في الخامس من نيسان/ أبريل 2006، ودّعت مدينة الرقة السورية صاحبة التاريخ الممتد عبر آلاف السنين، ابنها البّار الطبيب والنائب والوزير والأديب عبد السلام العجيلي، الذي أثرى المكتبة العربية بإبداعات تركت أثرًا كبيرًا في ضمائر الناس. "مات على سروج الخيل" كما قالوا، لأنه كان يعمل ويكتب ويسافر حتى الرمق الأخير. هو رائد من رواد النهضة في سورية والوطن العربي، في التأسيس والانفتاح على الثقافة العالمية. كان التخلف الحضاري هاجسه المؤرّق، وقد قال عنه صديقه الشاعر نزار قباني: "العجيلي أروع حضري عرفته البادية، وأروع بدوي عرفته المدينة". ربط القول بالفعل، وشارك في جيش الإنقاذ كمتطوع، ومضى إلى فلسطين المحتلة على وقع نكبتها الأولى عام 1948، مع أكرم الحوراني، وغالب العيّاش، ومصطفى السباعي، وغيرهم، وقضى شهورًا في فوج اليرموك الثاني تحت قيادة أديب الشيشكلي.
كان مفتونًا بالرقة، وسُمي بـ"جسرها الثالث"، الذي لم تتمكن أسلحة الموت من تدميره كما فعلت بجسري الرشيد والمنصور، وهو القائل: "هنالك مكانان إن لم أزرهما لا أعتبر أنني عشت يومًا طبيعيًا هما مكتبة بور سعيد، وجسر الرقة القديم". أحبّه أهلها بمختلف شرائحهم، وآمنوا به، وهذا ما جعله حاضرًا حتى في الأغاني الشعبية التراثية: "غربي طاحونة عيّاش... حسّ النجر بالليل... وأني دخيل الدكتور... عبد السلام عجيلي".
انتشر أدبه ووصل إلى مختلف دول العالم، وتُرجم إلى لغات أجنبية (الإنكليزية، والفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، والروسية)، وقد ضمّ أكثر من أربعين عملًا بين القصة والمقالة والرواية وأدب الرحلات والشعر والسيرة ومراثي الراحلين، إضافة إلى كتبه على هامش الطب.
يُعد أهم حكواتي سوري، وظاهرة فريدة في فن السرد العربي المعاصر، بحسه الساخر المبطن وهو يروي مفارقات الأشخاص وطرائق فهمهم لظواهر العلم والطب والمدينة المعاصرة.
استوفى في مقاماته، كما ذكر النقاد، جميع المقاييس الكلاسيكية، فهي ليست "إحياء للشكل القديم فحسب، بل حياكة في نول قديم بخيط جديد"، ومن أشهرها "المقامة الطبية"، التي صور فيها أجواء دراسته للطب البشري بأسلوب فكاهي تميز باللغة الجزلة والمزاوجة بين جماليات السرد العربي القديم، وموضوعات حديثة، واستخدام الشعر والأمثال والأقوال بتشخيص الواقع.
انشغل العجيلي، شيخ الأدباء، ومؤسس الرواية السورية الحديثة، بالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي حدثت في سورية خلال فترات تاريخية عديدة، ورصدها في رواياته، وعالج في روايته "باسمة بين الدموع"، التي صدرت لأول مرة عام 1959، الواقع في بلده في فترة الخمسينيات، وقضايا المرأة والحب والتضحية وصراعات السياسة والمجتمع في ذلك الزمن، وهي العمل الروائي الأول الطويل له بعد أن اشتهر بكتابة القصص القصيرة.
وناقشت روايته الصادرة عام 1974، "قلوب على الأسلاك"، التحولات المختلفة في سورية خلال فترة الوحدة مع مصر والانفصال، وتأثيرها على الطبقة الوسطى، بأسلوب يمزج بين الوصف الأدبي والرؤى الفلسفية والسياسية، وصُنفت آنذاك ضمن أفضل مائة رواية عربية. بعد ذلك بعام، رصدت روايته "ألوان الحب الثلاثة" الفساد السياسي والاجتماعي في البلاد، وآثاره على حياة الناس. بينما تابعت روايته "المغمورون" عام 1979 رصد حياة المهمشين البسطاء، والتحرر الاجتماعي الحاصل بعد بناء سد الفرات، والتحولات السياسية والطبيعية التي جرت، وتقنّعت بقناع قصة الحب بين الطبقة البرجوازية والكادحين، إضافة إلى مأساة التهجير القسري لسكان القرى هناك، بعد أن غمرت المياه أراضيهم ومنازلهم أوائل السبعينيات، ومأساة إحساس الاقتلاع وفقدان الجذور، وفيها نجح في تقديم صورة توثيقية للهجرة القسرية، إلا أنه بقي بعيدًا عن ملامسة جوهر هذه المأساة وأسبابها الحقيقية.
في روايته الشهيرة "أزاهير تشرين المدمّاة"، وثّق العجيلي أيضًا معارك وبطولات الجيش السوري في حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، وجمع بين السرد القصصي والتوثيق المباشر لكل ما جرى بعد زيارته للجبهات، ولكن بعض النقاد وصفوها بالريبورتاج التوثيقي، أو الرواية التسجيلية. وعالج في "أرض السياد" الصادرة عام 1998 التغيرات التي طرأت على بيئة البادية والفرات، وتحكُّم الأعراف والتقاليد بالمجتمع، والصراع المحتدم بين الجيل الجديد والفساد، إضافة إلى الحياة في حلب ودمشق، وخوارق الدراويش (السياد)، والضرب بالشيش كعنصر من عناصر الموروث الثقافي والروحي في المنطقة، وذلك بالدمج بين الواقعية وعلم الاجتماع والسياسة. بينما تناول في روايته "أجملهن" الصادرة عام 2001، علاقة الشرق بالغرب، ووظّف فيها رموزًا ودلالات تعكس خلفياته الفكرية والجمالية بلغة سلسة ورشيقة مسترسلًا في الوصف الذي يجمع ما بين التاريخ والجغرافية والفن والتراث، والعادات والأدب، بأسلوب شاعري وأحاسيس صادقة. وقد سمى النقاد روايته بـ"الواقعية"، أو "القومية"، رغم استمراره في التنويع بتقنيات السرد الروائي وتنوع المواضيع.
يرى النقاد أن العجيلي أحد رواد القصة القصيرة في سورية، وأحد أبرز كتّاب القصة العرب. اشتُهر بمجموعاته القصصية غزيرة الإنتاج، ومنها "ساعة الملازم" (1951)، و"فصول أبي البهاء" (1986)، و"بنت الساحرة" (1948)، التي تعد علامة فارقة في بداية مسيرته القصصية، لا سيما أنها المجموعة الأولى المطبوعة له.
أصدر ثلاث عشرة مجموعة قصصية مثل "قناديل إشبيلية" (1956)، و"الخيل والنساء" (1965)، و"فارس مدينة القنطرة" (1971)، و"مجهولة على الطريق" (1997)، التي تضم قصصًا طويلة وقصيرة تعكس أسلوبه في سرد تفاصيل الحياة والدمج بين الواقعية والتشويق، وتعتمد على "الرسائل" كعنصر حكائي تراتبي ينقل القصة بالتدريج إلى منتهاها، وفيها لم يتخلَ العجيلي عن خلفيته كطبيب، ولا عن طرافته المعهودة.
هو أفضل من يمثل مذهب الواقعية الفنية في القصة القصيرة، وقيل: "إنه ملكها". جمع بين الأدب والطب، ووثق قصصه بهذا المجال عبر مؤلفات تحمل عناوين: "عيادة في الريف" (1978)، و"حكايات طبية" (1986)، وكثيرًا ما كانت مقالاته ومحاضراته تُسرد كقصص عن الناس والطب، وفيها حوّل العادي والبسيط إلى قصص جميلة متخذًّا من مهنته كطبيب وسيلة للتأمل في النفس البشرية والمجتمع، مازجًا بين الواقعية الأدبية والممارسة الطبية.
اهتم بالحوار الحضاري والعلاقة مع الآخر الأجنبي في مجموعته القصصية "رصيف العذراء السوداء" (1960)، ومزج فيها بين القصة الطويلة والرواية القصيرة، وتناول صراع الحضارات والذكورية عند الرجل الشرقي، وقد تأرجحت بين الواقعية والخيال العلمي، وجسّدت الصدام بين الشرق والغرب، وعكست تجاربه في الرحلات والأسفار بتأملات فلسفية ورمزية.
كتب عن فلسطين شغله الشاغل قصة "كفن حمّود"، و"بريد مُعاد"، وسواهما، بعد أن قاتل على أرضها وقال: "عام 1948 هو عام مشاركتي الجسمانية بالدفاع عن القضية الفلسطينية، لكن ارتباطي بها يعود إلى بدايات وعيي السياسي. ما رأيت في استلاب الحق الفلسطيني إلا استلابًا شخصيًا لي أنا. وما يجري على أرض فلسطين يجري على شاطئ الفرات، وفي بلدتي ومنزلي، بالنسبة لي".
تفرد العجيلي بإبداعه القصصي المتميز، وكانت أعماله علامة انعطاف في تاريخ القصة العربية ومستواها الفني الرفيع. وأفرد أيضًا مساحة لأدب الرحلات والتنقلات بين المدن والعواصم، وألّف ثلاثة كتب عن رحلاته: (دعوة للسفر ـ خواطر مسافر ــ حكايات من الرحلات الجوية)، وفيها وصف الأماكن والثقافات في أوروبا (باريس ــ سويسرا ــ روما ــ ميلانو)، وقدم انطباعات نفسية وشخصية عما رآه، وبرز في أعماله هذه شغفه بالسفر واقتحام المصاعب، بتفاصيل مشوقة وغريبة طوّر من خلالها أدب الرحلات العربي.
كتب أيضًا المقالة والمحاضرة، وركز فيهما على توثيق الحياة في سورية عمومًا، والفرات خصوصًا، بأسلوب ساخر مزج بين التراث والحداثة، وتناول فيها قضايا المجتمع والسياسة والطب، موضحًا تأملاته الشخصية حولها. له ديوان شعر وحيد هو "الليالي والنجوم"، الذي ضمّ 28 قصيدة عكست نفحة رومانطيقية كلاسيكية، وركزت على المرأة والطبيعة، وكان هذا الديوان توثيقًا لبداياته الأدبية، وقد قال عنه إنه: "لا يكفي لبناء مجد شاعر"، ومما جاء فيه في رثائه لابنه: "بني تركتني ومضيتَ هلّا... صبرت لعلنا نمضي سويّا... حياتي قد غدت صحراء مذ ما... نفضتُ تراب قبرك عن يديّا".
وُلد الأديب عبد السلام العجيلي في الرقة عام 1918، ونشأ فيها. درس الطب في جامعة دمشق، وبرزت موهبته الأدبية مبكرًا. استقر في مدينته وكان طبيبها الأول. انتُخب نائبًا في البرلمان السوري عام 1947، ومع انقلاب حسني الزعيم في عام 1949، ترك العمل السياسي وتفرغ للطب والأدب. ولكنه أصبح وزيرًا للثقافة بعد الانفصال، ثم وزيرًا للخارجية، وأخيرًا للإعلام. كانت مواقفه من سلطة نظام الأسدين الأب والابن واضحة وجليّة. انتقد الاستبداد بشدة عبر أدبه الساخر، رافضًا التملّق، متعففًا عن القبول بالمناصب بعد السبعينيات.
له علاقة وثيقة وخاصة بفرقة الرقة للفنون الشعبية، التي تأسست عام 1968، فقد دعمها بشدة، وكتب معظم أعمالها المسرحية الغنائية الراقصة، التي أبرزت تراث مدينته، وساهمت في إيصال فولكلورها إلى العالم.
قال عنه الأديب الفرنسي جان غولميه: "يستحق أن يُشبّه بأساتذة فن الرواية الكلاسيكي". أما الكاتب السوري وليد إخلاصي، فقد ذكره بقوله: "خرج العجيلي من عمق الصحراء السورية نقيًا كذرات الرمل فيها. وما لبثت روحه أن تفتقت عن حكواتي قدره أن يشهد على عصره".
لقد وضع الراحل أسسًا متينة في الفن والأدب، وشكلت سردياته عالمًا هائلًا من الطباع البشرية، واستطاع نصه الذي يطغى عليه المكان السوري والشخصية السورية، أن يتجوّل في أرجاء ثقافات العالم ومجتمعاته المختلفة، وأن يُثبت أن الأدب للإنسانية قاطبة. مسيرة طويلة من الإبداع أنجزها مثقف موسوعي ورحل بعد أن همس إلى قرائه بالقول: "أنا أعمل طوال ما أنا حيّ. لقد شبعت من الحياة. عشتها بكل ما فيها. وما عدت أرغب بالمزيد".


تحميل المقال التالي...