(1)
أكتبُ نفسي على جدارٍ مائل
أقول:
يا زمن، لا تُظهر أسنانك البيضاء كذئبٍ مبتسم
لقد فهمتُ لعبتك.
كل شيء كان يسير على ساقين من وهم:
الأشجار تتصنّت على حواري مع الظلال
والعصافير تحصي انفجاراتي الصغيرة
تسجّلها على أغصانٍ رخوة
كأنها شهود عدل في محكمة الهواء.
أمسكتُ بالصوت من ذيله
قلتُ له: لا تهرب
سنكتب معًا هذا التأريخ المائل
سنجعله يمشي في السوق
بين بائع الخبز
ورائحة السمك النيّئة
وسنضحك على الفكرة:
أن يختبئ الخلود في شقوق طاولة مكسورة
بين بقايا قهوة باردة
وحرفٍ ناقص من جريدة الأمس.
الصمت
ذلك الأعمى الذي يعرف الطرق كلها
يُدرّبني على الركض في غرفة بلا أبواب.
يهمس في أذني:
لا أحد سيذكر خطوتك الأخيرة
حتى الأرض
ستغلق جفنيها دون أن تتثاءب.
أضع يدي في جيب الوقت
أبحث عن فتات يبرّر ما عشته
أجد قصاصةً مهترئة كتب عليها:
"النهاية لا تُكتبُ،
النهاية تُصْمَتُ."
أضحك
وأضحك أكثر
لأن الضحك أيضًا...
سيُدفن.
(2)
أفتح نافذة الليل
فأسمع نبضًا ليس لي
ربما هو قلب الغبار
الذي تعلّق بالكتب القديمة
أو قلب النهر
وهو يلعق أقدام القمر بتواضع الموج.
كل شيء يتنفّس في الظل
حتى الحجر
يمارس رياضة الانتظار
يشدّ عضلاته كي يبدو أثقل
حين نسقط فوقه بلا معنى.
أمسّ الحبر على الطاولة
أسمع له حشرجة
كأنه يحتضر
قبل أن يلد كلمة واحدة.
أربّت عليه
أقول له: لا تقلق
سنموت معًا في جملة غير مكتملة
ستضحك علينا الكتب
وتقول: هكذا ينتهي المؤرخون.
في الخارج
الريح تخلع بابًا بعد باب
تجرّ أصواتنا المكسورة
إلى حفلة صمت
لا نُدعى إليها أبدًا.
وحين أغمض عينيّ
أرى التاريخ يضحك
بأسنان من ذهبٍ مستعار
يمضغ أسماءنا
ثم يبصقها
على رصيفٍ يتيم.
كل ما كان لي
يذوب في فنجان قهوةٍ فارغ
حتى حماقاتي الصغيرة
تتطاير مثل ذبابٍ أعمى
يبحث عن جثة الضوء الأخيرة.
وأقول لنفسي:
كم كنا أغبياء
نحن الذين حلمنا بأن تتذكّرنا الأيام
بينما الأيام نفسها
تعاني من الزهايمر.
(3)
أجلس في منتصف الغرفة
أراقب الظل وهو يشيخ على الجدار
يسعل مثل عجوز فقد صوته
ويبحث عن حنجرة بديلة في عتمتي.
أفكّر:
كم يشبهنا هذا الظل
يعيش على ما يسقط منه
ويظن نفسه حيًا لأنه يتبعنا.
أمدّ يدي إلى الهواء
أتحسّس وجهًا لم يولد بعد
ربما وجهي في اللحظة الأخيرة
حين يختلط الجلد برائحة التراب
وحين ينحني الزمن مثل ساقٍ مكسورة
كي يربط حذاء النهاية.
الصمت يضحك
أسمعه يضحك في كل زاوية
في فتحة القفل
في حلق الكأس
في تجعيدة السقف.
يضحك لأنه يعرف السرّ:
لا موسيقى بعد هذه النغمة
ولا حكاية بعد هذه الفاصلة.
أكتب آخر كلمة
وأشعر بها تركلني من الورقة
تصرخ:
"أنت لست أكثر من نقطة في دفتر الريح."
أضحك بصوتٍ عالٍ
أضحك حتى ينهار الكرسي
حتى تتساقط الضحكة كطائرٍ بلا جناحين
وأنحني لالتقاطها
لكنني أجد حفرة.
حفرة واسعة
تأخذني
تأخذني
ثم تُغلق الباب بهدوء
كأن شيئًا لم يكن.


تحميل المقال التالي...