في الثامن عشر من أيار/ مايو، حلّت الذكرى الثالثة عشرة لرحيل المفكّر السوري د. طيب تيزيني، الذي غيّبه الموت عام 2013 عن عمر ناهز 85 عامًا في مدينته حمص، بعد تاريخ حافل بالإنجازات الفكرية والمواقف الوطنية النضالية.
اعتمد الراحل على الجدلية التاريخية في مشروعه الفكري لإعادة قراءة الفكر العربي منذ ما قبل الإسلام حتى عصرنا الراهن، وهو من أبرز الحداثيين الذين اهتموا بالدراسات الإسلامية عمومًا، والقرآن الكريم خصوصًا، ومن أبرز المفكرين العرب الذين حاولوا بناء مشروع فلسفي عربي معاصر يجمع بين الفكر الإسلامي والمنهج الماركسي التاريخي. وقد تمّ اختياره ضمن أهم مائة فيلسوف عالمي في العصر الحديث عام 1998، وكان مشروع النهضة الهدف الأكبر له بعد أن عمل على مشروع الثورة طويلًا، وذلك لتمهيد الطريق لإحداث تغييرات إيجابية في المجتمعات العربية داخليًا، والحامل الاجتماعي لهذا المشروع يتمثّل في القوى الثورية التي تقف في وجه الفساد والاستبداد بداية، وفي الأمة كلها من أقصى اليمين الوطني والقومي الديمقراطي إلى أقصى اليسار، فيما بعد، وفي مرحلة ثانية من مراحل فكره وفلسفته.
ولم يكن الراحل سياسيًا محترفًا، لكنه استطاع تقديم إضافات هامّة للحركة السياسية العربية، تمثّلت في مفاهيم ومقولات: الدولة الأمنية، رباعية الاستبداد، ثلاثية الفساد، الحطام العربي، النهضة، الديمقراطية والعلمانية.
ناهض تيزيني الدولة الأمنية العربية بشدة، وحاول تفكيك مرتكزاتها، لأنها ساهمت في إجهاض الثقافة والليبرالية معًا، وأدّت إلى حدوث شرخ كبير بين الثقافة والسياسة، وجعلت المثقفين عاجزين عن الفعل الحقيقي، وأدّت إلى دخول بعضهم في بنية هذه الدولة، وسارعت في الهزيمة الكبرى لمشروع المثقف العربي. وقد أرجع تشكّلها إلى الانقلابات العسكرية، وبداية مشروع الوحدة بين سورية ومصر، وقال إن العرب يعيشون حالة صعبة ومأزومة: "فالدولة الأمنية صادرت السياسة والديمقراطية وابتلعت كل القوى والمرجعيات السياسية والثقافية، ثم المجتمع نفسه".
وقد تحدّث في لقاءاته وكتاباته عن النظام الأمني الذي رفع شعاره الشهير: "يجب أن يفسد من لم يفسد بعد"، ليصبح الجميع ملوثين ومدانين وجاهزين وقت الطلب، وليتحوّل المجتمع إلى خصم لهذا النظام وأداة وقطيع، من خلال إعادة إنتاج الفساد والتخلّف، وليعيش في "حالة من القنوط والقسوة، وليجفّف كل ما يمكن أن يُنتج الإبداع في الاقتصاد والسياسة والثقافة والقضاء. وبذلك لا تبقى فئة تستطيع أن تكون الحامل الاجتماعي للتغيير".
عارض تيزيني نظام الأسدين الأب والابن، واتخذ موقفًا معلنًا منذ بداية الثورة السورية، وشارك في 16 آذار/ مارس عام 2011 بالاعتصام الشهير أمام وزارة الداخلية السورية للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين والديمقراطية، وقد تعرّض آنذاك للضرب والإهانة والاعتقال. ولا ينسى السوريون انهياره باكيًا أمام شاشات التلفزة عند حديثه عن مجزرة الساعة بحمص في أيار/ مايو 2011، حين شنّ النظام البائد هجومًا عنيفًا على المتظاهرين السلميين بالدبابات، وقصف منازل المدنيين بمدافع الهاون، مما أدى إلى استشهاد وجرح واعتقال أعداد كبيرة منهم، ودمار هائل في كل مكان. وهاجم الحل الأمني العسكري الدامي للنظام وحلفائه لمواجهة ثورة السوريين، وتنبأ ابن "باب الدريب"، أحد الأحياء العريقة بحمص القديمة، قبل ذلك بكثير، باحتمال انفجار طائفي في بلاده، وكتب عن بدايات الثورة ومطالبها، رغم بقائه داخل سورية ورفضه مغادرتها: "كانت المظاهرات تسعى إلى إعادة البناء من داخل البناء نفسه وعبر الجميع. لقد خرجوا باسم مطالب طُرحت سابقًا ولم يُستجب لها. وأتت المفاجأة بظهور السلاح واشتعال حرب لم تُبقِ حجرًا على حجر".
وكان طيّب تيزيني قد وقّع عام 2000 على وثيقة سياسية وتأسيسية دعت إلى إحياء المجتمع المدني والخيار الديمقراطي ودولة القانون، وذلك بعد توريث الحكم لبشار الأسد. ثم وقّع على "إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي" عام 2005 مع مجموعة من الأحزاب والشخصيات الوطنية الداعية إلى إنهاء حكم عائلة الأسد في البلاد والانتقال إلى نظام ديمقراطي، رغم انتقاداته للمعارضة والنشطاء في ذلك الحين، لاعتبارهم المجتمع المدني منطلقًا للشأن العام، بينما يرى هو أن "الأولوية يجب أن تُعطى لبناء الدولة الوطنية التي ستبني المجتمع المدني". وقد اعتبره البعض آنذاك متناقضًا وصاحب نزعات رغبوية أكثر مما هو صاحب رؤية عميقة لنظام الاستبداد، لا سيّما وأنه كان يعتقد بأن الإصلاح على أبواب دمشق، رغم انتقاده الدائم للاستبداد والحكم الشمولي الفاسد.
وانتُخب عام 2001 عضوًا في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي، وساهم في نهاية عام 2004 بتأسيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان (سواسية)، وانتُخب عضو مجلس إدارة فيها.
سعت إسهامات طيب تيزيني ومؤلفاته ومشاركاته في الشأن الفكري والفلسفي إلى تحرير الفكر العربي المعاصر من التبعية والسيطرة الغربية، وحفّزت العرب على استئناف التفكير كجزء من الفكر الإنساني عمومًا، رغم حرصه على الاستقلالية عن الفكر الإسلامي دون إنكار دوره في التطور الحضاري عمومًا.
حدثت انعطافة كبيرة في فكره حين انتقل من مشروعه الأول "من التراث إلى الثورة" إلى "من التراث إلى النهضة"، وكان يرى أن الخيارات تتغير تبعًا للوضع الراهن، وأن المشروع النهضوي هو الضامن للجميع. واكتشف أن "المسألة الدينية أُهملت إهمالًا مرعبًا من النخب الثقافية"، وأن من "المستحيل الوصول إلى فكر نهضوي بدون إعادة قراءة الفكر الديني والدخول إلى روح الوسط الإيماني".
قام مشروع المفكر الراحل على محاكمة الفكر العربي بمحاوره الاجتماعية والسياسية على أسس المنهجية الجدلية المادية، وعلى مشروع النهضة العربية، بعد إنهائه لستة مجلدات في الرؤية الجديدة لهذا الفكر. وكان يرى أن هناك معوقات كبيرة أمام هذه النهضة تتلخص في الفكر البنيوي التاريخي الذي يفرض أحكامًا غير تاريخية على العقل والمنطق العربي، وفي إشكالية قراءة وفهم الفكر الديني عمومًا والقرآن الكريم خصوصًا، ومشكلات فساد الواقع العربي المعاصر، والتحديات المفروضة من قبل الحضارة الغربية. وقد عبّر في "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي" بأجزائه عن فلسفته القائمة على إثبات أن هذا الفكر، متضمنًا فترة ما قبل الإسلام، هو مرحلة أساسية على سلّم تطور الفكر العالمي، وبذل جهودًا جبارة لإثبات صحتها، واعتبره الباحثون من أهم المشاريع الفكرية العربية في القرن العشرين.
اتخذ تيزيني الماركسية منهجًا في البحث والتحليل لقراءة التراث بأبعاده المعرفية كافة، وعمل على تفكيكه، معتمدًا على التحليل المادي التاريخي كما صاغه كارل ماركس، ومحاولًا تكييف أدواته بما ينسجم مع خصوصيات التكوين الاجتماعي العربي، ولكنه احتفظ في مرحلة لاحقة بالفكر الماركسي كمرجعية فلسفية بعد تخلّيه عن الطرح التقليدي له، القائل بأن عملية التحول المجتمعي تقوم على صراع الطبقات، واستبدالها بالاعتماد على أطياف المجتمعات كافة. وبمنهجه الفكري الفلسفي تحوّل التراث عنده من موضوع تمجيدي إلى تحليلي نقدي يكشف آليات إنتاج السلطة والمجتمع.
وقد جسّدت أعماله مثل: "الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى"، و"مقدمات أولية في الإسلام المحمدي الباكر"، و"من يهوه إلى الله"، سعيه لقراءة الفكر العربي داخل سياقه التاريخي والاجتماعي، حيث يتداخل الديني والفلسفي والسياسي في بنية واحدة تعكس تحوّل المجتمع وصراعاته.
وربط في أبحاثه الجمود الثقافي بـ "الاستبداد الشرقي"، ودعا القوى العربية الفاعلة إلى رفض الغزو الثقافي والاستعمار، وإلى التمسك بالاستقلالية، كما حمّل الدين والفهم السكوني له مسؤولية التخلف، داعيًا لاستئناف الاجتهاد وممارسة التأويل، مؤكدًا أن مشكلة العالم العربي تكمن في سيطرة الأفكار الجامدة اللانقدية عليه.
انتقل تيزيني خلال مراحله الفكرية إلى القناعة بأن التطور الديمقراطي العربي لا بد أن يشمل الجميع، بمن فيهم الإسلاميون الذين "أصبحوا صوتًا مسموعًا وواقعيًا لا يمكن مجافاته واستبعاده". وأنجز خلال مرحلة تركيزه على عوائق النهضة العربية أعمالًا عديدة، منها: "من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي" عام 1996، بحث فيه القراءة الجابرية للفكر العربي وآفاقها التاريخية، و"النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" عام 1997، عمل فيه على إثبات تاريخية النص القرآني، وطرحه ضمن أفق معرفي، مركزًا على أنه نص تأسيسي حضاري تشكّل في لحظة تاريخية محددة، وبالتالي لا يمكن فصله عن سياقه الاجتماعي والثقافي والسياسي، إضافة إلى "من ثلاثية الفساد إلى قضايا المجتمع المدني" عام 2001، الذي جمع مقالات ودراسات رصدت مرحلة هامّة من تاريخ الفكر والسياسة، وناقشت أزمات العالم العربي في ظل ما سماه المؤلف "ثلاثية الفساد"، ومفهوم المجتمع المدني، وقد حذر فيه من تداعيات العولمة والتدويل على الثقافة والسيادة العربية.
نشر الراحل مئات الأبحاث والدراسات والمقالات حول الفلسفة العربية الإسلامية، والعلم والدين في الإسلام، وقضايا الفكر، وتحديات الثقافة العربية، والديمقراطية، والمواطنة، ونقد العقل العربي، ومحل العرب من الإعراب. وانتقد في أبحاثه أيضًا وجهات نظر المجددين الإسلاميين والمفكرين العلمانيين، لعدم اعتمادهم على المنهج التاريخي، وبدأ في منتصف التسعينيات بمواجهة قضية فكر العولمة الذي يُجهض أي احتمالات للنهضة العربية، ويهدد بتفكيك الهوية، وذلك لأن العولمة تبتلع العالم وتحوّل الإنسان إلى سلعة لا قيمة لها. ورأى أن المنهج السليم في معالجة الفكر العربي يعتمد على الاعتراف بالتعددية على المستويين المنهجي والنظري، والاعتماد على المنهج التاريخي الجدلي كما ورد سابقًا.
كما وقف ضد أحادية المفاهيم اللاهوتية للتاريخ، باستخدامه العقل الذي لا حدود له، وفصل بين السياسة والكهنوت الديني، حتى لا يبقيا مصدرًا لقهر الإنسان، وطالب دائمًا بحق الإنسان العربي في الحياة الحرة الكريمة، مؤكدًا أن النظام العربي الحاكم تقليدي، ولن يصنع النهضة، لأنه عدو لشعبه ويخاف الحرب مع الأعداء، وأن الحروب تزيد الأغنياء ثراءً، بينما تدفع الشعوب الفقيرة تكاليفها الباهظة المدمرة.
وكتب أيضًا عن "قانون الاستبداد الرباعي" بالثروة والإعلام والسلطة والحزب المهيمن، كما في سورية، مشيرًا إلى أن الإعلام العربي خاضع للنخب السياسية والمالية والثقافية والعسكرية، ويقوم بترويض الفكر المعرفي وتسطيحه.
أثار مشروعه الفكري نقاشًا واسعًا، ووُجّهت إليه انتقادات من خلفيات متعددة: إسلامية، ليبرالية، ماركسية، ومن باحثين في التراث، ومن أبرزها: قراءته للتراث العربي الإسلامي من خلال عدسة ماركسية مسبقة، وتفريغه النص الديني من قدسيته لصالح التحليل التاريخي، والمبالغة في إمكانية استخراج نزعات تقدمية من داخل التراث العربي الإسلامي لبناء نهضة حديثة، إضافة إلى انتقادات طاولت منهجه الجدلي التاريخي وموقفه من الأصالة والحداثة. وتعرض بعد قيام الثورة السورية لانتقادات سياسية من المعارضين للنظام البائد الذين رأوا أن مواقفه كانت وسطية غير حاسمة، ومن الموالين الذين اعتبروا مواقفه وخطابه النقدي تهديدًا للبنية السياسية القائمة.
ورغم ذلك كله، يبقى الدكتور طيّب تيزيني من أبرز المفكرين الذين حاولوا بناء فلسفة عربية تاريخية معاصرة، وربطوا بين الفكر والتحرر الاجتماعي والسياسي، ودافعوا عن حقوق الإنسان والإصلاح والحوار، ودعوا لنبذ العنف والطائفية. وقد راهن طيلة سنوات الثورة على أولوية الإصلاح الوطني الديمقراطي، وضرورة التأسيس لعقد اجتماعي جديد بين السوريين يُعيد بناء المجتمع السوري وفق آليات وقواعد النظام الديمقراطي، وهذا ما يحتاجه السوريون اليوم وكل يوم.


تحميل المقال التالي...