}

سيرة الغبار

إدريس سالم إدريس سالم 5 أبريل 2026
يوميات سيرة الغبار
(لقمان أحمد)

لم أفهم أبي يومًا؛

ذلك الثقب الأسود في مجرّة العائلة، الكائن الذي لم يفكَّ شيفرته أحد، يسكن في فجوة سحيقة بين الصرخة والسكوت. كان يزرع العِناد المسموم في أوردتنا، يبذر ألغامًا موقوتة، ويحقن قراراتنا المصيرية بمصل التردّد، حتى غدونا نمشي على أطراف أصابعنا في حقل من الخوف.

لم أفهم أبي يومًا؛
إنه طاووس جريح، إذا مسّه المرض، استدعى نوحَ المدينة قاطبة، وطلب من المآذن أن تبتهلَ لجسده، بينما هو يكفر بالدواء، ويشتم الهواء، ويرى في الأقراص الملوّنة أبالسة مجهرية تتربّص به. يرفض المشفى كأنه يرفض القيد، ثم يخرج ليعارك العتمة على رصيف بارد، يضرب الحائط بكفّيه، ضرباتٍ إيقاعية تهزّ أركان الوجود، لا ندري أهي طقوس انتقامٍ منّا، أم هي محاولة يائسة لهدم جدار ذاته المتصلّبة. لم يثقْ بنا يومًا، كان يرى في ألمنا لأجله مؤامرة، وفي دمعنا خلف ظهره خيانة.

لم أفهم أبي يومًا؛
مائدته كانت مسرحًا لسريالية الموت البطيء؛ يغمد الخبز في المشروبات الغازية كأنها نبيذ جنائزي، ويغمس التفّاح في السكّر ليعيد اختراع طعم جديد للغواية، يلتهم المعجّنات بشراهة انتحارية، رغم أمعائه التي استقالت من وظيفتها منذ أزل. وفي زاوية ذلك المشهد، تقف أمّي كتمثالٍ من ملح لم يُذِبْه مطرُ الظلم لخمسة عقود. كلّما دخّنت أمامي، نبضتِ الأسئلة في رأسي كمطارق:
أيّ نوع من الأحجار الكريمة أنتِ يا أمّي؟
كيف عبرْتِ نفق الكرباج الأسود حين أجبركِ ــ أمام عينيّ الطفوليتين ــ على التهام دخان أربعين سيجارة في نصف ساعة من الجحيم؟
هل كان حبًّا، أم هو انصهار الضحية في جلّادها حتى استحال الفكاك؟
أتساءل في كلّ مرّة يخرج فيها الدخان من رئتيكِ: هل هو زفير الهزيمة، أم بخار الروح التي رفضت أن تنكسر؟

لم أفهم أبي يومًا؛
كان يشنّ الحرب على كلّ ما هو أخضر؛ يزدري الجرجير والسبانخ، يطرد رائحة البابونج والنعناع من مداراته، ويعادي الماء مثل عدوّ لدود. ومع ذلك، كان يخبّئ في سراديبه العميقة حنانًا متجمّدًا، حنانًا لا تراه العين ولا تلمسه الكلمات. لم يقل: «أحبّك يا بُني» يومًا، كانت جافّة ملامحه كصحراء، وشحيحة وعوده كسراب، حتى صرت أفتّش في جيناتي عن ملامحه متسائلًا بذهول: «أهو أبي، أم هو ظلّ غريب استوطن بيتنا؟».
لكنه، وبطريقة لا يفهمها إلا التراب، يظلّ هو الوطن الذي لا نملك حقّ الهجرة منه. يستدرجني من شتاتي إلى ترانيم الأرض، فأراه في صمود الصنوبر رغم يباسه، وفي سلام الزيتون رغم طعمه المرّ. هو الفصل الذي يجمع النقيضين؛ ريح تقتلع الأشجار، ومطر يحيي العظام الرميم، هو الأرض التي نلعن قسوتها، لكننا لا نعرف كيف نتنفّس خارج حدود غبارها. هو أبي الذي لم أفهمه يومًا، ولكنه الممرّ الإجباري الوحيد لكي أكون أنا.
أتركه الآن في سراديبه، حنونًا كقنبلةٍ لم تنفجر، وقاسيًا كغيمةٍ بخلت بمطرها لتصون كبرياءها. سأقبل أن أكون امتدادًا لظلّه الغريب، ونبضًا في عروقه التي خاصمتِ النقاء لتشرب الشوك؛ فلا حاجة لي لفهم البحر لكي أغرق فيه، ولا حاجة لي لفكّ شيفرة الأب لكي أحمل ملامحه. سأظلّ هكذا، أحبّ فيه ما أكره، وأكره فيه ما أحب، حتى يجمعنا التراب الذي وحده يملك سرّ المصالحة الأخيرة بين السجين وسجّانه، وبين الابن والوطن الذي لا يرحم.

(مدينة مرسين. 19 آذار/ مارس 2026م).

مقالات اخرى للكاتب

يوميات
5 أبريل 2026
يوميات
5 مارس 2026
شعر
11 أكتوبر 2023

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.