}

عن الغضب الذي أكتمه، عن الرقص، عني

رشا عمران رشا عمران 23 مايو 2026
يوميات عن الغضب الذي أكتمه، عن الرقص، عني
(إيتيل عدنان)
توقفت منذ مدة طويلة عن كتابة اليوميات، ليس لأن لا شيء كان يحدث في حياتي، على العكس تمامًا، كان هناك الكثير من الأحداث والمكابدات والألم والتوتر والخوف والخيبة ما جعلني أشعر أن كل ذلك بات فائضًا حتى عن اللغة. أفتح جهازي اللوحي وأحاول الكتابة عما حدث معي هذا اليوم أو ذاك، أحاول كتابة الأفكار التي تراودني وتوترني، لكنني أشعر بالعجز، نفس العجز أمام كتابة الشعر، لا أقدر على الكتابة، ربما لأن في اليوميات والشعر ثمة ما هو بالغ الخصوصية في اللغة المستخدمة بهما، على عكس المقال، لم أتوقف عن كتابة المقالات، ليس لأنها حجم عمل مفروض علي، بل أيضًا لأن لغة المقال هي لغة عامة، حيادية إلى حد ما، وباردة، تخرج من الوعي الآني، لا تحتاج إلى الحفر في الداخل، في الشعر واليوميات تخرج اللغة من الوعي المكثف، المتراكم والقديم الملامس لطبقة اللاوعي والعقل الباطن، حيث يكمن كل شيء، الخوف والقلق والحزن والخذلان، حيث أثر الصدمات النفسية المتواصلة يتراكم ويختزن في تلك المنطقة المستقرة ظاهريًا وشديدة الحركة في الباطن، إلى حد أن حركتها المتواصلة تمنع حركتي اليومية، فأعجز عن فعل ما أحب، وأركن إلى حالة اللافعل التي تجعلني أشعر بتأنيب الضمير عن كسلي وتقاعسي، وأبدأ الدوران في ذات الدائرة: تأنيب الضمير يعيد إلى وعيي كل الصدمات في حياتي، فيسعى العقل الباطن لإخفائها في إحدى آليات الدفاع النفسي والنجاة الذاتية، لكن مع هذه المحاولات أصاب بحالة من العجز أمام اللغة فأصمت ويبدأ مع الصمت تأنيب الضمير، وهكذا.
في الأمس كان عيد ميلادي، تلقيت العديد جدًا من التهاني والأمنيات والهدايا الجميلة، وسهرت مع عدد كبير من الأصدقاء سهرة طويلة رقصت فيها وقتًا طويلًا وبقوة، كما لو أنني مع الرقص أخرج من داخلي كل الغضب والخذلان والتوتر غير المفهوم الذي كنت أعيش فيه خلال السنة السابقة، كانت سنة قاسية علي بكل معنى الكلمة، أقصد عامي 62، أمراض وخيبات خاصة وعامة وإحساس مرير بالوحدة، وخوف وقلق وارتباك، وتفكير مرضي بالمرض والموت، كما لو كان التفكير بهما هوسًا يمنع عني الاستمتاع بالحياة، زاد كل ذلك الحرب وما تتركه من احتمالات وخسائر قد يعاني منها أولًا نحن، أقصد بنحن أولئك الذين يعيشون من مداخيل أعمالهم الفنية والأدبية والكتابة الصحافية على وجه الخصوص، القلق مما بعد كان ثمة سنتي الماضية، هو أيضًا قلق مرضي، كنت أبدو كمن تخلق أسبابها لتقلق وتتوتر مما سيحدث لاحقًا، وكأن مكابدات الحاضر لم تكن تكفيني. أعرف جيدًا أن ما كنت أحتاجه مع بداية عامي الجديد هو لحظات انفصال عن تأثير العالم الخارجي عليّ، أن أجعل دماغي تكف عن التفكير وتتوقف عن تحليل الأحداث والكوارث ثم شدها من رأسها لتصبح لصيقة بي. وضعني الرقص مقابل هواجسي كلها، خصوصًا أن من عامي 62 هو انضغاط العصب الوركي الذي يضغط بدوره على الساق اليسرى فأصرخ من الألم. سأرقص اليوم، قلت لأصدقائي، سأرقص عنادًا في ألم ظهري وساقي ومخاوفي وهواجسي، جعلني الرقص أواجه نفسي: ها أنا ما زلت قادرة على العيش والسعادة والفرح، لماذا إذًا أضع نفسي في دائرة من المخاوف والانسحاب والإحساس المضخم بأمراض الشيخوخة؟ لست عجوزًا أنا، ما زلت أحتفظ بطاقة الحياة ذاتها التي كنت أملكها وأنا في الأربعين، على كل حال، ربما أسئلة كهذه لا معنى لها حين نكتشف أننا ما زلنا نقدر على العيش واقتناص الفرح. عليكن بالرقص، لا شيء مثله يعيد للمرأة حيويتها وشعورها العارم بأنوثتها. في ليلة عيد ميلادي كان الرقص هو الإناء الذي ألقيت فيه كل مخاوفي وقلقي وغضبي، ثم تخففت في انتظار ما سيأتي.
أنا من الأشخاص الذين لا يظهرون غضبهم للعلن، أكتمه وأداريه عن الآخرين وأتركه يتلاعب بي فيتحول أحيانًا إلى علة أو مرض أو أرق طويل. أبدو في الخارج هادئة ومتصالحة إلى حد أنني أصدق نفسي أحيانًا أنني متصالحة، لكن الحقيقة هي أن الغضب عندي صار جزءًا من الذاكرة بحيث أنا نفسي بت أراه مكونًا من مكونات شخصيتي. أسوأ ما يمكن أن يحدث هو التعود على الغضب في داخلنا والسكوت عنه طويلًا، الغضب المكتوم يشبه قنبلة يحملها أحدهم في جيبه، حين تنفجر سوف تودي به أولًا.




هذا الغضب المكتوم منذ سنوات تحول عندي إلى قسوة، أنا قاسية مع نفسي وعنيفة، قبلت بسببه الكثير من الإساءات ممن كانوا الأقرب والأحب لي. حين أفكر الآن لماذا فعلت هذا بنفسي لا أجد أي مبرر سوى ما أنا فيه من غضب جعلني أعتاد على فكرة القسوة، هل أعاقب نفسي على كتمان الغضب؟ من الصعب فهم ما يحدث للنفس البشرية ولماذا تقبل أحيانًا بما كانت ترفضه أو تناضل ضده فترات طويلة. غضبي قديم، من عمر المأساة السورية الحديثة، كل العجز والحزن والشوق والفقد الذي أصابني بعد 2011 تحول إلى غضب، كل القهر والوحشة والوحدة تحولت إلى طبقات من الغضب المتراكم الذي لم أعد أستطيع تفكيكه، ازدادت الطبقات تشبثًا بي بعد 2024، بعد سقوط نظام الأسد وانكشاف طبقة من الأمل كانت متوارية بين تراكم الغضب، لكن ما حدث لاحقًا في سورية من مجازر وخطاب كراهية عنفي مادي ومعنوي ضد الأقليات وخصوصًا العلويين، أعدم طبقة الأمل وراكم المزيد من القهر والخيبة والخذلان والغضب. هذا غضبي وحدي، ليس شخصيًا بهذا المعنى، لكنه غضبي الذي لا أستطيع لوم أحد من محيطي عليه، هو تراكم الندم والخوف والاستغفال والخيبة واليأس، هو العيش، مجددًا، بلا هوية، من أنا؟ كثيرًا ما أتساءل هذه الأيام من أنا؟ هل أنا رشا عمران السورية التي انحازت لثورة ظنتها ثورة شعبية محقة ودفعت في مقابل انحيازها أثمانًا باهظة؟ أم أنا رشا عمران لا ترى اليوم إلا من خلال انتمائها البيولوجي العلوي، والذي يمنعها، مجددًا، من العودة إلى سورية خشية القتل أو الاعتقال أو التنمر أو التجاهل أو أي سبب من الأسباب الدارجة حاليًا ضد أي شخص من منبت علوي بغض النظر عن تاريخه؟ هل أنا رشا عمران اللاجئة في مصر والتي تخشى من أوقات انتهاء صلاحية الإقامة مخافة ترحيلها أسوة بغيرها من السوريين؟ هل أنا رشا عمران الكاتبة التي تعجز حاليًا عن مواصلة مشروعها الشعري؟ هل أنا رشا عمران الأم التي تدخل في صراعات الغضب الغريبة مع ابنتها الوحيدة؟ أم أنا رشا عمران الأنثى الستينية المخذولة دائمًا في الحب؟ من أنا فعلاً وسط كل هذه الهويات المركبة والتي لا يمكن لأي منها أن يكون هوية نهائية ولا يمكن لاجتماعها أن يجعل من صاحبتها كائنًا ثابتًا ومستقرًا. يخيل لي أحيانًا أن هوياتنا المتعددة هي شخصيات مختلفة نعيشها في شخصية ظاهرة نحاول أن نجعلها نهائية ووحيدة لكن الشخصيات الأخرى سرعان ما تحاول الظهور فنقمعها ونراكم الغضب.
تقول لي المعالجة التي تعالج ألم ساقي اليسرى وتعرف تاريخي الطبي: "يسارك معطوب"، نعم هي محقة، كل العلل والأمراض تظهر عندي في القسم الأيسر من جسدي، ابتدأت تلك العلل مع مرض القلب وعمليته الخطيرة، حين يصيبني صداع فهو يتمكن من الجهة اليسرى من رأسي، لدي ضعف في الساق اليسرى ابتدأ حين استخرج جراح القلب شريانًا طويلًا منها ووضعه بدل شرايين القلب، ذات يوم قبل أعوام كثيرة أصبت بالتهاب وتر اليد اليسرى (هل كان مؤشرًا وقتها؟)؛ أعاني اليوم من التهاب عصب الساق اليسرى وانضغاط غضروفي في الظهر في الناحية اليسرى. يساري معطوب حقًا، أو ربما هو خاذل، خذلتني جهتي اليسرى مثلما خذل اليسار العربي حاضرنا، اليسار العربي الذي اصطف قسم منه مع مجرم كبشار الأسد ويصطف قسمه الثاني اليوم مع مجرم آخر. لا بأس، اليمين طبعًا لا كلام حوله، أقصد أنه: يمين فقط، هو كما هو فاشي وشعبوي واستبدادي. أرجو للجهة اليمنى في جسمي أن تبقى سليمة وأن لا تتحول إلى سادية فأنطحن بين جهة يمنى سادية وبين جهة يسرى متخاذلة.
أحيانًا حين أراجع ما أكتبه في يومياتي أرى هذرًا وكلامًا لا معنى له، لكنه أنا، يعبر عني في لحظة كتابته، أنا في أكثر حالاتي صدقًا مع الذات، في انكشافي أمام نفسي وأنا أحاول فهم ما بي. أكتب الكثير عني لكن ما أرسله للنشر هو القليل. أفكر أحيانًا بأن كتابة اليوميات يلزمها درجة عالية من الصدق والوضوح لتكون ذات معنى وذات أهمية، أفكر بيوميات أناييس نن المذهلة، وأتمنى لو أن لمجتمعاتنا ذات القدر من الحرية التي تسمح لكاتبة عربية بنشر كل ما تسجله في يومياتها!! لا يوجد موقع أو صحيفة عربية يمكنها نشر ذلك، ليس لأنه إباحي أو خادش للحياء، بل لأنه يكشف عما لا يجوز كشفه في الحياة الشخصية وفي السياسة وفي المجتمع وفي الحب وفي الجنس وفي العلاقة مع الجسد وفي الدين وفي العلاقة مع الله. هذه تفاصيل ينبغي أن تبقى مسكوتًا عنها في بلادنا ومجتمعاتنا وإلا صنفت كاتبتها في خانة "خادشات الحياء المجتمعي والسياسي والديني". هذا الحياء الذي لا يخدشه القتل ولا المجازر ولا الدم ولا استعباد النساء والأطفال ولا الكذب ولا الفساد ولا المتاجرة بالدين ولا الكراهية. لا بأس... أية كتابة صادقة هي خدش حياء في النهاية أيًا كانت هوية كاتبها.
نكتب لنخدش حياء شيء ما أو شخص ما. الكتابة غير الخادشة هي كتابة مزورة.
ساقي تؤلمني جدًا الآن، ما كان يجب أن أرقص كل ذلك الرقص، لكن كان عليّ أن أختبر جسدي بعد كل ذلك الغضب الذي ازداد تراكمه خلال السنة الماضية، كان عليّ أن أختبر قدرتي على الحياة مجددًا، وعلى الفرح، بالرغم من أنني أتقدم في السن، أما ألم ساقي فهو يشبه غضبي، أشعر به وحدي وأحاول التغلب عليه بالكتابة ربما، أو ربما بالمزيد من الحياة.

مقالات اخرى للكاتب

هنا/الآن
2 مايو 2026
هنا/الآن
17 أبريل 2026
يوميات
22 مارس 2026

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.