نشاهد في المعرض الباقي من أعماله آدم وحوَّاء في لوحة مركونة على الجدار، آدم يمسك بيد حوَّاء وهما في الجنَّة وأمامهما يجري الماء في نهر صغير، والأشجار تملأ اللوحة، إنَّها تمسك التفاحة مقطوفة من الشجرة التي أودت به وأنزلتهما من الجنة إلى الأرض كي يسعيا في طلب رزقهما، وهي تعطيه إياها ليأكلها فيحلّ عليه غضب الرَّب لأنه حذرهما بأن لا يأكلا من شجرة التفاح، وقد أغوت الحية حواء وأفهمتها أنَّ الرَّب مسامح لا يمكن أن يفعل شيئًا.
وفي لوحة أخرى نشاهد نبي الله نوحًا عليه السلام هو ومجموعة من الصالحين وقد ركبوا ظهر السفينة التي عليها كلُّ الحيوانات وكلُّ أنواع الطير، الصالحون يرتدون الملابس الطويلة وعلى رؤوسهم ما يغطيها وبأيديهم سبحات يرتلون اسم الله صبحًا وعشيًا... إنَّه مشهد ولا أجمل منه، وهنا يبرز أحد الصالحين وبيده سبحة يردد فيها ما شاء الله له وبيسراه كتاب وكأنه أحد الأولياء أو الأنبياء، وأمامه يربض أسد في وضعية جانبية وهو في حالة الاطمئنان والرضى، وكأنَّه يريد أن يقول إنَّ هذا الرَّجل قد استجابت له حتى أخطر الحيوانات، ولقد ركعت له.
وثمة صورة أخرى موجودة على الطرف الأيمن من الجدار وفيها براق النبي الذي حمله من بيته إلى السماء السابعة ليقابل الذات الإلهية ويجلب معه أحكام الصلاة، والبراق مزين بالألوان، إنَّه حصان ولكنَّه ليس ككلِّ الاحصنة، له جناحان على امتداد اللوحة ملونان بالأبيض الذي هو لون السلام والمحبة، وحوله السماء وقد ترصعت بالنجوم المضيئة، إنَّه ينتظر النبيَّ ليخرج ويركب على ظهره ولينطلقا إلى السماء، ولقد وضع وجه امرأة جميلة مكان وجه الحصان كي يبيَّن للناس أنَّ دين الإسلام هو دين المحبَّة والعدالة والسلام، ويعلو الرأس تاج من الذهب والأحجار الكريمة.
الموضوعات البطولية تبدأ من عصر ما قبل الإسلام إلى العصور الوسطى، وتجد على الجدران صورة عنترة العبسي، حبيب ابنة عمه عبلة وحامي الدَّيار حين لا تجد من يحميها، وكذلك يظهر لنا شيبوب الذي يساعد عنترة وقت محنته. إنَّه الفارس الذي لا يبارى، يتمنطق بلباس الحرب، بيده رمحه والسيف على جنبه، وقد اعتلى فرسه واستعد للمعركة. وهناك أبيات من الشعر منسوبة إليه موجودة في الأعلى من ناحيتي اليمين واليسار، وعند الرأس مكتوب "أبو الفوارس عنترة"، وقد ربَّى شاربين كبيرين، ويحمل رمحًا وهو مندفع، وفرسه كذلك، متجهًا نحو العدو، وقد لوِّن بالأسود، بينما شيبوب يقف في يسار الصورة. وتبدو عبلة وهي تركب الهودج وتطلُّ منه وهي تحرِّض أبا الفوارس على خوض المعركة. تبدو الخلفية ملونة بلون الرَّمل الأصفر، وفي الأسفل بعض النباتات، وملامح الغضب تبدو على وجهه الملوَّن بالأسود وتفرُّعاته.
كذلك نجد شخصيات بني هلال أصحاب التغريبة المشهورة، والزير سالم، هناك يقارع عمرو بن ودِّ العامري وهو يلوح بالرجل المقطوعة. إنَّنا نجد أنفسنا في غمار المعركة ونحن ننظر إليهم.
وفي صورة أخرى يظهر الفارسان أبو سعدة الزيناتي خليفة ودياب بن غانم يعتليان جواديهما في وضعية التقابل، وكلُّ منهما يحملُ رمحًا بيمينه ودرعًا بيساره. يصوِّب الأمير دياب رمحه إلى عين أبي سعدة في أرض صحراوية تظهر فيها بعض أشجار النخيل.
ويمكن أن نتعرَّف على شخصيات تركت بصمات واضحة في التاريخ العربي كشخصية صلاح الدين الأيوبي الذي حرَّر القدس وأقام دولة تمتد من العراق إلى مصر، وقد وضعت صورة شخصية فوق ضريحه بالقرب من المسجد الأموي بدمشق.
وفي صورة أخرى يبدو الظاهر بيبرس وقد جلس على العرش، وقد اصطف أمامه البطل معروف بن جبر، يحيط به اثنان من الفرسان، وكلُّهم في حالة تأهُّب ينتظرون الأمر بالهجوم. فيما تمتاز الوجوه بسحنة عربية مائلة في العيون والحواجب والشاربين الطويلين والكثيفين مع اللحية الكثة، وتعلو الرأس خوذ حربية مزدانة بالريش، وتسرج الخيول أو الجمال بأغطية مزخرفة وهي تتدلَّى على الجانبين.
ومن الموضوعات الاحتفالية التي تظهر عودة الحجاج من بيت الله الحرام والضرب على الدفوف لدى استقبالهم. النساء يركبن الهوادج والرجال يهرعون إلى الأمام ليستقبلوا القادمين إليهم، وفي غمرة ذلك ترانا وقد اندمجنا في الصورة فتخالنا نحن وإياها في الفلك المشحون. إنَّهم يحيُّون بأغصان الشجر وأولئك يسرعون للقياهم على أحرِّ من الجمر؛ صورة تعبِّر عن أدقِّ اللحظات إنسانية وهي تصوِّر لنا عودة الحجاج وأمير الحج ينطلق أمامهم هو والمحمل الخشبي المجلل بالأثواب القماشية المزدانة بالرسوم والزخارف الملونة والمذهبة تحيط بها آيات قرآنية، وهذا المحمل يرتفع على ظهر جمل كبير تكسوه الزينة التقليدية. وهناك جمل آخر يمضي خلفه خصص لحامل راية الحج. وهناك رجال وفرسان ودراويش وخيول تحمل الهدايا، تعلوها جميعًا صورة الوالي أو السلطان.
جميع هذه الأعمال تعتمد على المخيلة الشعبية في رسم الأشكال الواقعية وغيرها، بأدوات فنية بسيطة يكون الخط الأسود الدقيق هو العنصر الأساسي في تكوين الأشكال بعفوية ظاهرة وسذاجة، والخط الرشيق ينطلق بجرأة متجاوزًا القيم التشكيلية التقليدية والنسب التشريحية وقواعد المنظور.
غالبًا ما تصوَّر الشخوص في أوضاع جبهوية، ونادرًا ما تكون في أوضاع جانبية، أمَّا الحيوانات فتكون بأوضاع تظهر جميع أطرافها، إنَّها تخلو من المواصفات المكنية، وتكون في كلِّ أشكال اللوحة بدون مراعاة للنسب أو للمنظور التقليدي، على حين نجد الفراغ يملأ اللوحة بعناصر بسيطة كالنباتات والنجوم.
يصرُّ أبو صبحي التيناوي على تذييل اسمه في أسفل اللوحة ليساهم في تكريسها من أجل الإفصاح عن مدلولاتها وتذكر أسماء الشخصيات المرسومة واسم الفنان وتاريخ العمل.
تتموضع الألوان بصيغ بسيطة، ويبدو اللون الأحمر واللون الأصفر إلى جانب نسب محدودة من اللونين الأزرق والأخضر تحيط بها خطوط سوداء، ويشارك اللون الذهبي بنسب كبيرة في العناصر التزيينية والزخرفية، كلُّها من صنع الطبيعة، وتصطبغ هذه الأعمال بصفة تعبيرية تبدو من خلال وضعيات للأشخاص وعناصر الزخرفة التي تشمل اللباس وسروج الخيول والجمال والعدد الحربية.
الشخوص الرئيسية تنتصب في اللوحة بحجم كبير بينما الشخوص الثانوية تبدو بحجم أصغر، فلكلِّ شخصية ما يناسب مقامها ومكانتها، إنَّها تحاول خلق معادل تصويري للحدث الذي تعالجه، الفارس يشطر رأس العدو بدون أن يقع عن فرسه، ويقطع الرجل ليرمي بها الآخر، الجان والمردة يحملون عرش بلقيس إلى النبي سليمان وهم بأشكالهم الغريبة وألوانهم الزرقاء وقرونهم السود المنتصبة.
عالم من الجمال يرتمي على الجدران والفنان يرسم أشكاله بدقة وعناية، لا يهمَّه العالم وما يجري فيه خارج اللوحة.


تحميل المقال التالي...