لم يدرك الخيط مكامن قوته، سرّ أسراره. يجهل سبب تداوله، منبع مجيئه، ولم يتسن له دراسة منشأه. كما وتغافل عن السؤال عن وجهته. إنه خيط. خيط واحد بمفهوم التعريف المادي، لكنه الخيط الذي يصول ويجول في شتى العوالم، عوالمنا، أحياء، وأموات، وجماد، وماورائيات.
من الخيط انْتَسجت ورقة تين تستر عورات، ولولا الخيط لما تدلّت رقاب انكشفت عيوب لاإنسانيتها. فالخيط مشترك بين فواصل ومحطات جيو ــ جسدية، وجيو ــ نفسية، إلى آخره من "الجيوواتات" المربوطة بخيط مشدود، أو المتآكلة بخيط تالف...
تثير دهشتنا الخيوط. خيوط المطر بحب ولهفة وترقُّب، ومخاوف انحسار، ومخاوف فيوض تجتاح فلا نحتاج. خيوط الشمس، ومعها تنسج الحرية أناشيدها، وتتمرغ الأنوف تحت ضوئها، وتحترق لحظات الانتظار في صحرائها، وتترقّب عيون خلف عتمةِ بصيص نورها. عتمة زنازين افتقدت خيوط الشمس، وعتمة قلوب حيكت بخيوط القساوة، تمتطي الظلم وتغطّيه بخيوط الظلام.
ليس للخيط مبيت، ولا وجهة محددة. يستعجل الوصل والربط، ويتعارك مع العُقد وكمائن النَسْج وطرقه. تُغريه مهمة التغلغل، وتُثنيه عقبات التنسيج. يتغلغل في خيوط المؤامرة، فتنسجه أدوات الحكاية، وتغزله أطايب المفردات، فتشتبك المؤامرة مع الخيوط لضعف في توزيع خيوط اللعبة، ويتبادلان الاتهامات، اتهامات من نوع وَهَنْ الخيوط، ارتهان الخيوط ، هَوَان خيطِ بين تلك الخيوط. خيوط الكذب في طرف خيطٍ من هذي الخيوط.
مهام متعددة ممنوحة للخيط، فهو الواصل، والقاطع، والموصل والمنقطع. يتبرّج بكل الألوان، وفي العناد يمكن للخيط الأبيض أن ينفصل عن الخيط الأسود. مهامه ذاتية التنفيذ، أما في الصعوبات فهو كبكوبة من الخيوط "المتشربكة"، لا يتقن تفكيكها إلا المُمسكين بالخيوط، واللعبة، واللاعبين.
***
خيوط الفجر لا تني ترمي بسْمَتَها الصباحية، تهيئة لتأخذ مكانها في نسيج خيوط الضوء، لتعود وتلملم خيوطها المفلوشة نهارًا عند أعتاب مجيئ خيوط المغيب. تنسحب الخيوط بعضها من بعض، وتنسحب من أمام بعضها بعضًا. تبادُل للأدوار والدوران منذ أزلٍ وأبدٍ وإلى ما لا تعداد لنا عليه.
إنها ولادات الخيوط من خيوط، وبالعكس. إنها ولادة خيوط من الخيوط.
***
تجهل الخيوط امتيازاتها. تنقاد خيطًا واحدًا، بمهام متنوعة. تتعرّج نسْجًا، وغَزْلًا، أمطية لأدوات قتل، أو أشرطة لقلادات نصر، أو أرسنة هزائم. تنفرش بمقاسات محددة المهمة سجادًا أحمر الاستقبال، والتشريفات، وأغطية لطاولات التقاسم، والتواطؤ، ومثلها في خيوط الأحبال الصوتية رفعًا وخفضًا، وانسحاقًا.
في الاهتراء أيضًا، تنسحب الخيوط من نسيجها، تتعب، تتمدد إلى خلف. تُرمى في غير مكانها. يعوزها ابتكار المكر مجددًا لتجديد خيوطها تجنبًا لخيوط الانزلاق... ففي انزلاق الخيوط ينقطع خيط التواصل والوصل، وتتصدّر خيوط البرق، لوحة المشهد. تلمع، ترتسم، تُنذر، تتمدد، وتنعتق من تحذيراتها، لتترك المشهد لخيوط اللهب واللهيب.
إنها الخيوط لو تدرك ماهيتها، قوتها، وسرّ أسرارها، وعوائد خيط النور منها، كسرًا لخيوط تُحاك وتُنسج، بخيوط من اشتعال. بخيوط من نار. بحبل من مسد.
(أيار/ مايو 2026).
ما وراء الخيوط!
مقالات اخرى للكاتب
حوارات
22 يوليه 2026
حوارات
25 يونيو 2026
يوميات
14 يونيو 2026
حوارات
5 يونيو 2026


تحميل المقال التالي...