}

مراثٍ ناقصة

شعر مراثٍ ناقصة
(رفيق شرف)

(1)
حيثُ الروحُ

أستطيعُ أنْ أشعرَ
برجلي الصغيرةِ
في رجلي الكبيرةِ الآن
في هذا الشارعِ المدمّرِ
في ذلك الحقلِ المحروقِ
وتحتَ ذلك المبنى
خلفَ تلك الصورةِ
على الحائطِ
في ذلك الحذاءِ
حيثُ الروحُ
قطعةُ قماشٍ بيضاءُ
حيثُ إنّ انعكاسَها لا يحضرُ
ولكنّ ظهورَها يدخلُ
في ملمسي
أفركُ يديّ فيها
وألوّثُها
كمنْ يلطّخُ الوقتَ
في منزلٍ بلا سقفٍ
وقفٌ للسماءِ
هناك
حيث تبسقُ الجدارةُ
من نظامِ النعمةِ الأبديّ
حيثُ يُمكنكَ أنْ تحوزَ عليها
وللآخرين أيضًا
إذا ما شئتَ
وإذا ما أرادوا
وحيثُ إنّ لمسَ الذاتِ
هو مُطلَقُ الروحِ تلك
في اقتصادٍ خارقٍ
لطبيعةِ الأشياءِ
يصنعُ جاذبيّتَها
مقابلَ ماضٍ لم يمضِ
يدورُ كخللٍ
في اللّغةِ
وما يبقيكَ في صحوٍ
لوثةُ
أنّ الحبَّ طاقةٌ
لا تتطلّبُ إعلانًا
تمامًا
كبرهةِ انتقالٍ من الفظاعةِ
إلى التيقُّظِ
كُمونُ لحظةٍ في حمأةِ الانقضاءِ
حيثُ لم يبقَ هناكَ الكثيرُ
من الصمتِ لأحدٍ
حيثُ يتطلّبُ الأمرُ
جسارةً للسّيرِ بصمْتٍ
إلى النصفِ الآخرِ
من الصورة.


(2)
أن تأتي اللحظة

يومٌ آخرُ ولا تأتي القصيدةُ
مبنى آخرُ
ولغوٌ
وانتظارُ أنْ تأتي اللحظةُ
كنّا قد كتبناها على غيمةٍ
مرّت سريعًا
لم تتوقفْ
تغنينا بها بمرثيةٍ
طربنا لها
زرعنا أصابِعنا في الزمنِ
وظننّا أنّه سينبتُ أقواسَ نصرٍ
نتظلّلُ بها
بنيْنا المنازلَ على التخومِ
وتركنا السهلَ عاريًا للدموعِ
شيّدنا كلَّ هذا
على بابِ النّهايةِ
وقلنا لن يُفتحَ
لم تكنْ هناكَ كلمةُ ربّما
لتقينا
من استدارةِ الزمنِ
لم تكنْ هناكَ فطنةٌ
لحدائقَ خلفيّةٍ
صنعنا الاعتيادَ
وظلّلناهُ بالأساطيرِ الرقيقةِ
الجارحةِ
كان حلمًا عطّلناهُ
هذا كان المدى
ولم يكنْ هناكَ شيءٌ خلفَهُ
وضعنا له وجهًا ورقصنا
حولَهُ
وكان القدرُ يزورُنا
وكنّا لا نفهمُ الزيارةَ.

(3)
كم أغنيةٌ

سيكونُ الوقتُ شاهقًا
لنتسلّقَهُ
سنكونُ في الخلفيّةِ
مع مراكبَ لا تصلحُ
للأغاني
وستكونُ الأصواتُ كثيرةً كثيرةً
عندما يسدلُ الحاضرُ بابَهُ الخلفيَّ
لن يبقى مسموعًا
إلا صوتُ حركةِ الأجفانِ
تنظرُ إلى الظلالِ هناك
فوقَ الهضابِ
حيثُ تتجمّدُ الصوَرُ
تسألُ بصمتٍ جارحٍ
كم مرّةً نزلنا إلى هذا العمقِ
كم استدارةً علينا أن نُتمّم
ليولدَ التِماسٌ
بين عينِ الإعصارِ والقمرِ
هل لهذا الجرحُ أنْ يجعلَنا
ذاتًا
تهنأ في صَدَفةٍ
كم أغنيةً علينا أنْ نستعيرَ
لتستقرَّ المرثيّةُ
في حضنِ العالمِ.

(4)
الوقتُ الضائع

لستُ مدينًا إلّا
لليوم التالي
أمّا الذاكرةُ
فليستْ إلّا إدارةً
للوقتِ الضائعِ
فحتّى الدراجةُ الهوائيّةُ
صارتْ ببطّاريّةٍ
كانتِ الضريبةُ عقابًا في الحقلِ
صارتْ ثمنًا
لقضاءِ بعضِ الوقتِ
على الطاولةِ
والإلهُ لطالما كانَ
بعدّةِ رؤوسٍ
ولكنّهم وضعوا حرسًا للفكرةِ
وفتحوا الخرائطَ
وذهبتِ اللغةُ معهم
إلى اللحظةِ
كانَ المدى يتغيّرُ
والأكفانُ تخرجُ
من البابِ القديمِ
كانتِ المخيّلةُ ما زالتْ معلّقةً
على بقايا الرزنامةِ
والدمعُ ينهمرُ
يروي الساحةَ
فالأسى لا يشبُّ
على بعلٍ
وكانَ الوقتُ يتلوّى
في الدقائقِ الضائعةِ
فحياةٌ واحدةٌ تستغرقُ
زمنًا لنتسلّقها
ولكنَّ الصراخَ بقيَ يتكدّسُ
من الماضي
يرفعُ الفناءَ سمتًا
حيثُ لا حيلةَ تبدّدُ الغيابَ
الجاثمَ في النهارِ
كانتِ المرثيّةُ تحاولُ
كاللحنِ المنخورِ
فوقَ الثوبِ العتيقِ
الذي طُرِّزَ سخاءً
لتكتمل الغواية
فالمغادرةُ إيابٌ
والمرويّاتُ تصدحُ
الموتُ سعادةٌ
الوثنُ عادَ وسلَّمَ القربانَ
فالرضى العلويُّ
اقتصادٌ باذخٌ
الأفواهُ في الهواتفِ
تزرعُ العالمَ المستأجرَ هذا
والسماءُ كحجرِ الباطونِ
الشمسُ غادرتْ وتركتْ
البياض وحيدًا.

(5)
صِغْرُ أثوابِنا

هكذا إذًا
لم يعدْ هناكَ متّسعُ
للوقتِ
ليُكملَ فينا
ملأتْ الثقوبُ الأسطورةَ
ثم انفرطَ التاريخُ
في الأغاني القديمةِ
على أثلامِ العِقارِ
في الخريطةِ
لم نطوّبهُ
في الدوائرِ العُليا
تركناهُ فزّاعةً
في حقلِ اللّيمونِ
وخلفَ شجرةِ الموزِ
تركناهُ طُعمًا
وظننّا أنّ البحرَ
سريرٌ طريٌّ
وهو كأنّهُ خرجَ قبلَ أوانِه
ولكنّه خرجَ
ونحنُ
لطالما وضعناهُ
في الإطارِ
لم نُخبّئهُ
حملناهُ طفلًا
إلى الحقلِ
لم نضعْ لهُ شراعًا
خلفيًّا
لم نصنعْ مجذافًا
لم نُعمّدْهُ في الصُّحُنِ
لم نقرأ في أذُنِهِ
لطالما ظننّا أنّ الزمنَ
كان له حارسًا
كانت الأنشودةُ سهلةً
وكانت المرثيةُ رقيقةً حينًا
وجارحةً أحيانًا كثيرةً
لم نكنْ نرى صِغرَ
أثوابِنا
في مرايا هذا العالمِ
لم تكنِ المرايا
إلاّ للغوايةِ
وكان الحبُّ يقفُ
على العتبةِ خجَلًا
كان لا بدّ لهُ من ذراعينِ
ومن قبلةٍ مُكتملةٍ
بقيَتْ في الزوايا
لومٌ خالصٌ
يختمرُ
لا يُصرفُ
إلاّ نميمةً في الرواياتِ
إلاّ دمعًا مهدورًا
وقبضاتٍ غاضبةً.

* شاعر وكاتب لبناني.

قصائد اخرى للشاعر

شعر
4 مايو 2026

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.