نبيل لحلو (1945 ـ 2026) مُخرج ومُؤلِّف ومُمثِّل مسرحي وسينمائي مغربي درسَ الفن الدرامي بمدرسة "شارل دولان"، وفي جامعة "مسرح الشعوب" في فرنسا. في أعماله السينمائية والمسرحية يذهبُ إلى الإبداع الذي يُفاجئك في غرابته ويُدهشك. لحلو الذي خسره المسرح العربي فنَّانٌ صُاخِبٌ ثائرٌ، وقاسٍ وعنيف. لا تجلسُ في صالة المسرح أو السينما لتتفرَّج؛ إلاَّ ويُثيرك، يستثيرك، ويَستفزُّكَ لتُفكِّر. تُفكِّر وتسأل: مَنْ فعلَ بنا هذا؟ نبيل لحلو لا يُهرِّج، لا يُمازح ـ تضحك ولكن من كثرة ما تبكي، وتبكي من كثرة ما تضحك. طُغاةٌ يدفعوننا إلى لا نهاياتنا بأسواطِهم فلا نندفعُ ـ بحسب نبيل لحلو الفنَّانُ ذو الوجه الواحد إنْ على خشبة المسرح، أو في الشارع والأسواق. صادقٌ، صريحٌ، جريءٌ، شجاعٌ. كما أنه أحدُ أبرز وجوه ما يُعرف بـ (سينما المؤلِّف)، أخرجَ سبعة أفلام: "القنفوذي" (1978 ـ وهو أوَّل أفلامه)، "الحاكم العام لجزيرة الشاكر باكر بن" (1980)، "إبراهيم ياش" (1984)، "نهيق الروح" (1984)، "كوماني" (1989)، "ليلة القتل" (1992)، و"سنوات المنفى" (2002). سينما تَرجَمَ فيها أحاسيسَ خائفة، واستثارَ انفعالاتٍ مكبوتة. وجوهٌ تعبيرية، أفعالٌ، أخاديد وحزوز، من التكثُّف إلى الانعكاس، مغامرةُ الضوء مع العتمة، من وجهٍ انعكاسي إلى وجهٍ تكثيفي، محاكاةٌ ساخرة، وبإحساسٍ خاص بنبيل لحلو.
أيضًا، هو حاول نقلَ الفلسفةَ إلى الخشبة، ومن الخشبة إلى المُتفرجين، لم يتأمَّل فحسب، ولكن يُريك أيضًا كيف تُصيب هدفكَ الذي تتأمَّله فتتَحسَّس رؤوسَ أصابع يديك وأرنبة أنفك؛ جبينكَ إنْ كان الدمُ يسيل منها، هو يُباغتُك بينما أنت تعدُّ واحدًا، تراه عدَّ وليس قفز إلى المائة. فنَّانُ صدامي كان يتصادم، أو يصطدمُ مع موظفي الفن والثقافة بمواقفه الجريئة التي تُجرِّمُهم لكثرة ما يلعبون لعبًا مُخزيًا.
المُخرج والممثِّل نبيل لحلو فنَّانٌ ساخر، هازئ، متهكِّم، خيَّال يُخيِّل؛ يُخيِّل بالفعل الواقعي حتى يتحطَّم ويصير ذراري لِشدَّةِ سخريته من واقعيته التي تستخفُّ بعقل المُتفرِّج/ الإنسان ـ عقلكَ، عقلُنا. ذلك في مسرحياته التي كتبها وأخرجها مثل: "أوفيليا لم تمت"، و"المليارديرات"، و"يوميات أحمق"، و"محاكمة سقراط"، و"الإمبراطور شريش ماتوري". وكذلك في مسرحيته الجديدة "ماشا مشمشة تريد دورًا في فيلم محاكمة سقراط"، والتي قدَّمها على خشبة مسرح محمد الخامس في الرباط يوم 26 نيسان/ أبريل 2026، والتي يروي فيها جزءًا من سيرته الشخصية، وكانت من آخر أعماله المسرحية.
المسرح عنده هو فنٌّ نخبوي من تراجيديا ناقدة، أو كوميديا متهكِّمة، ولكنَّه مؤلِّفًا ومُخرجًا كان يهزُّ كل الثوابت في حياتنا، سواء أكانت مرجعياتها دينية، أو سياسية، لنرى صورتنا الحقيقية ونحن نُعاني من الجوع إلى الحريَّة والكرامة. في مسرحه لمَّا تضحك فهو لا يُحقِّر الشخصية المُستهدفة، بل ليُريك غباءَها، وكَمْ هي شخصيةٌ تملكُ طاقة زائدة من العداءِ للاعتداءِ على الآخر باعتبار الآخر ضحية.
لحلو اشتغل على التجريب مستفيدًا من إرهاصات الحداثة الغربية، الحداثة التي تقولْ ولا تقولْ، تبني ولا تبني، إذْ يتحوَّل فيها الإنسان إلى (آلة) وقد تمَّ تجريده من مكوناته الروحية؛ الوراثية والثقافية والتاريخية. وما كان يُفزعه في التجريب، أو التجديد، بعبارة أدق، هو ألاَّ يُعتدى على العقل فيُعدِّده الواحدَ على إنَّه عشرة، أو ألف، بحجَّة كسر القالب، أو النمط، فيصير التجريب بمثابة اختراق وتخريب للشكل المسرحي الكلاسيكي، خاصةً وأنَّ المسرح العربي لم يصل بعد إلى مرحلة الترف الفكري والفني، وأنَّ المسرحَ ما يزال عدوَّ الأنظمة التي تتَدمَقرَط، وتلك المُستبدة، وتلك التي تُكفِّر الفنون ومن يشتغل فيها. فلا مسرح من دون كيانات تتصارع وحوار يُنمِّي الصراع. الفنان لحلو مسرحيٌ نادرٌ قَاتَلَ في مسرحه وبضراوة ضدَّ تهميش الإنسان، والاستخفاف بكرامته، وبأصابع يديه وأظافره واجَهَ مخالبَ وأنيابَ الطُغاة، من على خشبة المسرح، وبكثيرٍ من الصرامة الجمالية.
في رحيل المسرحي المغربي نبيل لحلو: الاشتغال على التجريب
أنور محمد
17 مايو 2026
مقالات اخرى للكاتب
مسرح
28 مايو 2026
سير
17 مايو 2026
عروض
10 مايو 2026
آراء
28 أبريل 2026


تحميل المقال التالي...