}

امرأتان، جدارٌ ونكبةٌ واحدة

سماح سلايمة 30 مايو 2026
سير امرأتان، جدارٌ ونكبةٌ واحدة
منزل فلسطيني مهجور في منطقة البلدة القديمة بالرملة (Getty)
لم تكن بيني وبين مشيرة أيّ معرفة قبل الحرب. بين حينٍ وآخر، كنتُ أُصغي إلى صوتها عبر أثير "راديو الشمس" من قلب جبال الناصرة الجليلية، حيث كانت تروي، كلّ شهر، شيئًا ممّا يمرّ به سكّان غزة في ظلّ الحرب.
كانت مشيرة تتحدّث بكلمات بسيطة، صادقة ومباشرة؛ كلمات أمٍّ شابّة لطفلين، تحوّل أهوال الحرب إلى حروف يفهمها الجميع، بعيدًا عن تحليلات الخبراء العسكريين والسياسيين. كانت تروي حكاية نجاتها مع زوجها وعائلتها من قلب غبار القصف الكثيف، بين الجثث والدم والرمال؛ حكاية نزوحٍ متواصل ومتكرّر، وفقدٍ لا ينتهي، وضياعٍ وجوع، وأملٍ صامدٍ بالعودة.
تواصلتُ معها، وبدأنا نتحدّث بين فترة وأخرى. في صيف 2025، حين بلغت الحرب على غزة ذروتها، وبعد أشهر طويلة من الإغلاق المُحكم على شمال القطاع، بدأت تتسرّب إلى الشبكة صور جثامين أطفال ماتوا جوعًا، وصور رجال ونساء كتبت عظامُ أيديهم ووجوههم البارزة الهزيلة الحكايةَ كلّها: ألمًا وأسى.
في تلك الأيام، قالت مشيرة إنّ حلم ابنتها صار أن تمسك موزةً بيدها مرّةً أخرى، كما في الماضي. أمّا حلم مشيرة نفسها فكان، كما قالت، أكثر طموحًا: "أريد أن أرى حوض الزرع الذي فيه الريحان والنعناع على حافّة شرفتي. هذا هو حلمي: أن أقف في المطبخ، أن أنظر من النافذة، وأن أرى الأفق وبحر غزة؛ هناك، في شقّتنا الصغيرة التي قضينا عمرنا ونحن نسدّد أقساطها. عملتُ أنا وزوجي بجهد، ولم نبدأ إلا مؤخرًا في التحرّر قليلًا من عبء قرض السكن الذي شاركَنا قوتَ يومنا لسنوات. بدأتُ أوفّر المال وأخبّئ أوراق النقد جانبًا؛ كان الهدف أن أشتري سيارة متواضعة تساعدني على التنقّل مع أطفالي، بين المدارس والعمل والبيت. كان ذلك مشروعي السرّي، وقد خبّأتُ المحفظة في مكانٍ آمن في غرفة نومي".
كانت مكالماتنا تطول كلّما رقّ قلب الإنترنت عليها وعليّ، وأعادها للحظة إلى عالمنا. لا أعرف كيف أشرح هذا الرابط الروحي مع امرأة لم ألتقِ بها قطّ، لكنّ حكاياتها تشبه حكايات أمّي وجدّتي إلى حدٍّ بدأ يخيفنا نحن الاثنتين.
ترعرعت مشيرة في عائلة لاجئة من قرية بشّيت، تلك القرية الزراعية الجميلة الوادعة قرب مدينة الرملة. مشى جدّها وجدّتها جنوبًا حتى وصلا إلى مخيّم اللاجئين في خان يونس. كانت الجدّة عائشة حاملًا، فأجهضت جنينها تحت وطأة الطريق. وكان الجدّ يحمل أباه المُقعَد الكفيف على كتفيه. وعلى العربة حمّلوا ما استطاعوا حمله من البيت الذي قُصف. ومعهم نجا من النكبة صندوقٌ صغير من الحديد، بنّي اللون، سكن معهم خيام اللجوء، ثم بيت المخيّم الذي لم يكونوا يعرفون حينها أنّه سيصير بيتهم الهشّ في العقود التالية.
في ذلك الصندوق كانت أوراق الطابو لعشرين دونمًا مسجّلة باسم الجدّة، ومفاتيح البيت، وأوراق وعقود، وعقد الزواج الذي يُفصّل صفقة الزواج والمهر و"أرض الهوى" التي دُفعت ثمنًا لزواج محمود من عائشة. قالت مشيرة: "كان هذا مهرها، شرطها كي توافق على الزواج من محمود، الابن الوحيد لوالديه. حين كنتُ طفلة، كنت أرى ذلك الصندوق الغامض يقبع في الغرفة الداخلية من بيت المخيّم".
توفّي الجدّ محمود، جدّ مشيرة، عن عمر ناهز تسعةً وتسعين عامًا. كان في شبابه رجلًا وسيمًا، مدلَّلًا وثريًا، ابن عائلة امتلكت حقولًا وبيارات برتقال. كان من عائلة ريفية ميسورة، وتزوّج امرأتين: الأولى ابنة عمّه، وكانت خيار أسرته له؛ والثانية حبّ حياته التي اختارها قلبه، الجدّة عائشة، تلك الفتاة الشقراء ذات العينين الزرقاوين، التي كانت ضفائرها الذهبية تتراقص على ظهرها حين كانت صبيّةً في القرية. رآها محمود، فتعلّقت روحه بضفيرتها، ودفع مهرها من أراضيه الثمينة كي توافق على الزواج منه.
في عائلتي أنا، من جهة أبي، تزوّجت جدّتي ريّا، بنت المختار، من جدّي موسى بقرارٍ اعترضت عليه ريّا. كان موسى شابًا يتيمًا، مستور الحال، لكنّه متعلّم، يفقه تعاليم الدين، ويعمل بجدٍّ في الكُتّاب وفي الأرض. اختاره أبوها لها، وأعطاها نقوطها ثلاثةً من الليرات الذهبية تُعلَّق في جديلة شعرها السوداء الطويلة. واحتجاجًا على هذا الزواج الغاصب، يُقال إنّ العروس ريّا رفضت أن تتجمّل أو تلبس الزينة في عرسها.
"والله لن أقتلع شعرةً واحدة من بدني، ولن أُكحّل رمشًا من عيوني. إذا كان يريدني، فهذا ما سيحصل عليه موسى".
قَبِل موسى، وكان راضيًا بتلك الشجراوية العنيدة، بنت المختار الشامخة، وبضفيرتها السوداء المجدولة بثلاث ليرات عصمانية، لتذكّره كلّ يوم بانتفاضة ريّا الأولى.
في عام 1948، كلّ ما تبقّى لريّا من أهلها كان تلك الليرات الثلاث، ليراتٌ معلّقة بجديلتها الطويلة، وروحٌ معلّقة بأسرة اختفت كلّها. بقي الزوجان شبه وحيدين؛ فعائلتها الممتدّة اتجهت شمالًا ورحلت بقرار المختار وكبار القوم من البلد، ونزحت مع بقيّة أهل القرية نحو لبنان وسورية، بعد ثلاث معارك في الشجرة وسقوط عدد من الشهداء. أمّا جدّي موسى فأبى الرحيل مع أهل البلد، وقرّر أن يبقى في مغارة في الجبال بين الشجرة والناصرة، مع زوجته وطفليه الصغيرين. لبضعة أيام، أبقاهم الأملُ على قيد الاحتمال: لعلّهم يعودون إلى الشجرة. لكنّهم لم يعودوا أبدًا. انتقلوا من قرية إلى أخرى في الجليل، إلى أن وجدوا مأوى في قرية طرعان، حيث وُلدتُ أنا بعد سبعة وعشرين عامًا من النكبة. جدّتي ريّا لم تسامح جدّي قطّ: "اليهود اقتلعوني من بيتي في الشجرة، وأنت اقتلعتني من أهلي. لم يعد لي في هذا العالم لا والدان، ولا إخوة، ولا أخوات".
تروي مشيرة أنّه في إحدى موجات النزوح في الحرب الأخيرة على غزة، مشت مع أمّها وابنتها ساعات طويلة حتى وصلن إلى مخيّم اللاجئين في رفح. مئات الآلاف من البشر، بحرٌ من الخيام، إنهاكٌ وجوعٌ وخوف.
"وسط القصف حول المخيّم، قرّر الحيضُ الأول لابنتي أن يبدأ رحلته في بدنها الغضّ. لم يكن ذلك متوقّعًا في سنّ الثانية عشرة. بدأت تبكي وترتجف من الخوف. احتضنت أمّي، حياة، حفيدتَها، وأجهشت بالبكاء المرير. حاولتُ أن أهدّئهما وأن أسيطر على هذا الانهيار العائلي المستهجَن: سأجد لها فُوَطًا صحية، وإن لم أجد فسنستخدم ملابسنا. لا تقلقا، سنكون على ما يرام. هذا أمر طبيعي… لا بأس".




لماذا كان ردّ فعل الجدّة حارقًا ومؤلمًا إلى هذه الدرجة؟ في تلك الليلة، عرفت مشيرة أنّ حياة، أمّها، جاءها الحيض الأول أيضًا في خيمة لاجئين، في حرب 1967. كانت ترتدي يومها فستان شيفون ورديًا جميلًا، وكانت كالفراشة المحلّقة أمام بحر غزة. ركضت جدّة مشيرة تبحث عن حلٍّ لابنتها النازفة المرتبكة، فاستعارت من عجوز نازحة أخرى ثوبًا مطرَّزًا أسود، كثيفًا وثقيلًا، وألبستها إيّاه كي تخفي بقع الدم فوق ثوب الشيفون الرقيق.
لطّخت تلك البقع روحَها طوال العمر. ها هي الحفيدة، بعد عقود، يسيل حيضها الأول في خيمة، وسط حرب ودمار، ليذكّر التاريخُ ثلاثَ نساء فلسطينيات من ثلاثة أجيال مختلفة بأنّ النكبة تعيد نفسها، بالدموع والدم. بكت الجدّة؛ صحيح أنّ الثوب الأسود أخفى بقعة الدم، لكنّه لم يشفِ الذاكرة. كان قَدَر الحفيدة يُفترض أن يكون مختلفًا. هذه الصدمة، صدمة أجساد النساء الفلسطينيات، تعبر من جيل إلى جيل.
سألتُ نفسي: كم فتاة عانت من دورتها الشهرية في السنوات الثلاث الماضية؟ كم إجهاضًا حدث في الطريق من خيمة إلى خيمة؟ وكم ولادةً خاضتها النساء الفلسطينيات في غزة، في الطريق من قرية بشّيت إلى خان يونس، وفي الطريق من الشجرة إلى عين الحلوة في لبنان؟ ولماذا أنسى أنّ أمّي أنا وُلدت في خيمة؟ "فاطمة بنت الخيمة"، كانوا ينادونها في المدرسة. مرّت سنوات طويلة قبل أن تستطيع أن تخبرنا بذلك، تمامًا كما حرّرت الجدّة حياة قصّة بلوغها في ظلّ النزوح والخيام.

وجبة من ورق العنب
والد مشيرة، مدير مدرسة قدير، وكاتب وشاعر، اختفى في الحرب. اعتقد الجميع أنّه قُتل في إحدى الغارات. كان في طريقه إلى بيت أخيها المتوفَّى كي يطمئنّ على أحفاده الأربعة. منذ ذلك الحين، انقطعت أخباره. لم تكن هناك وسائل اتصال، وكان الخروج من المخيّم ممنوعًا. حين وصلت شائعات بأنّ حيّ الأخ قد قُصف ومُسح من الوجود، كانت مشيرة واثقةً بأنّ والدها استُشهد، وأنّه لم يعد بين الأحياء. ارتعبت من مهمّة البحث عن الأشلاء.
في أحد الأيام وصلت رسالة: تعالوا خذوني. أنا قرب دوّار العلم عند مدخل رفح. مع اللقاء، عاد أبي إلى الحياة. كان يبكي بلا توقّف. لم أصدّق أنّه نجا. كان أبناء أخي معه. "على الأقل، صرنا لاجئين معًا الآن"، آنست مشيرة أسرتَها ونفسها.
كان جنود الاحتلال قد اقتحموا المبنى الذي يسكن فيه أيتام أخيها المرحوم مع أمّهم، بعدما دمّرت الدبابات مبانيَ كثيرة في الحيّ. اعتقلوا وقتلوا مدنيين، وانتقلوا من شقّة إلى أخرى، حتى وصلوا إلى الشقّة التي كان فيها والد مشيرة وأحفاده. حاول والدها، الذي كان يعمل سابقًا في الداخل في نهايات الأسبوع، أن يتلعثم ببضع كلمات بالعبرية، وأن يشرح للجنود أنّ هناك أطفالًا أيتامًا يرتجفون من الخوف، أبرياء، ولا علاقة لهم بشيء.
كان والد مشيرة قد دفع ثمن آرائه وكتاباته من قبل، ومن كلّ الجهات. اعتقله عناصر حماس وسجنوه، وسجنته أيضًا أجهزة السلطة الفلسطينية، ثم أُفرج عنه. وجيش إسرائيل سجنه هو الآخر في الماضي.

قصفت دولة الاحتلال قطاع غزة بشكل غير مسبوق (Getty)


لكنّ الضابط الذي دخل الشقّة كان يتحدّث العربية. ودار بين الرجلين حوار طويل. تحدّثا في السياسة، وفي السلام والحرب، وفي حلّ الدولتين، وتحدّثا أيضًا عن طعام مشترك يحبّانه كلاهما: ورق العنب، الدوالي الملفوف بالأرز واللحم.
هل كانت سخرية الحرب وجنونها، وهل كان ورق العنب الذي يحبّه اللاجئ من بشّيت والضابط من حيفا على السواء، ما جعل الضابط يتّخذ قرارًا سيحدّد مصير هذه الأسرة؟
طلب ذلك الضابط من والد مشيرة أن يُخلي المبنى، وأن يأخذ الأطفال ويهرب، لأنّ المبنى سيُهدم ويُقصف. هكذا نجا والد مشيرة. محادثة في قلب أتون الحرب بين محتلٍّ غاصب وفلسطيني لا ذنب له؛ حوار عن حروب مصيرية وأمور جِسام تارةً، ودردشة في أمور بسيطة وتافهة تارةً أخرى، منحت لحظةً صغيرة من الحياة في مواجهة بين المحتلّ ومن وقع تحت الاحتلال؛ مواجهة تنتهي، في الغالب، بسفك الدماء، وقصف البيوت، والدمار.

أقسى ما في الحرب: الجوع
سألتها: ما أصعب ما مررتِ به يا مشيرة؟
أجابت: "اللحظة التي تألّم فيها طفلاي من الجوع. هل انتبهتِ يا سماح إلى أنّنا في مجتمعنا الفلسطيني، حين نريد أن نذمّ إنسانًا نقول عنه: هاد جوعان؟ أي إنسان مكسور النفس، مستعدٌّ أن يفعل أيّ شيء كي يحصل على ما يريد. وعن الإنسان الميسور، النبيل، الذي يحفظ كرامته، نقول: فلان شبعان. بطنه ممتلئ، كأنّ الشبع علامة على عزّة النفس والوفرة والكرامة. الإنسان الشبعان لا يحتاج إلى التسوّل والحسنات؛ لديه كرامته. أمّا الجائع فهو إنسان منكسر ومهان. اليوم لم أعد أستخدم هذه الكلمات. لقد شعرت بالجوع في هذه الحرب. أطفالي يعرفون معنى الجوع الآن، لا لأنّنا فقراء أو نعيش على الصدقة. هذه الحرب اللعينة هي التي أوصلتنا إلى هذا القاع. عندما بكى جدّي محمود من الجوع وهو طفل، كان ذلك بفعل المجاعة والحرب العالمية والجراد الذي أكل الأخضر واليابس. أفهم الآن كيف باعت أخته فاطمة قطعةَ أرض مقابل جرّة ذرة، كي تُطعم أخاها الوحيد".

الخزينة السرّية في صدور الفلسطينيات
المال الذي ادّخرته مشيرة لشراء السيارة أخفته داخل حمّالة صدرها. خاطت لها أمّها جيبًا داخليًا كي تخفي فيه النقد الذي كان يتناقص في غزة. الجيب الداخلي المخيط في ثوب الأمس، بين النكبة والنكسة والحروب، وفي حمّالة صدر اليوم، خزنةٌ مألوفة لدى جدّاتنا؛ أداة نجاة أخرى طوّرتها النساء الفلسطينيات في دروب اللجوء والعذاب، في التفتيش عند الحواجز، وفي ليالي الخيام، والنوم تحت قبّة السماء. المكان الأكثر أمانًا هو حضن امرأة. هناك أخفين الذهب والمال وأوراق الهوية والصور الغالية والذكريات. نحن الفلسطينيات، أرشيفنا وثروتنا ومفاتيح بيوتنا في صدورنا.
تروي صديقتي: "بعد أسبوع لم يأكل فيه طفلاي تقريبًا أيّ شيء، نفد كلّ شيء. كانت أسعار السلع الأساسية خيالية. خلال الحرب، صار الخبز يُباع بمبالغ أسطورية لا يستطيع أحد دفعها. أخرجت الورقتين النقديتين الأخيرتين من صدري وقلت لزوجي: اشترِ لنا خبزًا. مائتا شيكل هي كلّ ما تبقّى معي".
"عاد ومعه ربطة خبز عَفِن. أشعلت نارًا، وأطعمتها أحد فساتيني، وحرقت الخبز الفاسد قليلًا كي أسخّنه. قالوا لي إنّ الفحم الأسود يقضي على العفن الأزرق، وإنّه يمكن أكله بلا خوف. فركت الخبز، وخلطت السواد بالزرقة، وأعطيت نصف رغيف للولد، ونصف رغيف للبنت. قطعة الخبز تلك أخذت منّي آخر ورقة نقدية كانت لديّ، ورحل حلم سيارتي معها".

بين البيت والمدرسة
نشأنا، مشيرة وأنا، في حضن آباء وأمّهات معلّمين ومربّين، أبناء النكبة الذين وُلدوا وكبروا في ظلّ الحكم العسكري. هي بقيت لاجئةً في مخيّم في غزة، أمّا أنا فأصبحتُ عَنوةً مواطنةً في دولة إسرائيل. أطلقوا علينا اسم "عرب إسرائيل"، وكنتُ أنا تلك الشابّة العربية من قرية في الجليل.




الجيل الذي ربّانا خسر كلّ شيء في معركة فُرضت عليه: البيت، والأرض، والعائلة، والمكانة، وبدأ من الصفر. كان مسار صعودنا ونموّنا وهروبنا وانطلاقنا في معترك الحياة هو التعليم والعلم، وتلك دائمًا شهادة الأمان للاجئين، ليس في فلسطين وحدها؛ سلالة الناجين من المحرقة تعرف ذلك جيدًا. جيل والدينا آمن فعلًا بأنّ مستقبل أبنائه سيكون مختلفًا إذا ما نجحوا في دراستهم. ثم جاءت هذه الحرب لتعلّمنا أنّ المثقّف والطبيب والباحث والكاتب هم أخطر ما أنجبته فلسطين: في الداخل يجب إسكاتهم وقمعهم، وفي غزة على الجيش استهدافهم وإبادتهم أولًا.
تفوّقت مشيرة في مدرسة الأونروا في مخيّم اللاجئين، وتفوّقتُ أنا في مدرسة حكومية في قرية طرعان. هي تعلّمت وتغنّت بقريتها بشّيت المهجَّرة، وحفظت النشيد الوطني الفلسطيني؛ وأنا تعلّمت في كتاب "الموطن الجديد: إسرائيل" للصف الرابع في المدارس الحكومية: "عيد استقلال بلادي غرّد الطير الشادي"، ولوّحت بحماسة بالعلم الأزرق والأبيض في الطابور حين جاء مفتّش المعارف لزيارة المدرسة، لعلّ أستاذي للغة العبرية يرضى عنّي.
وها نحن الاثنتان نكتب حكاية شعبنا، نضحك ونبكي في الوقت نفسه. بعد أن تعلّمتُ فلسطينيّتي من جدّتي وأمّي، حفرتُها بأظافري وكتبتُها بحروفي، كما رسم ناجي العلي، ابن الشجرة، حنظلةَ بقلم الرصاص، وغنّاها أبو عرب في "توتة الدار" و"هدّي يا بحر هدّي".
بيت الحياة الذي بنته أمّ مشيرة في غزة على مدى عقود، بعيدًا عن قرية بشّيت، دُمّر بالكامل. تقول مشيرة: "هذا مشروع عمر أمّي". تمامًا مثل أمّي، المعلّمة فاطمة من طرعان، التي احتاجت إلى خمسة وثلاثين عامًا كي تبني بيتًا في القرية التي استقبلتهم بعد النكبة، غير بعيد عن البيت الذي كان يُفترض أن يكون لها في الشجرة، وهو اليوم في مستوطنة إيلانيا، ومعناها بالعبرية: شجرة.
لكنّ بيت مشيرة لم يعد موجودًا. حرب أخرى دمّرت بيتها وحياتها. أمّا بيت والديّ فما زال يستقبلنا في نهايات الأسبوع، في الزيارة الأسبوعية للمعلّمين المتقاعدين من وزارة التربية، حسن وفاطمة. يومًا ما سأُعدّ وجبة الدوالي، وأستقبل مشيرة ووالدتها فيه.
تقول مشيرة: "ذهبت إلى بيتنا وصوّرت كلّ شيء. لم ينجُ شيء. لا أجرؤ على أن أُري الصور لأمّي حتى اليوم. المضحك والمؤلم في القصة أنّني ما زلت أُعدّ محظوظة، يا سماح: بيتي لم يُهدم حتى النهاية. ما زالت هناك جدران، وأنا الآن أحاول ترميمه والعودة إليه، حتى لو اضطررنا إلى نصب خيمة داخل البيت. نحن داخله الآن".

النافذة
في إحدى مكالماتنا، فهمت مشيرة أنّني كنت قد زرت غزة قبل نحو شهرين من اندلاع الحرب.
قالت: "لو عرفتُ، لما تركتك تتحرّكين من بيتي. كنّا سنقضي كلّ الوقت معًا. أنتِ ضيفتي في غزة".
قلت لها: "مكثت في فندق. اسمه المتحف. لم أكن أريد أن أُثقل عليكِ. معاملة الفندق ممتازة وموقعه رائع".
قالت: "يا عيب الشوم! فندق وأنا هنا؟ فقط عندي في البيت. بيتي هو بيتكِ".
فجأةً صمتنا.
قلتُ: "هل تدركين أنّنا نتجادل حول ضيافة في بيت لم يعد موجودًا؟ وحول فندق لم يعد موجودًا هو أيضًا؟ هل نحن مجنونتان؟ قولي لي".
قرّرنا معًا: لا، لسنا مجنونتين. نحن امرأتان فلسطينيتان، لاجئتان، لا تزالان تحلمان بأن تلتقيا. يومًا ما سنلتقي.
"أنا متأكّدة. وعندها ستنامين عندي في البيت بالتأكيد، ولا نقاش في ذلك أصلًا!"، أعلنت ذلك بثقة مبالغٍ فيها.
سألتني مشيرة: "أتعرفين ماذا أريد منكِ الآن؟ أريد أن نتوقّف عن الكلام عن غزة، عن الركام والموت. الجميع يطلبون منّي أن أقدّم تقارير عن الأهوال، ويتجادلون: هل ما يحدث هنا يستوفي معايير المجاعة الدولية؟ هل هو إبادة جماعية أم لا؟ أنا أريد أن أعيش. أريد أن أرى الحياة".
سألتها: "ماذا تحتاجين يا حبيبتي؟".
أجابت: "افتحي نافذة، وصِفي لي بالضبط ما ترين بكلماتكِ، بكلّ التفاصيل: الناس العاديين، الأشجار، البيوت، النوافذ، الأطفال والسيارات. كلّ ما ترين. أريد نافذة مفتوحة في هذا الجدار اللعين. أريد أن أشعر أنّني امرأة على قيد الحياة، أتنفّس وأنا حرّة؛ امرأة لم تُنسَ خلف الجدار، وسط الدمار، وفي قلب الحصار".
وعدتُ مشيرة أنّني سأصل إلى بشّيت، وسأفتح لها تلك النافذة من أعلى مكان في القرية. وستكتب هي، بكلماتها، عودتها الحتمية إلى دارها وديارها.

*كاتبة وناشطة اجتماعية وسياسية فلسطينية.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.