}

لا مَزيدَ مِنَ النّاسِ

عمر الشيخ عمر الشيخ 26 أبريل 2026
شعر لا مَزيدَ مِنَ النّاسِ
(أسعد فرزات)

لارنكا... باريس... ستراسبورغ... أوبيرهاوزين... دوسلدورف...
الدَّهشَةُ أَمامي
لا مَزيدَ مِنَ النّاسِ
الحُروفُ الخاوِيَةُ على رُؤوسِ المارَّةِ،
هِيَ آخِرُ أَصواتِهِم.
لَن أَنتَظِرَ المَراسِمَ.
المَوكِبُ المالِحُ لِلهَواءِ.
الصُّوَرُ السَّوداءُ على رُخامِ الذّاكِرَةِ.
قِطعَةٌ مِن عاصِمَةِ السُّقوطِ.
شُهورٌ بِلا شِعرٍ... بِلا أَغانٍ!
دونَ صَوتٍ... دونَ صَدمَةٍ
دونَ حَقيقَةٍ... دونَ كَذِبَةٍ...
بَلاهَةُ الوَقتِ وَالرَّتابَةُ الَّتي...
شاعِرٌ يُطيعُ القَدَرَ، مُدُنٌ تُريدُ...
نَوَّهتُ لِلزَّمَنِ أَنِّي استَقَلتُ مِنَ الشِّعرِ،
فَأَجابَنِي الوَقتُ: أَلّا شِعرَ دونَ انكِسارٍ!
كُنتُ أُفَسِّرُ القَصيدَةَ في حُلمي؛ عَلى أَنَّها لَحظَةً... لَحَظاتٍ...
كانَت مُدُنٌ أوروبيَّةٌ جَديدَةٌ تَقتَحِمُ
وكانَت حَربٌ في السَّماءِ
وكُنتُ أَبحَثُ عَن مَطلَعٍ لِلقَولِ...
لا مَزيدَ مِنَ النّاسِ
أَصبَحتُ في العَقدِ الرّابِعِ؛ وَالنَّصُّ غارِقٌ
بَينَ القَصيدَةِ وَالشِّعرِ.
النَّصُّ يَفقِدُ الحَياةَ
لِأَنَّ لا مَزيدَ مِنَ النّاسِ...

/\/\/\

دوسلدورف
حَمراءُ، تَتَباهى بِزَيتونَةٍ في مَطعَمٍ فِلَسطينيٍّ
وَحَلَوِيّاتٍ بِلا سُكَّرٍ، حِدادًا عَلَى الذّاكِرَةِ.
الدِّيوانُ الأَخيرُ عامَ 2019 وَقَصائِدُهُ مِن عامِ 2014
لِماذا يَتَأَخَّرُ كُلُّ شَيءٍ في حَياتي؟
لا أَعرِفُ الطَّريقَ الصَّحيحَ إِلَى العالَمِ!
كُنتُ أُريدُ أَن أَضَعَ كِتابِيَ الأَخيرَ هُناكَ،
في دوسلدورف، تَحتَ صورَةِ الزَّيتونِ...
لَكِنَّ المَدينَةَ تَرفُضُني، إِقامَتي لِيَومَينِ فَقَط
لا زِلتُ لاجِئًا
وَكَذلِكَ لا مَزيدَ مِنَ النّاسِ تُريدُ الشِّعرَ
أَعرِفُ الذّاكِرَةَ
أَعرِفُ الشِّعرَ
لَم أَعُد أَشعُرُ بِذاكِرَتي، لَم تَعُدِ الذّاكِرَةُ سِوى شِعرٍ مُتَآكِل
تَوَقَّف
تَوَقَّف وَأَنتَ تَقولُ: شاعِرٌ يُطيعُ الوَقتَ...
شاعِرٌ يُريدُ...
البَلاهَةَ، الرَّتابَةَ...
انكِسارٌ في الحَياةِ...
لا بُدَّ أَن يَكونَ هُناكَ شَيءٌ ما يَستَحِقُّ الانهِيارَ!
يَتَهاوى باستِمرارٍ؟
لَم أَكُن أَعلَمُ سِوى أَنَّ عُيوني تَحتَرِفُ الهَوى
تَهوي وَتَهوي
وَلا مَزيدَ مِنَ النّاسِ
يُريدونَ عُيوني...

/\/\/\

المُدُنُ في اللِّقاءِ الأَوَّلِ
تَصفَعُكَ مَرَّةً واحِدَةً
ثُمَّ تَصفَعُها عَلَى الوَرَقِ حينَ تُريدُ
لَكِنَّ المُدُنَ لا تُريدُ النّاسَ
المُدُنُ هِيَ النّاسُ أَنفُسُهُم
حينَ لا يُريدونَ سِوى أَن يَكونوا مُدُنًا دونَ زُوّارٍ...
لِأَنَّ لا مَزيدًا مِنَ الحَياةِ بَعيدًا عَنِ البَحرِ...
هَل كانَت لارنكا أُمِّي أَو بَلَدي؟
لا أَعرِفُ! لا يُمكِنُني أَن أَعرِفَ
لِأَنَّ لا مَزيدَ مِنَ البَحرِ في صَدري
المَوتُ يُحيطُ بِشَرقِ المُتَوَسِّطِ...
كَم هِيَ جَميلَةٌ عِبارَةُ "شَرقُ المُتَوَسِّطِ"
وَكَذلِكَ كَلِمَةُ "دوسلدورف"
هَل ثَمَّةَ مَن يَكتُبُ شَيئًا هُنا؟
الصَّوتُ يَقولُ إنَّ أَحَدًا ما يَبحَثُ وَلَكِن...
لا مَزيدَ مِنَ النّاسِ...

/\/\/\

نَصنَعُ ذاكِرَةً ثُمَّ نَخونُها...
نُريدُ الشِّعرَ ثُمَّ نُصبِحُ آلاتٍ صِناعِيَّةً...
تَأتي الكِتابَةُ وَالزَّمَنُ خارِجَ ذاتِهِ
وَالذّاتُ هِيَ أَنا...
كَيفَ لا مَزيدَ مِنَ النّاسِ وَالقَصيدَةُ تَمشي مِن هُنا؟!

/\/\/\

يُوَقِّعونَ عَلَى الجِباهِ
بِأَربَعَةِ خُطوطٍ عَمودِيَّةٍ
|||| ثُمَّ يَشطُبونَ عُيونَ المُنتَظِرِ: "دَعهُ يَمُرّ..."
يَصرُخُ النَّصُّ وَكَذلِكَ القَصيدَةُ تَحسَبُ أَنَّها تَعمَلُ:
"لا مَزيدَ مِنَ النّاسِ"
يُرِدنَ ذٰلِكَ
الحَياةُ لا تَهزِمُ الشِّعرَ... تَخسَرُ قَصيدَةً وَتَكسَبُ انكِسارَةً...
يَموتُ النَّصُّ في القَصيدَةِ
يَكتُبُ الشِّعرُ تِلكَ المَرثِيَّةَ
دونَ أَيِّ تَكليفٍ هٰكَذا:
دوسلدورف مَدينَةٌ تَعيشُ في موسيقى العُروضِ العَسكَرِيَّةِ
فَصائِلُ مِنَ العَصافيرِ الخائِفَةِ
وَفي العِماراتِ الحَمراءِ لِلثَّورِيَّةِ، الحَياةُ تَلتَقِطُ اللَّحَظاتِ الأَخيرَةَ:
دوسلدورف شِعرٌ في إيقاعٍ صَوتيٍّ
مِقياسُهُ الصَّفعَةُ وَالذّاكِرَةُ...

(17 آذار/ مارس 2026 | لارنكا)

* شاعر سوري يعيش في قبرص.

قصائد اخرى للشاعر

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.