كيف لهذا الأفق أن يكون بعيدًا؟
كيف لهذا الفجر ألّا يُرى؟
حسيسُ الخطو في الغرفة يوقظ حواسَّ الحياة فيه فيستيقظ... وهسهسةُ المذياع في ذاك الركن البعيد من الغرفة تفتح آفاق السمع وتستحيل مشاهدَ يبدعها الخيالُ اللامرئيّ... لوحة... لوحة... تتشكّل في الذهن والوجدان رجاءً للمشاهدة والنظر... ولكنه يعجز البصرُ فلا يرى.
في ظلمات ثلاث بعضها فوق بعض... ظلمةُ الليل وظلمةُ الغرفة وظلمةُ النظر...
في بحر من الخضرة وفي محيط يموج بالحياة... شجرًا وبشرًا كان يحيا...
كان ككل الناس يرى الأهلَ والعائلة... يرى ابتسامةَ الأمّ تلاحق حَبْوَه... كان يرى رجاءَ الأب يدفعه للرجولة على صِغَرٍ من السنّ... في تلك القرية حيث نشأ يكبر الأطفال سريعًا... وفي ملاحمهم... الأطفال يولدون رجالًا...
أغرته المدرسة في سنينه الأولى ككل الأقران... ثم ذهب الأجلُ بالأمّ في مخاض الولادة... في القرية تنسلّ الحياة من الموت ويكبر الطفل في جرح اليتم منذ الوضع... الأبُ عليلٌ لا يقوى على الجهد... والجهدُ مصارعةُ الأرض القاسية لعلّها تأتي أُكُلَها على كَدْح... الكادحون في القرية متشابهون في الشقاء والأسماء...
لم يعد يطرق بابَ المدرسة في عامه ذلك... ولم يعد يسمع شدوَ الصبية صباحًا يتغنّون بإرادة الحياة كما كان يتغنّى... فقط كان يلاحق خطواتِ الصحب من بعيد قبل أن تغيب في ساحات المدرسة وأهازيجِ الصغار صباحًا.
صغيرًا أخذته المدينةُ بعيدًا عن القرية والأهل وطرق أبوابَ العمل كَدِيدًا يريد أن يحيا من شقاء يديه... وفي القرية إخوةٌ صغار وأبٌ قعيد وكلٌّ ينتظر... ذهبت السنون بالجهد وأخذت كثيرًا من الصحّة والجسد.
تلك السنةُ كانت الفاصلة... كانت الأشياء تتلاشى بعيدًا عن ناظريه كأنّها تريد أن تختفي... لاحقها البصرُ عليلًا فما رأى، وكان السؤال في مشقّة العلاج...
كان بصيرًا وأضحى عليلًا... كان في اللغة كالناسخ والمنسوخ حكمًا يعقبه حكم، وبصرٌ ولا بصر.
كان حكايةَ الأهل في القرية ورجاءَ الناس في المدينة... يعرفه الكلُّ كما يعرفون الصبرَ في مواجعهم، وحين تلتقيه يحدّثك عن سنين العزلة والغربة والظلمة... كأنّها القصّة تحكي وجعًا يريد أن يتشكّل جسدًا مرئيًّا أو كيانًا إنسانيًّا غائبًا في رجاء النور...
دفءُ الشمس يُشعره بالحياة لا ضوؤها... أمّا خطوه إلى الغرفة فبوّابةٌ أخرى للغياب...
وابيضّت عيناه من الحزن وقال: إنّي أشمّ ريح الشفاء... قال يتمنى: "أعلمني الطبيب أنّ العلاج ممكن وأنّ النظر قريب... ولكن بمال كثير...".
كان يحدّثنا ويداه تتحسّسان النورَ تريدان مسكَه... ولا يمسك النورَ إلّا البصر.
(تونس)


تحميل المقال التالي...