أنا "أقرأ كما يقرأ اللهيب الخشب" (1) - لم تكن هذه العبارة سوى التجسيد الحرفيّ لنمط حياة (حياتي)، لكن القراءة لا تعني شيئًا إن لم يرافقها حبّ الرماد الذي تتركه النار؛ فهناك كما صرّح بورخيس مرة "لذّة غامضة في فعل الإتلاف" (2).
إن دوافع الوقوع في غرام كتاب خفيّة، وكذلك دوافع النفور منه، الأمر شبيه بالعشق، كأن يعشق شاب الهزيلات من النساء لأن ذكرى أمه المريضة التي توفيت في طفولته أبقت لديه ميلًا غامضًا للشحوب؛ إنه يتوق لاستعادتها (شاحبةً ومريضة) كشيء شبيه بالحلول أو التقمص، وكما العشق لا تفسير له فالقراءة لا تفسير لها، وهي قد تجد تفسيرها خارجها.
في كل الأحوال، تشبه الروايات حياتنا وتقلدّها تقليدًا يصل حدّ ضياع الأصل والتباس الحدود، إذ تعرفت إلى أول كتاب في قرية تسفعها تيارات الريح الباردة، والفهم المتشدد للإيمان؛ فأن تولد على الحدود يعني أن تكون حديًا وقصيًا، لا غفران ولا تسامح مع لحظة سهو.
حين دخلت صديقتي إلى غرفتي لتخبرني بوصول كتب جديدة أحضرها والدها، وناولتني أحدها، فتحته على الصفحة الأولى وقرأت: "انقضّت العقبان على شرفات القصر الرئاسي خلال نهاية الأسبوع، فحطمت شباك النوافذ المعدنية بضربات مناقيرها، وحركت الزمن الراكد في الداخل برفيف أجنحتها، عندئذ فقط تجرأنا على الدخول، الأمر الذي مكّننا من الصعود إلى الطابق الأول عبر سلّم حجري، سُحقت سجادات الأوبرا التي تغطيه بأظلاف البقر، شاهدنا المكاتب والقاعات الرسمية التي كانت الأبقار تجوبها جيئةً وذهابــــًا. وهي تأكل ستائر المخمل وتلوك ساتان الأرائك"(3).
بقرات يقفن إلى الشرفة وبطريرك لا يموت!
كان هذا المقطع أشبه بالسحر، كانت الافتتاحية قدرية كنبوءة، إذ تكفي جملة أو عبارة لتحدث الشرارة، الأولى/ كالبرق الذي لا نعود قبله كما كنا.
من حدس المستقبل المروع، تنبثق الرغبة والهوس بالكتب وبينما تغرق المكتبات أو تحرق ينجو قارئ ما، وكما تسهم الكتب في تغيير أقدار الناس، تغير أقدار أصحابها.
وكما لا تضمن قراءة الكتب السماويّة أن يأتيك الوحي، لا توجد ضمانة لدى القارئ بالتحول إلى كاتب - مع أنه إغراء يندر أن يقاومه أحد- لكن كلّ القراء والكتاب الكبار أتوا من خارج أيّ منظومة. لم يجذبني بساط علاء الدين ولا نساء "ألف ليلة وليلة" المتهتّكات، جذبتني بقرات تقف إلى الشرفة وبطريرك لا يموت.
سُئل م. كونديرا مرّة عن سر الاستعارات فقال إن "الاستعارة تأتي حين يكون أحدنا ملاحقًا بالشرطة السرية" (4) من هنا ولدت "ماكوندو" ماركيز، وولدت "1984" جورج أورويل، وهوس كل من بورخيس ومانغويل بالمكتبة.
يكتب مانغويل عن الفارق بين الكتاب الكلاسيكي وبين "الكتاب (نفس الكتاب) الذي جعلناه ملكنا عبر الغريزة والعاطفة والفهم، لأننا عانينا معه وتمتعنا به، وترجمناه إلى تجربتنا الخاصة، وأصبحنا أوّل مكتشفيه" (5).
قد تورّطنا القراءة التي تنقل كفة التدين من هنا إلى هناك، من ساحة الدين إلى ساحة الكتب. لكن الرفض العنيد الرائع هو أجمل ما يصدر عنا، الرفض لكل ظلم وكل غياب للعدالة. أحيانًا لا يمكن رؤية الظلم بفعل الإلفة الجائرة؛ لكنّ الكتب بخلاف الحياة تدرّبنا على عدم الاعتياد. فالأدب والحياة قولان، واحد منهما الوجه والآخر المرآة، لكن وكما يحدث في السحر يتبادلان الأدوار، ليس في ذهن كاتب بل في المصادفات التي يفرضها وجود أحدهما على الآخر؛ ليصبح السؤال عن الحدّ الفاصل بين ما نقرأ وما نعيش سؤال ساذج.
أتذكر بيت الطفولة، حيوي وهادئ، تغمر جهاته الأربع الشمس، وينفتح على السماء، حيث تحدق الزهور الربيعية، وردة الفراشة، وفم السمكة، زهور الجنة الموعودة واللافندر البنفسجي؛ لكن البيت ذاته مختلف في الليل. فالزهور طمسها الظلام، الإنارة التي أهملها والدي حوّلت المساحة الكبيرة إلى صحراء للتتار، متاهة أشبه بساحة سجن كبيرة، عدائي وغير آمن وتطلُّ نوافذه المفتوحة على فناء مهجور.
الباحة الترابية تتحول إلى بحيرة طين شتاءً، ولا بدّ من عبورها القسريّ لشرب كأس ماء أو الذهاب للحمام؛ سينوغرافيا متقنة للرعب تناسب مخيّلة هتشكوك، تضاعفها حوادث القتل والسرقة.
| |
| لا أعتقد أن محنة "دون كيخوت" ماثلة فقط في عدم تعرفه على العالم إذ حسب النزل، قصرًا، والسفيه شريفًا، بل إنها ماثلة في مكان أبعد وهو أنه لم "يعد يعرف العالم" (Getty) |
لا شيء يختفي للأبد، فالموتى يصبحون أبطالًا في الحكايات وأشباحًا في مخيّلة الأطفال؛ إنّهم يعاودون الظهور بين الأزهار تارة، وخلف الستارة في أخرى، ويقفون على مفارق الدروب.
كان بيتًا مظلمًا دائمًا، وهو لا يشبه بيت غاستون باشلار، مؤلف كتاب "جماليات المكان" (ترجمة غالب هلسا)، وليس ملائمًا لأحلام يقظة تتم مقاطعتها كل ثانيتين.
في هذا البيت لم يكن هناك كتب أو مكتبة، ولكن المكتبة دائمًا تنمو في الجوار كنبتة بريّة، تدرك المكتبة ضرورتها التي يعتبرها الكثيرون نافلة لذلك تنمو، ولأنّ الكتب لا تنتظر إذنًا من أحد فهناك كتب تستخدم لطهي الطعام أو للتدفئة وأخرى تعيش منسيّة حتى تقع بين يدي قارئ له قدره الخاص.
وكبطل "البحث عن المطلق"(6) الذي أتلف كل شيء، بعد أن جرّب تحويل المعادن إلى ذهب وتحويل الذهب إلى شيء آخر؛ كان أبي في بحثه عن مطلقه، وكما يفعل آباء كثر في كل مكان. فقد يكون ما يبحث عنه الأب ثروة ماديّة أو وطنًا أو فكرة سيطرت عليه؛ فالأفكار أيضًا بينها المستبدة التي لا تعرف الرحمة.
كانت دعسات والدي تتزامن مع خطوات البطل في الرواية وبينما ينتهي مسير الأول عند البطلة التي تنظر له بشفقة، تنتهي خطوات أبي قرب نافذتي وهو يرثي لحاله وفي الصباح ينقلب الأمر، أسمعه يعاتب أمي: من أين تأتي بهذه الكتب؟ ثم يدمدم: الكتب لا تطعم خبزًا.
في الحقيقة لا شيء يطعم الخبز في بلاد بلا قانون، تسلب الناس حيواتهم وأملاكهم اللصوصية والفساد يطعم الخبز لكنه كالحمق يحتاج للجسارة، الرشوة في البلاد الفاسدة لا تطعم الخبز، والولاء للحاكم أو التحول لحذاء في قدمه يتركك بلا روح. يعرف مطايا الحكام ذلك، فكل ما نفعله لأجل غيرنا لن يسدّ رمقنا وما نفعله لأجل أنفسنا أيضا لن يغنينا لكنه يمنحنا الرضى على الأقل.
يتردد صدى طرقات العكاز وهي ترن فوق الدرج في رواية بلزاك، ويمتزج بصوت الحصى في بيتنا. تشابه عجيب بين دعسات والدي الذي أورثه الأمل نوبات من الأسى وهذا الأرق؛ وبين البطل الذي يريد تحويل المعادن إلى ذهب- تشابه عجيب- وما دامت التشابهات ممكنة بين الأدب والحياة فلا شك في أن الأشياء العظيمة تحدث. وفي النهاية من سيقرأ عن المعجزات كثيرًا سيرى في تبوّل إنسان معجزة، ومن يقرأ عن الفروسيّة على غرار "دون كيخوت" سيصدق أنّ "كلّ من في العالم فرسان".
لا أعتقد أن محنة دون كيخوت ماثلة فقط في عدم تعرفه على العالم إذ حسب النزل، قصرًا، والسفيه شريفًا، بل إنها ماثلة في مكان أبعد وهو أنه لم "يعد يعرف العالم" (7) الذي يعيش فيه ولن يعرفه وأنه - وهذا الأهم- ليس ضروريًّا له وربما يكون موته راحة. وحاله وهو يراقب النار التي تلتهم الكتب كانت حال رجل يحتضر.
أحيانًا، نتعرّف على العالم في اللحظة الضائعة كما حدث لبطل ماركيز في "مائة عام من العزلة" إذ أن خيوط النبوءة تفككت في اللحظة الأخيرة، حين كان البطل عاجزًا عن إنقاذ الطفل الذي تجرّه القوارض.
لقد تعرّف والدي على العالم في اللحظة الأخيرة، بين يدي الجلاد في صيدنايا، ولم تكن صورته الأخيرة بعينين مفقوءتين وبأسنان مكسّرة سوى الفصل الأخير من فصول حياته القصيرة، وبدا أنه هو من آمن بالأوهام وليس أنا.
في الصورة التي كانت لـ حافظ الأسد وابنه، ثمة اختلاف في زاوية النظرة، الأب ينظر نحوي ويبتسم بسخرية باردة، أرغب بسؤاله عن والدي فيمرّ شابان يوسعان خطواتهما ويحتلان الرصيف؛ ليثبتا أن مباعدة الخطوات هي فعل ذكوري بحت. يحاولان توسيع وجودهما عبر برهنة زائلة.
ينظر الأب نحوي وأرغب بسؤاله عن والدي ولكن من سأسأل منهما؟
كلاهما ضيّعه.
الأب حافظ الأسد ينظر نحوي ويبتسم، لا أعرف عنه سوى صورته التي تطالعني في دفتري المدرسي، وكلما فتحت دفترًا وجدته أمامي. وبذلك أيقنت أنه حاضر في كل مكان وتأكدت من ذلك حين نقلوني في العاشرة لمشفى قريب، أتذكر نفسي ممددة فوق سريري، لحم يدي منسلخ والعظام بارزة. بينما الطبيب يخيط جرحي الذي يؤلمني ولكن الألم الأكبر أنني وبينما أبكي ويدي تنزف كان يبتسم.
بخلافه كان الابن بشار الأسد ينظر حذرًا ومتوجًّسا نحو اللاشيء. لم يكن يجرؤ على أن ينظر إلى الكاميرا بخلاف والده. كان ينظر إلى البعيد وكأنه لا يراني ولا يريد أن يراني.
أتذكر والدي وهو يهمس: إذا أتى أخوالكم لا تقولوا ما الذي أكلتموه. فالجوع بإمكانه أن يحول الكرامة إلى عار إذ استسلمنا له. إيقاظنا بعد منتصف الليل وهو يفتح الجريدة، وفوقها الصفائح ورائحة اللحم والبصل. وكان علينا أن نأكل بعيون مغمضة كالقطط وأمي تحثه: لقد نحلوا كثيرًا.
يده التي تمتد ليناولنا واحدة أخرى. ويدمدم فرحًا: كلوا كلوا.
لم يكمل قطعته، لقد تظاهر بأنه يأكل.
والدي كان يحلم بمزرعة صغيرة، وحياة جيدة وأحفاد، لكن ولأنه لم يتعرف إلى العالم الذي وجد فيه قال وهو يعبر فتحة الموت "أنا لم أفعل شيئا" وكأن ذلك كان كافيًا لئلا يقتل، وكأنه آمن يومًا بالسبب والنتيجة.
لم يكن أبي أثناء عبوره فتحة الموت سوى "حنّا يعقوب" (8). وهو يصيح "أنا حنّا يعقوب مسيحي من بيروت" الصدفة فقط من حكمت موته وحياته، لم يكن هناك داع للمترجم في حالة بطل رواية "دروز بلغراد" إذ أن قتله على هويته صار محسومًا بنظر الجندي الذي اقتاده إلى عذابه الأخير وراحته الأخيرة.
أعيش الآن ثقل نجاتين متتاليين من الحب ومن الحرب.
وقد أكد لي الواقع لاحقًا أنّ بقرات ماركيز تتجول في شرفة القصر وأن البطريرك لا يموت وأن بساط علاء الدين لن يطير. وفي الحب كما في الموت علينا أن نؤمن بالصدف، ولأن بعض المسرحيات تفتقر إلى الحبكة ويؤثر المخرج أن ينهيها بدون أي سبب أو نتيجة؛ أسدل الستار على حياة والدي وعلى موته. كان "دون كيخوتًا مثاليًّا" يبحث عن مطلقه، ويؤمن أن الحب والقائد والسماء ثلاثة أشياء لا تمسّ بفعل الخوف أو الحب "لا فرق" إذ أن كليهما مستبد. بين هذه كلها كان "الموت هو الأصدق" ويمكنني أن أنتهز غياب أبي وأقول: والكتب.
إحالات:
(1) عبارة لآلان دوبلن. كتاب الكلمات. ألبرتو مانغويل.
(2) لويس بورخيس، الدنو من المعتصم، ترجمة إبراهيم الخطيب.
(3) غابرييل غارسيا ماركيز، خريف البطريرك، ترجمة محمد علي اليوسفي.
(4) ميلان كونديرا، فن الرواية.
(5) ألبرتو مانغويل، المكتبة في الليل.
(6) رواية البحث عن المطلق، دي بلزاك.
(7) ميلان كونديرا، الوصايا المغدورة.
(8) حنّا يعقوب، بطل رواية "دروز بلغراد" للكاتب اللبناني ربيع جابر.


تحميل المقال التالي...