتقدمة، ولم تهزمه لا السينما ولا التلفزيون، وظل له رواده ومتابعوه الذين يطيب لهم شغف الجلوس في مقاعدهم ومتابعة "أبو الفنون"، وما يحدث فوق خشبته التي تضج بحركة الممثلين وأصواتهم وحواراتهم التي تشبه الحياة وتستعيدها برؤى فنية لا تنسى. وأتذكر أنني في برلين الشرقية قيل لي إن علي أن أنتظر شهورًا كي أحجز مقعدًا في المسرح لمشاهدة مسرحية "آدم وحواء"، ولم أشاهدها وإن ظل اسمها في ذاكرتي عقودًا طويلة حاضرًا من دون أية دلالات تشير إليه.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.