أمضينا جلّ طفولتنا ونحن نرقص فرحًا بالعرس الذي جمع بين التاريخ والجغرافيا، وقُطفت زهرات معظم شبابنا بمعاقرة أكثر أبنائهما عقوقًا، ألا وهو القومية! كم تباهينا بتاريخ كاد أن يقفز بنا على سور الصين العظيم شرقًا، وأطلق العنان لخيالنا كي يسبح في جنان غرناطة وإشبيلية وقرطبة غربًا، حتى حفرنا ما استطعنا من أبيات نونية أبي البقاء الرندي على مقاعد الدراسة شغفًا وشغبًا. ولأن "لكل شيء إذا ما تم نقصان"، سرعان ما تتحول أحلام وأوهام دروس التاريخ إلى حصة الجغرافيا، حيث كنا لا نزال نقتفي أثر طريق الحرير على وقع أسطوانة الموقع الاستراتيجي في قلب العالم ومهد الحضارات، وواسطة عقد أقدم ثلاث قارات، غير مبالين باكتشاف "رأس الرجاء الصالح"، الذي أفسد احتكار أجدادنا لتجارة الحرير والورق وأطايب التوابل والبهارات. استعرنا من فرنسا "نابليونها"، حين قال "من يسيطر على سورية يستطيع أن يهدد آسيا وأفريقيا"، في سياق مشروعاته التوسعية بعد احتلال مصر. ومن أميركا "كيسنجرها" الذي يرى أنه "لا يمكن بناء نظام إقليمي مستقر في الشرق الأوسط من دون سورية". وصولًا إلى أستاذ التربية القومية الاشتراكية الذي طالما كان يقفز أمامنا بمقولة "قلب العروبة النابض"، لنبادله القفز فخرًا وكأننا نجلس على نابض! ليس هذا وحسب، فأنا مثلًا في الصف السادس الابتدائي لم أكن أكتفي بالمنتج المحلي من التباهي القومي الوطني، فكنت أستورد نوعًا آخر، فأشرئبّ متفاخرًا لأن مساحة الاتحاد السوفياتي "الصديق" زعيم الاشتراكية، وكذلك عدد سكانه، أكبر من "الويلات المتحدة" أمّ الرأسمالية والإمبريالية "البغيضة" التي كانت وما زالت تذيقنا الويلات بالجملة والمفرق! وصل بنا الفخر والسؤدد والشعور بالوفاء والانتماء إلى درجة تشجيع الفريق الصديق عندما يواجه أي منتخب كرة قدم آخر، بما في ذلك منتخبنا لأنه ــ أساسًا ــ عوّدنا على الهزائم مع حمائم المنتخبات، فكيف بالصقور؟! وكنا نحفظ عن ظهر قلب أسماء لاعبي منتخب (CCCP) التي ينتهي معظمها من حيث يبدأ موال العتابا لدينا (أوف)! وما إن شببنا عن الطوق حتى انهار جدار برلين، فتوحدت ألمانيا، وتمزق الصديق إلى مجموعة أصدقاء وأعداء وما بينهما، كما لو أن ميخائيل غورباتشوف يقول: (يا عمال العالم نعيمًا)! تلك سنّة الكون، دول تُمحى بينما تتوالد أخرى من رحم خرائط يرسمها المنتصرون، وسورية ليست استثناءً، لأن "التاريخ في الجغرافيا أقوى من الجغرافيا في التاريخ"، كما قال محمود درويش.
عبر البلاد سريان وآراميون وكنعانيون وآشوريون وكلدانيون وبابليون وحثيون، وحتى قوم فرعون، وفرس وروم وبيزنطيون، ثم تتار ومغول وصليبيون، تلاهم الأيوبيون والسلاجقة والعثمانيون، ومن بعدهم الفرنسيون. في العصر الحديث، عاش السوريون كبلد ذي هوية مستقلة عامين فقط، بين خروج العثمانيين 1918، ودخول الفرنسيين 1920، أيام الملك فيصل بن الشريف حسين. وشهدت هذه الفترة ازدهارًا في الحريات، لا سيما الصحافة. وبعد الاستقلال 1946، عاشت سورية ملامح دولة مدنية أيضًا، رغم قلق الانقلابات، مع حضور مقبول للحريات والصحافة، بدليل إصدار عشرات الصحف والمجلات في دمشق وكبريات المدن السورية، بينها عدد غير قليل من المطبوعات الساخرة. كما شهدت تلك الفترة تجربة سياسية فريدة مارس خلالها السوريون الديمقراطية رغم محاولات تسلط العسكر، التي نجحت أخيرًا مع وصول جمال عبد الناصر وسراجه عبد الحميد، الذي أشعل فتيل القمع، فكان أول من دشّن أسلوب الحكم البوليسي في سورية، وصولًا إلى الانفصال. بعد استلام حزب البعث قيادة الدولة والمجتمع في آذار/ مارس 1963، استلهم تجربة السراج في القمع، مع تطوير العسكر لأساليب الاضطهاد والإقصاء، الذي لم يسلم منه رفاق الدرب، فأسقط بعضهم بعضًا في شباط/ فبراير 1966. لم تكن الفترة اللاحقة أفضل، وخير من عبّر عنها إحدى الصحف الفرنسية في عنوانها الرئيسي: "سورية يحكمها أطباء... لا بد أنها مريضة". العنوان نفسه قرأته للصحافي اللبناني ميشال أبو جودة ضمن كتاب جمع فيه مقالاته في جريدة "النهار"، والله أعلم من (اقتبس) من الآخر! والمهم أن الأطباء الثلاثة هم الرئيس نور الدين الأتاسي، ورئيس الوزراء يوسف زعيّن، ووزير الخارجية إبراهيم ماخوس. وبعد اجتهاده بزحلقة ثلاثي الحكم والحكماء، تحكّم حافظ الأسد بالبلاد والعباد، لتزداد مرضًا مع توريث ابنه بشار، الذي أوصل الشعب إلى درجة الانفجار في مثل هذه الأيام من آذار/ مارس 2011. بدأ السوريون ثورتهم بـ"الشعب السوري واحد"، قبل أن تعبث بها المخابرات والقمع والظلم، حتى شوّهتها بالسلاح والتطرف. بذريعة السلاح والإرهاب، قتل النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون مئات الآلاف! لم يتوقف التشوّه هنا، فاختلفت المصالح واختلط حابل الخارج بنابل الداخل، وتناحرت الفصائل، وكادت تودي بالبلاد إلى ما بعد القاع. فجأة، يجتمع ما تيسر من فصائل الشمال ليبدؤوا بـ"ردع العدوان" عن إدلب، وينتهوا بدخول دمشق. سقط النظام! عبارة صدمت السوريين على كلتا الضفتين فرحًا وحزنًا، وقلقًا من شريحة ثالثة الأثافي. خرج السوريون من نفق الظلم والظلام، فانبهروا بضوء الحرية، فأخذت أعينهم وقتًا حتى تتوسع الحدقات، لكنها فترة لم تكن كافية لانتزاع الغلّ رغم تفكك الأغلال. ظهر كثير من السوريين شعوبًا وقبائل ليتعاركوا، لا سيما في مضمار أسبقية الوصول إلى الأرض السورية. ففي الشرق والشمال أكراد جاءت دفعات منهم مطلع القرن العشرين، لكنهم يمثلون شريحة واسعة من سكان كبريات المدن السورية. وفي الجنوب دروز اختلفت الروايات في تواريخ وصولهم إلى جبل العرب، لكن التاريخ الأبرز ارتبط بالحرب الأهلية في لبنان عام 1860. وللعلويين قصة أخرى لا تتعلق بتاريخ وصولهم إلى البلاد، وإنما بهجرتهم من قراهم إلى المدن، ككثير من أبناء الريف السوري، لأن الإنسان "مطرح ما بيرزق بيلزق". سباق عبثي يثبت أن لا مصلحة لأحد بالنظر إلى الماضي بهذه الطريقة، وإن كان ولا بد أن نستحضر التاريخ، فاسألوا الأوروبيين عن أكثر الشعوب رعبًا وتوحشًا في تاريخهم، لن يترددوا بالإشارة إلى الفايكينغ، الذين كانوا أصحاب أفظع مدارس التوحش والقتل بطرق لم يسبقهم إليها أحد! تفننوا بإحراق المدن ونهب الأديرة والكنائس، ثم عادوا بسفنهم عبر بحر الشمال إلى إسكندنافيا، حيث أطلق التاريخ نكتة تحكي إن أحفاد الفايكينغ في السويد والنرويج والدانمارك يتربعون على قمة دول العالم بالرقي والحضارة والرفاهية ومختلف أنواع الحريات. لذلك، فإن السباق لمعرفة من سكن الأرض أولًا، يذكرني بلعبة طفولية، حين كنا نتراكض وكلٌّ بيده قطعة خشبية صغيرة في سباق لكي نشخط على الجدار أولًا. لكن لا بد من تذكير المتسابقين على مستوى الوطن بأن الدمار لم يترك لهم سوى جدار وحيد مرصّع بإعلان "أبو فلان لشفط... وتسليك مجاري الصرف الصحي"!


تحميل المقال التالي...