}

شموخ الجبال وشموخ المقاومة

كمال عبد اللطيف كمال عبد اللطيف 13 مايو 2026
يوميات شموخ الجبال وشموخ المقاومة
جبال البيرنيه (Getty)

1 ـ استأنست سنوات عملي الأولى بداية سبعينيات القرن الماضي بقضاء جزء من عطلة الصيف كل سنة في مخيمات أندورا وسط جبال البيرنيه Pyrenees (البرانس)، الفاصلة بين إسبانيا وفرنسا، وهي جبال تضم عددًا من القرى الجميلة، وتعرف بجاذبيتها وسحرها... وتستقر في الجانب الأيمن من هذه السلسلة الجبلية، للقادم إليها من إسبانيا، وفي الجانب الأيسر، للوافد إليها من فرنسا. تستقر إمارة أندورا Andorra المستقلة والمستقرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها 85 ألف نسمة في قلب هذه السلسلة، وهي تتميز بهدوئها وطقسها الجبلي، وبكل المتع والرياضات المرتبطة بالتزحلق على الجليد، والسباحة في المياه المعدنية، إضافة إلى بعض صور التجارة المعفية من الضرائب و(الرسوم) الجمركية... ومن دون أن ننسى الإشارة إلى نوعية المباني والعمارات التي تملأ منحدراتها. لا أدري ما الذي دفعني إلى العودة إلى أندورا وبشكل منتظم في السنوات الأخيرة، رغم أنني لم أعد أستطيع نصب خيمة الإقامة، ولا النوم فيها، كما كنت أفعل قبل أربعين سنة. ومع ذلك عدت إليها، بحثًا عن لحظات هدوء وصفاء، لحظات حنين إلى زمن ولّى، وترك في الخاطر ما يدفع إلى ضرورة التشبت به. أعود إلى أندورا بحثًا عن لحظات هدوء أصبحت شبه مستحيلة في المدن، أعود إليها هروبًا من صُوَر الصراع، التي تجري منذ سنوات وبدون انقطاع في مناطق عديدة من العالم. وما أن وصلت ربيع هذه السنة إلى الإمارة المقيمة وسط الجبال، الإمارة الساحرة والمحاطة بسلسلة الجبال المكسوة في أعاليها ببقايا الثلج، والمحاطة في الآن نفسه، بمجاري المياه والبحيرات والأشجار المكثفة، التي تلوّن جنباتها بالعديد من اللّوينات الخضراء، حتى وجدت نفسي في عالم آخر. وجدت نفسي في الغرفة التي اخترت لقضاء أسبوع أمام مرتفعات الجبال، وكنت أينما وليت وجهي داخل الغرفة أجدها أمامي، أجد الجبال والأشجار، أنظر يمينًا وشمالًا فلا تفارقني المرتفعات، وقد امتلأت بعض جنباتها بالمباني والأضواء. قبل أربعين سنة، كنت أنام في المخيمات القائمة في المنحدرات على عتبات الجبال، ولم أستطع رؤية شموخها، واليوم وأنا أتطلع إلى القمم من غرفتي في الفندق لا أرى الجبال فقط، بل أرى شموخها. لم أذهب إلى الجبل بحثًا عن عبرة أو عظة، ولم أذهب إليها أملًا في سماع أصوات ورؤية ألوان، بل ذهبت متطلعًا إلى تحصيل مُتعٍ تُخَلِّصُني من كل ما يجري أمامي منذ سنوات، في قلب الأرض العربية، وفوق أرض فلسطين المحتلة، ذهبت لأنني لم أعد قادرًا على فهم نوعية الصراع القائم في العالم، ولأن المنظمات الدولية التي يفترض أن تعمل على تدبير آليات في العمل، القادر على تنظيم العلاقات الدولية، في ضوء متطلبات القانون الدولي، لم تعد قادرة على المساهمة في محاصرة إرادة القوة التي تُعَدّ اليوم، العنوان البارز في العديد من بُؤر الصراع المشتعلة هنا وهناك. أتابع ما يجري أمامي في العالم، وأفترض أن ما يحصل فيه من أحداث ووقائع، وإن كان يصعب حصرها وضبط حدودها ومداها، إلا أن آثارها تنعكس على نمط التحولات التي يعرفها العالم، كما تنعكس آثارها بصُوَر متعددة على أحوال مجتمعي وأحوال المشروع التحرري العربي، مشروع النهوض العربي، ومشروع تحرير فلسطين. لم يعد بإمكاني التفكير في المتغيرات الوطنية في المغرب وفي بلدان المغرب العربي، خارج التفكير في أحوال ومتغيرات المشرق العربي، والحروب والمعارك المشتعلة اليوم، في بلدان المشرق العربي وفي فلسطين ولبنان وسورية، تعد جزءًا من حرب شاملة تروم محاصرة الطموح العربي في التحرير والتنمية والاستقلال والتقدم، وهي تحمل كثيرًا من علامات أوجه ترتبط بمعطيات وخرائط بدايات وأواسط القرن العشرين، كما تحمل علاقات أخرى تؤرخ لتحولات نهاية القرن الماضي وبدايات الألفية الثالثة. لا أتردد في القول بأن كثيرًا من مظاهر الغليان الجارية ترتبط بجوانب محددة مما أشرت إليه، كما ترتبط بصُوَر التراجع المخيف التي تملأ الحاضر العربي. ولهذا السبب، قرأت في انتفاضة طوفان الأقصى فعل مقاومة ومواجهة لجنون الحركة الصهيونية، وهي تواصل التنكيل بالفلسطينيين في الأرض المحتلة، وفعل مقاومة متواصلة لجنون الصهاينة والغرب الإمبريالي، وهما معًا يواصلان إبادة الفلسطينيين في غزة ومحاصرتهم في الضفة والقطاع، زمن السلام والتطبيع، وإسرائيل الكبرى في الشرق الأوسط الجديد!!
2 ـ أفتح عيوني وأسبح في فضاءات السلاسل الجبلية المترامية أمامي، أرى شموخ الجبال يعانق السماء، أشعر بحركية تحصل في المرتفعات، وهي أشبه ما تكون بحركية الموج وسط البحار والمحيطات، ولا أتردد في وصف إرادة المقاومة الفلسطينية بالشموخ المماثِل لشموخ الجبال، التي تواصل مواجهة موجات وعوامل الطقس والتعرية والحرق، رافعة راية استعادة الأرض وعودة الفلسطينيين، وذلك رغم كل عنف الحروب والمآزق، عنف النكبات التي حصلت وما فتئت تحصل إلى يومنا هذا.. فكيف نواجه الأحداث والوقائع الكبرى المرتبطة بحاضرنا؟ كيف نعيد الصراع إلى الواجهة بلغة جديدة، ومعطيات سياسية وتاريخية مرتبطة بمآلات الراهن العربي والفلسطيني؟ يتواصل الصراع الفلسطيني مع دولة الكيان الصهيوني، حتى عندما يتخذ مظاهر ترفع لافتات السلام والاستقرار والتعاون وتبادل الخدمات... ويمكن أن ندرج اتساع مساحة التطبيع والمطبعين ضمن الإطار نفسه، ذلك أن اختراق إسرائيل لبلدان الخليج وبعض بلدان المغرب العربي والسودان، يُقرأ ويُفهم ضمن موازين الصراع القائمة، والمؤدية إلى آثار وتحولات في الوعي بالقضية وببعض أبعادها. إلا أن كل ما ذكرنا وسواه، وإن كان يَمُسّ بجوانب من القضية الفلسطينية، فإنه لا يمكن أن يطفئ جمرتها... فليس من السهل التضحية بتاريخ طويل من النضال من أجل تحرير فلسطين... تاريخ شعب ووطن. لِنقترب أكثر من الأحوال الفلسطينية اليوم، لِنقرأ حروب وخرائط ما يجري في سورية ولبنان والعراق واليمن وليبيا، لنتابع الخلافات الفلسطينية الفلسطينية، ثم لِنقترب من التغلغل والاختراق الصهيوني المتواصل في المغرب والسودان وفي الخليج العربي، وقبل ذلك في كل من مصر والأردن، لعل صورة الراهن تساعدنا في بناء ما يُفْصِح عن بعض أوجه ما يجري أمامنا، وذلك رغم صعوباته... بالأمس وضمن دائرة الصراع، كان التطبيع يجري خلف الستائر، واليوم أصبح يجري أمامنا، ولم يتمكن الأول كما لن يَتمكَّن الثاني من وقْف مسلسل الصراع.




إذا كان من المؤكد، أن مأزق الراهن الفلسطيني، تحكمه عوامل سياسية وتاريخية، تعد محصلة تراكم تاريخي طويل ومعقَّد، فإن النظر في مسألة رفعه وتجاوزه تُعَدُّ من الأولويات اليوم، في أي حركة أو موقف سياسي يتوخى المساهمة في إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، كمشروع في التحرر في عالم يتغير بوتائر سريعة لا تقبل الانتظار والتردد. إن رفع شعار إعادة بناء القضية، والسعي لتخليصها من الأحكام والمواقف التي أصبحت تصنع لها اليوم مسارات جديدة، هو الطريق المناسب لِتَعَقُّل مآلات راهنها... لا نرسم في هذا المقترح ملامح وصفة جاهزة، بل نحاول التفكير فقط في كيفية من كيفيات تجاوُز مآزق ومتاهات الحاضر الفلسطيني، ولن يحصل هذا التجاوُز، ولن تتضح ملامحه العامة، من دون جهد في النظر والممارسة، مغاير للطريق المسدودة أمامنا اليوم... ولن يمنعنا أحد من التطلع إلى الممانعة والمقاومة. لم تتوقف المعارك، ولم تتوقف الحروب والهزائم والمقاومات، ولم يتوقف القتل والتعذيب... وبجوار ذلك، لم تتوقف الخيانات وأشكال التزوير... تواصلت أجيال من المقاومين والمنتفضين، وبجوارهم تواصلت أيضًا، أجيال من المتواطئين والخائفين والمطبّعين، وبمحاذاة كل ما سبق، تمكَّن الكيان الصهيوني خلال عقود القرن المنصرم، من رِبح كثير من الوقت ومن الأرض ومن التاريخ، تمكَّن من كل ذلك، مواصلًا قَهْر شعب بأبْغَض الوسائل وأحقرها، ومواصلًا إخلاء القرى والمدن، وقد استخدم من أجل تحقيق أهدافه، التطهير العِرْقِي والتمييز العنصري، قام بتغيير أسماء الأماكن ومارس تزوير التاريخ بالأساطير التوراتية، ليقيم بتوسُّط كل ما ذكرنا، دولة الكيان الصهيوني في فلسطين قلب الوطن العربي. أستعيد كل ما سبق، وأنا أسمع هدير الحرق والقتل والتهجير فوق الأرض وتحتها، أتصوَّر اقتراب موعد المواجهات الجديدة، القادرة على وقف العدوان وتجاوز حالة الجمود القائمة... يتحول صوت المقاومة إلى أصوات مجلجلة، فأتساءل هل اقتربت ساعة المواجهة الكبرى؟ أقول في نفسي ذهبت إلى أندورا لأستريح فوجدت نفسي في قلب ما يجري في لبنان وسورية وفلسطين.
3 ـ لم يعد المشهد السياسي العربي الفلسطيني واضحًا، تراكمت المآزق، واتسع الانقسام الفلسطيني، تناسلت الجماعات واختلطت الشعارات والأهداف، خَيَّم الغموض على آليات العمل والمقاومة... اكتفى العرب بصيغ جاهزة في مؤتمراتهم تعلن تضامنهم المطلق مع الفلسطينيين، وتستقبل الوفود الإسرائيلية، وفود السياح والمستثمرين والخبراء! فترتب على ذلك كثير من العجز والغموض، في موضوع العلاقات العربية الفلسطينية، ومقابل ذلك، حصلت كثير من المكاسب السياسية في الراهن الإسرائيلي، واتسع سلم اختلال ميزان العلاقات الفلسطينية مع دولة الاحتلال. لا يجب أن نتردد، أو نخجل من الحديث عن إمكانية المقاومة بالصمت والجفاء والغضب الصامت، فعندما نكون أمام جبروت خيارات وسياسات، لا نستطيع اليوم والآن مجابهتها، ومغالبة صور اختراقها لوجودنا، فلن يمنعنا أحد من لبوس حال الصمت، بكل المزايا التي يستبطن والآفاق التي يفتح أمامنا... الصمت هنا خيار مؤقت، يُفضي آجلًا أو عاجلًا إلى طريق لا أحد يستطيع أن يتكهن الآن بمزاياه أو نواقصه. ولنواصل معاينة أحوال الفلسطينيين، لنواصل تضميد جراحنا، ولا نتوقف عن الصراخ والغضب المقاوم والصامت، لنواصل تأمل شموخ الجبال في الأعالي... وشموخ أفعال المقاومة والتحرير... كان حنظلة يبكي وحده عندما كان صغيرًا، أسفل أو أعلى أو وسط رسومات ناجي العلي، ولأنه اليوم تجاوز ستة عقود من الزمن، بكل ما لها وما عليها... ولأنه لا يرتاح كما عودنا صغيرًا للبكائيات، فقد انخرط في العمل، انخرط في الرسم والكتابة وقول ما نعجز عن قوله، انطلق لاحتضان قضيته، قضيتنا وقضية الأحرار في العالم، احتضان المقاومة والمشروع الوطني الفلسطيني. يبرز شموخ المقاومة الفلسطينية في مظاهر التضحية، التي ملأت تاريخ أجيال عديدة من الشعب الفلسطيني والعربي، تبرز في أنماط المواجهات التي سمحت باستمرار حضور المشروع الوطني الفلسطيني، رغم كل النكبات والهزائم. ويتمظهر شموخ الجبال في نمط حضورها، رغم كل التحولات التي تلحق بِنياتها ومكوناتها خلال فصول السنة، وطيلة عقود وقرون تمددها وتموج تضاريسها وتغير ألوانها في الأعالي... الشموخ في الطبيعة والإنسان عنوان أمل قادر على صناعة وتركيب ما يمكن أن يساهم في تعزيز مسارات جديدة في التاريخ، مسارات تحكمها موازين وتحولات سياسية تحصل بحسابات جديدة، مرتبطة بنمط الصراع وأيضًا نمط الأطراف التي تنخرط فيه، فلنعانق شموخ مقاومتنا القادمة...

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.