في تلك الغابة الإسمنتية التي تُسمى الدار البيضاء، حيث يمتص الزفتُ عرق الكادحين وأحلام العاطلين، كان سي محمد يجرّ جثته الهامدة في حافلة تشبه علبة سردين انتهت صلاحيتها. الحافلة لا تسير، بل تزحف فوق صفيح ساخن من الشتائم وأبواق السيارات التي تعزف سيمفونية التوتر اليومية.
كانت الوجوه من حوله لوحات باهتة، غابت عنها ملامح تمغربيت الدافئة، واستُبدلت بأقنعة من الزجاج والضوء الأزرق. الجميع هناك، في تلك المركبة المتهالكة، يبحرون في محيطات افتراضية؛ أصابعهم تداعب شاشات باردة بحركات آلية، كأنهم يسبحون في ملكوت الويفي هربًا من جحيم الواقع.
من نافذة الحافلة، لمح سي محمد ابنه أمين؛ كان يقف أمام واجهة متجر فخم للساعات، يرتدي بذلة هجينة، ويعدّل هيئته المضحكة ليلتقط سيلفي بابتسامة هوليودية زائفة.
"يا للمهزلة!"- همس سي محمد بمرارة.
أمين، الذي يقضي ليله في صراع مع جدران غرفته الأربعة، يبني في فضاء الإنستغرام قصورًا من رمال، ويبيع للمتابعين أوهام النجاح، بينما جيبه لا يملك درهما حلالا يشتري به خبزًا حقيقيًا؛ لقد صار مثالا لشباب يدعون أنهم من المؤثرين والمبشرين الجدد، يغردون خارج سرب الكرامة، مُسْتَلَبين في مجتمع رقمي وهم يقدسون البوز ويرجمون المستور.
حين ترجّل سي محمد، اصطدم بجاره السي المختار؛ كان صدامًا طفيفًا، في زمن غابر كان سيُتوج بعبارة "سمح ليا أخي" وعناق حار. لكن اليوم، وفي ظل هذا العصر الرقمي المتوحش، تحول الحادث إلى معركة حامية؛ تطايرت الكلمات النابية كالشرر، وانفتح الجرح الاجتماعي على مصراعيه. لم يتدخل أحد لفك النزاع؛ بل ارتفعت الهواتف كسكاكين ضوئية، تلتقط المشهد لتنشره في كل الحلبات الافتراضية. كان الجار يصرخ في وجه جاره، وكلاهما يمعن في تمزيق صلة الرحم، بينما اللايكات تنهال على جثث قيمهم المذبوحة في ساحة تيك توك.
دخل سي محمد بيته، فاستقبلته زوجته بنظرة غائبة؛ كانت غارقة في "لايف" تافه لامرأة تستعرض أواني مطبخها وتفاصيل حياتها الحميمية بمقابل بضع دريهمات من تيك توك. لم تسأله "كيف حالك؟"، بل سألته عن كلمة سر الويفي التي تعطلت.
هنا، وفي لحظة تجلٍّ يشوبها حزن جنائزي، اتجه سي محمد نحو الركن المنسي. أخرج "براد النحاس" العتيق. كان البراد مطفأ اللمعان، يشتكي هجر الشاي بالنعناع لآلات القهوة السريعة والباردة. لمسه بيده المرتجفة، فشعر بحرارة الأجداد تسري في عروقه.
وقف في الشرفة، ينظر إلى المدينة التي لم تعد تنام، تلك المدينة التي تعاني من أرق رقمي مزمن؛ رأى الناس كأشباح يسيرون في الشوارع، رؤوسهم منحنية، لا سجودًا للخالق، بل خشوعًا لصنم الشاشة.
رفع بصره إلى السماء، كانت النجوم هناك، ثابتة وبعيدة، تشع بجلال بهت تحت أضواء المدينة والشاشات، فلم يعد من أحد يرى الآن سوى نجمات الترند التي تلمع سماء الفضائح والتشهيرات، وبصمات أصابع توقع على مهازل هذا الزمان.
سخر من نفسه، وأخرج هاتفه من جيبه، ثم رماه في سلة المهملات بقوة، وصرخ بصمت: تُعسًا لعالمٍ يربطنا بالأسلاك... ويقطع بيننا حبال الوريد!
ثم عاد إلى الداخل، أشعل النار تحت البراد، وانتظر أن يغلي الماء، علّه يغسل بمرارة الشاي شيئًا من زيف هذا الزمن اللزج.
(المغرب)


تحميل المقال التالي...