}

في دلالة "منتدى رياض ندّاف الثقافي" بحلب

فيصل خرتش 17 أبريل 2026
يوميات في دلالة "منتدى رياض ندّاف الثقافي" بحلب
(مروان قصاب باشي)
كان ذلك في عام 2019، في الأوَّل من شهر نيسان/ أبريل، حيث دعت السيدة رياض ندَّاف الأدباء والفنانين والكتَّاب على مختلف صنوفهم، عبر الهاتف النقَّال، إلى تجمُّع يضمهم، وكانت الجلسة الأولى في أحد المقاهي. ولم تتوقع هذا الحضور الذي ملأ المكان؛ لقد حضر كتَّاب القصَّة والشعراء وبعض الروائيين ومن يتعاطون الفن التشكيلي الاجتماعَ الأوَّل، وفيه أعلنت السيدة رياض عن مشروعها الأدبي والفني، وقد ساعدها في عملها المهندس والروائي جورج سباط.
السيدة رياض موظفة في كليَّة الآداب ـ جامعة حلب، وكانت تقرض الشعر، اطلعت على الأدبين العالمي والعربي، وهي قارئة ممتازة. وبعد أن تقاعدت من العمل الوظيفي، شعرت بفراغ كبير ينتابها، فماذا تفعل؟ عند ذلك جاءتها الفكرة وعملت عليها، واستطاعت أن تجاري اتحاد الكتَّاب ومديرية الثقافة، والمؤسسات الأخرى التي تتعامل مع هذه القضايا، وهي الآن تقيم في المنتدى الثقافي أكثر من مائة جلسة، والجميع يتلهفون لحضور هذه الجلسات. وفي كلِّ جلسة من هذه الجلسات تكون لعدد من الشعراء يلقون قصائدهم ويترنمون بها، وإمَّا لبعض القصَّاصين أو لروائيين يتحدثون عن تجاربهم الروائية، وأكثر من ذلك أنَّها بدأت تزور المحافظات الأخرى وتلتقي الكتَّاب والشعراء المشهورين، وهذه تعتبر رحلة في الأدب والفن.
والسيد المهندس جورج سباط تلقى علومه في مدينة الرَّقَّة وأكمل في جامعة حلب، ثمَّ عاد إلى الرَّقَّة ليعمل فيها، وعندما سيطرت الدولة الإسلامية عليها هاجر إلى حلب، وقرَّر العمل مع صاحبة المنتدى في حلب، وخاصة أنَّه يهتمُّ بالأدب وله تجارب في كتابة الرواية.
سعد الدين كليب، الذي حاضر في المنتدى أخيرًا، محاضرٌ في كلية الآداب ـ جامعة حلب، وعضو في ندوة الكواكبي، وعنوان محاضرته التي ألقاها: "الثقافة في سورية اليوم"، وقد بدأها بتعريف الثقافة، وهذا المصطلح حديث نسبيًا، إذ بدأ مع الثورة الصناعية في الغرب، أمَّا عند العرب فلا نجد له حضورًا قبل بداية القرن العشرين، مع الاتصال الأدبي والمعرفي مع الغرب الأوروبي. وقد عرَّف ت. س. إليوت الثقافة بقوله: "إنَّها أسلوب حياة مجموعة معينة من البشر، يعيشون معًا في مكان واحد، فهي أسلوب متكامل في العيش ومزاولة الحياة الاجتماعية".
ومع أنَّ للثقافة عددًا كبيرًا من التعريفات، فإنَّها لا تخرج عن معنى: "النواظم المعنوية المشتركة" التي تحدِّد سلوك البشر فيما بينهم وبين الطبيعة من حولهم، وهذا يعني أنَّنا أمام نوعين من الثقافة، هما: الثقافة المادية، ويقصد بها وسائل الإنتاج وأثرها في حياة الناس وطريقة وعيهم وتعاملهم معها؛ والثقافة الروحية، ويقصد بها المنتجات الجمالية والمعرفية والعلمية، وهو الأكثر وضوحًا في الثقافة العربية.




هناك كثير من التصنيفات للثقافة، منها: العامة والشعبية والجماهيرية والرَّسمية والهامشية والمهمَّشة والفرعية والعليا والدنيا... إلخ، والشيء ذاته نجده في مصطلح المثقف، فهناك المثقف العام والعضوي والنقدي والنخبوي والأكاديمي... إلخ.
أمَّا حول الثقافة في سورية، فيمكن القول إنَّها ثقافة وطنية جامعة في طور التكون، لا ينفي ذلك وجود عدد من العقبات السياسية والأيديولوجية تتعلَّق بالتفرد السلطوي ــ الديني، كما تتعلَّق بالنزعات الانفصالية، طائفية أو إثنية، ولا سيما في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة، التي تتفجر فيها المكبوتات المخزنة منذ عقود، وتضطرب فيها المواقف والآراء والأحلام حول شكل المجتمع والدولة والسلطة، في المدى القريب والبعيد معًا.
ولا بأس من استحضار بعض ملامح الثقافة الاجتماعية والفردية التي سعت السلطة السابقة إلى ترسيخها؛ فثقافة "المزرعة والمعلِّم والأجراء" تمدَّدت على مساحة الدولة والمجتمع، حيث التماهي مع المعلِّم، والفساد في المزرعة، والاستعلاء على الأجراء، وحيث "أنا الآمرُ الناهي"، وهذا ما عزز ثقافة القطيع في الشأن العام، وثقافة الذئاب الشاردة في الشأن الخاص، وثقافة النعامة في المسائل التي تتطلب موقفًا صريحًا. فقد سادت اللامبالاة والعبثية والنرجسية والرهاب العام، حتَّى صار الخوف من الحرية أيقونة النجاح والنجاة.
إنَّ الخروج من هذه الثقافة لا يمكن أن يكون إلا بترسيخ مفاهيم الحرية والمواطنة والقانون، فعبرها يمكن بناء الثقافة عبر أسس دستورية من جهة، واجتماعية مدنية من جهة أخرى، ومن الضروري ألا تتحوَّل إلى شعارات سياسية جوفاء كما حدث مع الأهداف التقليدية للأحزاب القومية.
من المفترض أن تكون ثقافة الحرية والمواطنة والقانون ثقافةً مجتمعية لا ثقافة سلطوية، تترسخ بالعمل المدني لا بالفعل السلطوي، بالخطاب الثقافي لا بالخطاب الأيديولوجي، بالدساتير والقوانين لا بالوعود والشعارات الحزبية والسلطوية. ونشير هنا إلى أنَّ ما تشهده اليوم سورية من الاعتصامات والمظاهرات والوقفات والمطالبات الشعبية، على اختلاف أهدافها المطلبية والسياسية، ما هي إلا طلائع تلك الثقافة التي يصح تسميتها بالثقافة الوطنية الجامعة، ومن شأنها أن تلغي كلَّ شكل من أشكال التناحر الخفي أو الصريح بين الثقافة الجامعة ومختلف الثقافات المحلية أو الفرعية، وهو ما لم يكن ممكنًا تحت سطوة نظام الاستبداد الذي كان يترنَّم بحماية الأقليات، وهو في حقيقة الأمر لم يكن يحمي إلا المزرعة والمعلِّم، أمَّا الأجراء فهم مجرَّد أجراء، لا فرق بين أجير من هذه الطائفة وأجير من تلك إلا بنسبة الانصياع للمعلِّم والتماهي مع خطابه وسلوكه.
الثقافة الوطنية لا يمكنها أن تتشكَّل من دون أن يتأسس مفهوم جديد للهوية الوطنية، يقوم على الاحترام الفعلي للجميع سلوكًا ودستورًا وقانونًا، بصرف النَّظر عن المنبت الاجتماعي والانتماء السياسي والاعتقاد الديني أو الفكري، بحيث يشعر المواطن أنَّه سوري أوَّلًا، وهذا لا يتناقض مع كونه ابنًا لهذا الدين أو لهذه القومية أو تلك الطائفة. وفي هذا، لا بدَّ من إسهام الدَّولة والمجتمع في صنع الثقافة الجامعة وبلورتها، وذلك يكمن في إسهام المجتمع بقواه المدنية والسياسية والثقافية، فالمجتمع الحرُّ هو الذي ينتج ثقافته الجامعة، بخلاف ثقافة الاستبداد التي تنتجها السلطة ويروِّجها الأجراء.
إنَّ انخراط المثقفين القدامى والجدد في المرحلة الراهنة ضرورة ثقافية وأخلاقية وسياسية، فالمثقف هو الرَّديف لحركة المجتمع المدني، ولا سيما أنَّ جيلًا جديدًا من الشبان المثقفين بدأ يعلن عن نفسه بقوَّة، ومن البديهي أن يكونوا في مقدمة الذاهبين إلى الحرِّية التي هي شرط وجودهم الثقافي، لا في الإنتاج الفكري والجمالي فحسب، بل في الممارسة الاجتماعية الحيَّة، وذلك من أجل تدعيم ثقافة الحرية والمواطنة والقانون، علمًا أنَّ مقولة الحرية هي المثل الأعلى الجمالي، مقولةٌ أنتجها شعراء وأدباء وهم يتقلبون على بلاط الجحيم.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.