لم تعد العنصريةُ حيال فرنسيين من أصولٍ أفريقية وعربية وأمازيغية، يفتقد أصحابها الشعر الأشقر والعيون الزرقاء، تُفاجئ أحدًا في بلاد الحرية والمساواة والإخاء، كما ينصّ على ذلك شعارُ العلم الوطني الفرنسي. ما حدث مباشرةً بعد يوم الخامس عشر من الشهر الماضي، أي بعد الإعلان عن نتائج الدورة الأولى للانتخابات البلدية، كان صدمةً شخصيةً غير مسبوقة. حدث ذلك رغم اعتقادي أنني تلقيت ما يكفي من الصدمات العنصرية التي من شأنها تشكيل مناعة نفسية لا تُخترق منذ التحاقي بباريس قبل 35 عامًا لسببٍ عائليٍّ لا يمتّ بصلة لـ"نقص وطنيتي أو انعدامها"، كما ما زال يروّج لذلك شعبويون غرقوا في فسادٍ فتّاك باسم وطنيةٍ أرفضها جملةً وتفصيلًا. الدعاية الإعلامية القائمة على تضليلٍ مرضيٍّ لم يجد من يداويه – والذي تعرّضت له فرنشيسكا ألبانيزي، المدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني في الأمم المتحدة (انظر مقالنا المنشور في "ضفة ثالثة" مؤخرًا) – هو نفسه التضليل الذي قادته المنابر الإعلامية اليمينية واليمينية المتطرفة، بتواطؤ سياسيين اشتراكيين ورديين متعاطفين مع العدو الصهيوني لسببٍ يدركه من يعرف تاريخ الصهيونية. إنه التضليل الدعائي الذي تأكد عبر حواراتٍ غير مهنية، وقريبةٍ إلى روح قادة محاكم التفتيش، والممارسة البوليسية التي يعتقد الكثيرون أنها وقفٌ على الأنظمة العربية وغير العربية القمعية والشمولية الفاقدة للشرعية الشعبية الخارجة من صناديق الانتخابات الديمقراطية الشفافة.
بغايوكو الضحية الأشهر
تشويهُ التصريحات وإلباسُها ثوبَ التحريف الممنهج والمغرض أيديولوجيًا – كما حدث مع فرنشيسكا ألبانيزي – واعترافُ أصحابِه بالخطأ مرغمين، أو الذودُ بالصمت حياله، كما فعلت كارولين دايان، "منتجة" تشويه تصريحات ممثلة الأمم المتحدة، حقيقةٌ أبرزتها قناة "فرانس 24" بمهنيةٍ إعلاميةٍ محسوبةٍ سياسيًا. وقامت القناة بتأكيد عدم صحة ما نُسب لبالي بغايوكو، رئيس بلدية "سان دونيه" المنحدر من أصلٍ مالي – ثاني أكبر مدينة بعد باريس ضمن كل الضواحي المحيطة بها – والذي فاز في الدورة الأولى من الانتخابات البلدية بنسبة 50,77 في المائة ضد غريمه السابق الاشتراكي ماتيو هوتان. في هذا السياق، لا يمكن فهم الروح العنصرية التي تحررت في الأعوام الأخيرة بشكلٍ يخترق قوانين الجمهورية الفرنسية، إلا بالإشارة إلى المعنى الذي يكتسيه الفوز السياسي الديمقراطي لمرشحين فرنسيين مغاربيي وأفريقيي الأصل في عدة بلديات، كما جاء ذلك في تقرير الزميل علاء الدين بونجار، الصحافي بالقسم العربي لقناة "راديو مونت كارلو".
بدأت الحملة العنصرية الدعائية ضد الفائز الأسود، الذي يعكس صورة فرنسا المتنوعة ثقافيًا وعرقيًا ودينيًا، عبر قنواتٍ تلفزيونية ومنابر إعلامية تسبّح في فلك مالكها، الملياردير فانسان بولوريه، وعلى رأسها قناة "سي نيوز"، التي أوكلت مهمة تشويه المهاجرين المسلمين والأفارقة لكبير دعايتها باسكال برو، الصحافي الرياضي السابق، والذي ربط بهم قبل اليوم انتشار بقّ الأسرّة في الفنادق. بدأت الحملة بزعامة ماريوس داريوس، نجم قناة "أل سي إي"، الداعم الدائم لإسرائيل وأميركا ضد الفلسطينيين والإيرانيين، بمحاولة إيقاع بغايوكو في فخ التوريط المبرمج، والذي استعد له لتفكيكه، قاطعًا الطريق على محاولة ربط البلدية بالسود. خلافًا لما راح يروّجه مناصرو اليمين واليمين المتطرف واليسار الوردي المتحالف معهما تكتيكيًا في الكثير من الحالات – انطلاقًا من تقاطعٍ أيديولوجيٍّ يفرض اتهام كل منددٍ بإبادة غزة بمعاداة السامية – لم يصف بغايوكو بلديته بـ"مدينة السود"، واكتفى بالقول إنها "مدينة الملوك والشعب الحي"، تخليدًا لصاحبها الشاعر المقاوم والصحافي الشيوعي جان مارسوناك (1913 – 1984).
مناضلون سياسيون أم صحافيون؟
"مناضلون سياسيون" في شكل صحافيين معروفين بتبنّيهم أطروحات العنصريين بشكلٍ صلب أو ناعم، راحوا يتهمون بغايوكو بالتفرقة الاجتماعية والعنصرية ضد البيض، من دون الاعتذار، كما فعلت الصحافية أبولينير ماليرب (قناة "بي أف أم تي في") مُضطرّةً وغير مُخيّرة بعد تأكدها من عدم صحة ما نُسب من قولٍ لرئيس بلدية تمثل كل ما يكرهه اليمين المتطرف، بحكم جمعها 150 جنسيةً في صفوف سكانها، على حد تعبيره.
من أشهر الأسماء التي قادت الحملة العنصرية المسعورة ضد بغايوكو بروحٍ مغرضة: المحامي جيلبير كولارو (التجمع الوطني)، والكاتب إريك زمور، وألكسندر دفتشيو (قناة وصحيفة "لوفيغارو")، وجان مسيحا، وإريك تينييه، مدير تحرير موقع "فرونتيار"، الذي حاور بوعلام صنصال وسمح له بالتعبير عن عدائه المرضي للجزائر كوطنٍ أعاد النظر في وحدته الترابية. قناة "فرانس 5" العمومية وقعت في فخ التعميم من خلال الصحافي كريم راسولي، المغربي الأصل، والذي اعتذر بدوره عن سماحه لضيفه بالترويج لمقولة "سان دونيه مدينة السود" من دون تدخلٍ مهني. لأنه أصبح من الممكن الحديث عن إعلامٍ عنصري في فرنسا تخصص في العقود الثلاثة الأخيرة في تشويه صورة المهاجرين العرب والمسلمين والأفارقة، كما كتبت الصحافية وفاء البغواني يوم 26 من الشهر الماضي في موقع "أناضولي جانسي": "الكثير من وسائل الإعلام التابعة فكريًا لعنصريي اليمين المتطرف حوّلوا الإشاعة المغرضة إلى معلومة تم تداولها فرنسيًا وعالميًا، الأمر الذي دفع المنظمة المعادية للعنصرية بقيادة دومينيك سوبو (أس أو أس رازيزم) إلى رفع دعوى ضد قناة سي نيوز".
فرنسيون بالأوراق فقط
المطر العنصري الذي هطل بغزارةٍ غير مسبوقة على رأس بغايوكو، الفرنسي أسود البشرة، لم يكن إلا تعبيرًا صارخًا عن مقاربة أيديولوجية أسقطت الأقنعة الأخيرة عن الجهات التي تقود حربًا شعواء تكريسًا للخطاب الهوياتي والعنصري المعادي لكل ما هو تنوع عرقي وثقافي واجتماعي، بحجة حماية صفاء الحضارة الأوروبية البيضاء. كريم زريبي، النائب الأوروبي السابق الفرنكو-جزائري، دان بدوره التشويه الإعلامي الذي تعرض له بغايوكو، الذي ردّ على أحد صحافيي اليمين المتطرف بكلمة "الشعب" بعد أن طرح عليه سؤالًا: "من هي الأيادي التي تتحكم فيكم؟".
يجدر بالذكر أن وسائل إعلام الملياردير فانسان بولوريه، وعلى رأسها قناة "سي نيوز"، قد ربطت انتخاب بغايوكو بتجار المخدرات، وكأن كل من انتخبه من الفرنسيين، أكانوا من البيض أو السود أو الخمريين المنحدرين من أصولٍ مغاربيةٍ وعربية، هم حتمًا من تجار المخدرات وقطاع الطرق، كما يقول إريك زمور. "عمدة تجار المخدرات"، كما يُصر أنصار اليمين المتطرف على وصفه، انتخبه فرنسيون بيض وسود ينتمون إلى أحزاب "فرنسا الأبية" و"الحزب الشيوعي" و"الخضر"، بشفافيةٍ ديمقراطيةٍ يرفض "ديمقراطيو" اليمين المتطرف الاعتراف بها بحجة انتماء صُنّاعها إلى فرنسيين "مزيفين" مرتبطين بأرض موليير بالأوراق فقط. هؤلاء يُعتبرون، في تقديرهم، من المعادين للسامية حتمًا، ما داموا من أنصار جان لوك ميلنشون، الذي يندد بإبادة غزة من دون التشكيك في حق إسرائيل بالوجود. رغم ذلك، لا أحد من الوطنيين الفرنسيين البيض "يهضم" انتخاب بغايوكو، الأسود البشرة، ديمقراطيًا، وهو فرنسي وُلد في الوطن نفسه. الإعلاميون الذين أمطروا بغايوكو بعنصريةٍ يندى لها جبين الإنسانية داسوا على أبجديات الممارسة الصحافية بانتهاكٍ صارخٍ لأخلاقيات المهنة.
فيلسوف وطبيب نفسي في خدمة العنصريين
لم يقتصر أمر التشنيع العنصري على جهابذة التمييز العرقي، والتحق بركبهم الطبيب النفسي جان دوريدو بقوله لقناة "سي نيوز": "نحن البشر كائنات اجتماعية من الثدييات التي تنتمي إلى فصيلة القردة العليا". يومًا بعد ذلك، استقبلت القناة الفيلسوف ميشال أونفري، الذي زاد "الطين بلة" بقوله: "رئيس بلدية فرنسا الأبية يتبنى موقفًا ذكوريًا مهيمنًا بدعوته إلى الولاء، تجسيدًا لسلوكٍ قبلي". كما كان منتظرًا، قرر بغايوكو رفع دعوى قضائية ضد قناة "سي نيوز".
وزيرة الثقافة الماكرونية تدين أيضًا
خرجت الحكومة الفرنسية عن صمتها من خلال تصريح وزير الداخلية لوران نونيز، الذي قال: "الجمهورية تعترف بكل أبنائها". كما دانت وزيرة الثقافة كاترين بيغار الهجمات العنصرية. وفي سياقٍ تاريخي، ذكّر الصحافي روني ديلي بأن جان ماري لوبان هاجم قبل 35 عامًا الوزير الطوغولي الأصل كوفي يامنان بخطاباتٍ تقطر عنصرية، وهي الرسائل التي نشرها الأخير في كتابه "مذكرات من وراء الحقد"، الصادر عن "أمازون" عام 2021.
تأكيدًا لصحة ما جاء في مقالنا، بلغ يوم الأربعاء الماضي استياء بالي بغايوكو ذروته من التشنيع العنصري الذي يتعرض له، مُطالبًا بغلق قناة "سي نيوز". وإذاعة "فرانس إنفو" أكدت، من جهتها، تلقي البلدية التي انتُخب على رأسها سيلًا من المكالمات العنصرية.


تحميل المقال التالي...