}

سارة غوميز: سينما الحقيقة المباغتة وتشريح الهوية

ناصر ونوس ناصر ونوس 19 يونيو 2026
سير سارة غوميز: سينما الحقيقة المباغتة وتشريح الهوية
سارة غوميز
تُعدّ سارة غوميز (Sara Gómez) الظاهرة النسائية الأكثر عمقًا وشاعرية في تاريخ السينما الكوبية. ورغم أنها رحلت مبكرًا في سن الحادية والثلاثين، إلا أنها تركت خلفها إرثًا سينمائيًا هزّ المفاهيم المستقرة حول "السينما الثورية". لم تكن سارة مجرد مخرجة، بل كانت عالمة اجتماع بصرية، ومناضلة نسوية، وصوتًا أفرو-كوبيًا فذًّا استطاع أن يرى الشقوق في جدار الثورة الكوبية، لا من أجل هدمه، بل من أجل ترميمه بالصدق والعدالة.
وُلدت سارة غوميز في هافانا عام 1942، ونشأت في حي "غواناباكوا"، وهو معقل للثقافة الأفرو-كوبية. هذا التكوين الأولي منحها أذنًا حساسة للإيقاع وعينًا تلتقط التهميش. درست الموسيقى (البيانو) والأنثروبولوجيا قبل أن تنضمّ إلى المعهد الكوبي للفن والصناعة السينمائية (ICAIC) في عام 1961. وبعد انضمامها إلى المعهد عملت كمساعدة مخرج لكلٍّ من خورخي فراغا، وتوماس غوتيريز أليا، وأنييس فاردا. وهو ما صقل موهبتها وعزّز خبرتها.
كانت سارة المرأة الوحيدة في تلك الحقبة التي تقود طاقم تصوير في بيئة يسيطر عليها الرجال. تعلّمت السينما عبر ممارسة "الوثائقي التسجيلي"، وتأثّرت بمدرسة "سينما الحقيقة" (Cinéma Vérité)، لكنها أضافت إليها روحًا نقدية نابعة من هويتها كامرأة سوداء. رحلت سارة في مثل هذا الشهر من عام 1974 إثر نوبة ربو حادة، قبل أن تشاهد العرض الأول لفيلمها الروائي الوحيد، لكنها في تلك السنوات القليلة أصبحت "بوصلة" لكل السينمائيين الذين يبحثون عن الحقيقة خلف الشعارات. ورغم عمرها القصير إلا أنها تركت وراءها سبعة عشر فيلمًا لا يمكن للباحث في السينما الكوبية أو سينما أميركا اللاتينية تجاهلها. تلك الأفلام التي تميّزت بقدرتها على دمج "الخاص" بـ"العام"، وتحويل البحث الأنثروبولوجي إلى فعل سينمائي فاتن.
وهنا سنتوقف عند الأفلام التي تُعتبر الأهمّ في مسيرتها السينمائية.

"تاريخ القراصنة" وإدانة القرصنة الأميركية
بدأت غوميز تجربتها الإخراجية عام 1962 بفيلم من خمس دقائق بعنوان "الساحة القديمة" (Plaza Vieja)، ثم بفيلم آخر بعنوان "تاريخ القرصنة" (Historia de la piratería) أُنتج عام 1962 أي بعد عام واحد على غزو "خليج الخنازير" (نيسان/ أبريل عام 1961) وهو محاولة الانقلاب العسكرية الفاشلة التي دبّرتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية (CIA) للإطاحة بحكومة فيدل كاسترو في كوبا ووقف المدّ الشيوعي في أميركا اللاتينية. نفّذ العملية منفيّون كوبيون مسلحون، لكنّ القوات الكوبية هزمتهم خلال أيام، مما شكّل إحراجًا كبيرًا لإدارة الرئيس جون كينيدي وعزّز تحالف كوبا مع الاتحاد السوفياتي. وفي هذا الفيلم تستخدم سارة غوميز المادة التاريخية كقناع سياسي؛ حيث تستعرض تاريخ هجمات القراصنة على كوبا في القرون الماضية لتصيغ استعارة بصرية تدين من خلالها التدخلات الأميركية المعاصرة في بداية سنوات الثورة، ومنها هذا الحدث، معتبرةً إيّاها شكلًا جديدًا من أشكال القرصنة التاريخية. اعتُبر هذا العمل تمرينًا بصريًا مبكرًا للمخرجة غوميز في كيفية تفكيك الروايات التاريخية الكبرى وربطها بالواقع السياسي آنذاك، وهو الأسلوب الذي تطوّر لاحقًا في أفلامها الأكثر نضجًا.

ثلاثية "غواناباكوا" وتحليل الهامش
لم تكن سارة غوميز مخرجة تبحث عن "الصورة الرسمية" للثورة، بل ذهبت بكاميرتها إلى المناطق التي تُشكّل الوجدان الشعبي الحقيقي. تجلّت هذه الرؤية في ثلاثيتها الوثائقية الشهيرة، التي تُعرف بـ"ثلاثية غواناباكوا" أو أفلام "الأحياء المهمّشة"، حيث استبدلت لغة الشعارات بلغة البشر العاديين. وهذه الأفلام هي:

  1. "سأذهب إلى سانتياغو" (Iré a Santiago!) (1964): في هذا الفيلم، تستلهم سارة غوميز عنوانها من قصيدة الشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا، لتقدّم قصيدة بصرية موازية تحتفي بالمدينة الأكثر "أفريقية" في كوبا. وهنا تخلّت سارة عن أسلوب "التعليق الصوتي"، وتركت الكاميرا تتجوّل بوعي في الشوارع. الفيلم ليس مجرّد جولة سياحية، بل هو قرار واعٍ بالانحياز للجذور؛ حيث ترصد الكاميرا "أجساد" الناس، وحركاتهم، وإيقاعات موسيقى "السون" و"الرومبا". لقد حوّلت سارة كلمات لوركا عن النخيل والبشر السمر إلى مادة سينمائية تعيد الاعتبار إلى الهوية السوداء كعنصر أصيل ومركزي في الهوية الوطنية الكوبية.
  2. "في الجزيرة الأخرى" (En la otra isla) (1968): يُعدّ هذا الفيلم المختبر الأنثروبولوجي الحقيقي لسارة غوميز. تذهب الكاميرا إلى "جزيرة الشباب" (Isla de la Juventud) لتُجري مقابلات مع الوافدين الجدد إليها. العنوان "في الجزيرة الأخرى" يحمل دلالة رمزية؛ فهو لا يشير فقط إلى الجغرافيا، بل إلى محاولة بناء مجتمع "آخر" ومختلف. واجهت سارة في هذا الفيلم حقيقة أن الانتقال إلى "جزيرة أخرى" لا يعني بالضرورة ترك "العادات القديمة" خلف الظهر. لقد استخرجت من أفواه الناس اعترافات صريحة حول استمرار العنصرية والطبقية والتحيز الجنسي، مما كشف عن الفجوة بين طموح الثورة في خلق "إنسان جديد" وبين الواقع البشري الذي لا يزال مرتبطًا بجذوره وعاداته العميقة.
  3. "جزيرة الكنز" (Isla del Tesoro) (1969): تختتم سارة الثلاثية بهذا الوثائقي الذي يستكشف الجدلية بين "المكان" و"الذاكرة". ترصد سارة محاولة الثورة لتحويل جزيرة كانت تضمّ سجنًا سياسيًا ضخمًا (شهد سجن كاسترو نفسه) إلى يوتوبيا تعليمية وزراعية. ببراعة فائقة، صوّرت التناقض بين جمال الطبيعة وثقل التاريخ القمعي للمكان. استخدمت أسلوب "المقابلة" البصرية؛ حيث تضع أحلام الشباب الطامح لبناء مستقبل جديد في مواجهة صمت جدران السجن القديمة، مما يخلق توترًا دراميًا حول معنى الحرية الحقيقي وقدرة الإنسان على إعادة بناء نفسه فوق أنقاض الماضي.

جماليات الثلاثية، "الندّية" لا "الفوقية": تجمع هذه الأفلام الثلاثة فلسفة سارة غوميز في "إعطاء الصوت لمن لا صوت لهم". لم تكن تصوّر "المنبوذين" وفقراء الضواحي كمادة للشفقة أو كـ"مشكلة إدارية" تنتظر الحلّ، بل كبشر يمتلكون ثقافة معقدة وندّية إنسانية كاملة. بهذه الثلاثية، أثبتت سارة غوميز أن الهامش هو "المركز الحقيقي" لفهم أيّ تحوّل اجتماعي، وأن السينما لكي تكون صادقة، يجب أن تمتلك الشجاعة لتعرية الواقع ووضعه أمام مرآة نفسه دون تجميل.

فيلم "بطريقة ما" (De cierta manera) والسؤال عن تغيير السلوك البشري

هذا الفيلم هو فيلم سارة غوميز الطويل الوحيد، والذي ظهر عام 1977، ويمزج بعبقرية بين الروائي والوثائقي. تدور القصة حول علاقة حبّ بين "يولاندا"، المعلمة الوافدة من الطبقة الوسطى الملتزمة بالقيم الثورية الجديدة، وبين "ماريو"، العامل في أحد المصانع والمنتمي لبيئة "هامشية" لا تزال محكومة بقيم "الرجولة التقليدية" (Machismo) والموروثات الدينية الأفريقية. يُعتبر هذا الفيلم تشريحًا للمجتمع الكوبي في مرحلة الانتقال. ومن خلاله تطرح سارة غوميز سؤالًا جريئًا: هل يكفي تغيير النظام السياسي لتغيير السلوك البشري؟ الفيلم يكشف أن "العادات القديمة" أكثر صمودًا من "القوانين الجديدة". الجمالية الفنية هنا تكمن في "التداخل القطعي"؛ حيث تقطع سارة قصة الحبّ لتعرض لقطات وثائقية حقيقية عن أحياء الفقراء وهدم البيوت القديمة، مما يجعل المشاهد يشعر أن الأزمة ليست في الشخصيات، بل في النسيج الاجتماعي نفسه.

الجماليات والأسلوب الفني عند سارة غوميز

يمكن حصر البصمة الفنية لسارة غوميز في نقاط جوهرية جعلتها سابقة لعصرها:

  1. جمالية "السينما الهجينة": رفضت سارة الحدود الفاصلة بين الفيلم الروائي والوثائقي. بالنسبة لها، الحقيقة توجد في المنطقة الرمادية بينهما. هذا الأسلوب منح أفلامها "مصداقية" مدمِّرة؛ فبينما نتابع قصة متخيَّلة، تداهمنا الكاميرا بوجوه حقيقية من الشارع تتحدث عن مشاكلها، مما يجعل الفيلم فعلًا اجتماعيًا حيًّا وليس مجرّد حكاية.
  2. النقد النسوي المتجذّر: لم تكن سارة ترفع شعارات نسوية، بل كانت "تمارس" النسوية عبر الكاميرا. في فيلم "بطريقة ما" (De cierta manera)، نجدها تُشرّح مفهوم "الرجل القوي" (El Macho) في الثقافة الكوبية، وتُظهر كيف أن هذا المفهوم يُعيق تطوّر المجتمع والثورة نفسها. كانت ترى أن تحرير المرأة يبدأ من تحرير علاقتها اليومية مع الرجل، وليس فقط عبر قوانين العمل.
  3. العين الأفرو-كوبية: لقد أعادت سارة غوميز الاعتبار للمكوّن الأفريقي في الهوية الكوبية؛ فمن خلال جمالية بصرية تحترم الإيقاع والطقس، صوّرت سارة "السانتيريا" والموسيقى الأفريقية لا كفولكلور للسياح، بل كخزّان للمقاومة الروحية. كانت كاميرتها تبحث عن "الأصول" التي حاولت الثورة أحيانًا تذويبها في قالب وطني موحّد. وبهذا تكون سارة غوميز قد أسهمت بما يُسمّى "تفكيك استعمار العدسة السينمائية" (Decolonizing the Lens).
  4. التفكيك الدرامي: تأثّرت سارة بأسلوب ب. بريشت في التغريب؛ حالها حال معظم السينمائيين الكوبيين خلال تلك الحقبة الزمنية، فهي لا تريد للمشاهد أن يغرق في العاطفة وينسى الواقع. أسلوبها في المونتاج يعتمد على "الصدمة الفكرية"، حيث تضع معلومة إحصائية جافة فورًا بعد مشهد عاطفي مكثّف، لتُجبر المشاهد على التساؤل عن "السبب البنيوي" للمأساة.

سارة غوميز والثورة والنقد

تكمن فرادة سارة غوميز في أنها لم تكن "معارضة" بالمعنى السياسي التقليدي، بل كانت "ناقدة من الداخل". كانت تؤمن بالثورة بعمق، ولذلك كانت تخاف عليها من "الزيف" و"البيروقراطية". أسلوبها الفني يعكس هذا القلق؛ فسينماها هي محاولة مستمرة للكشف عن "المناطق المظلمة" التي يفضّل القادة تجاهلها. كانت ترى أن الثورة التي لا تستطيع مواجهة مشاكل العنصرية والتمييز ضد المرأة هي ثورة منقوصة.
في الختام، تظل سارة غوميز النجمة القطبية التي يهتدي بها كلّ من يريد تقديم سينما ملتزمة بالحقائق الإنسانية قبل الأيديولوجيات السياسية. لقد كانت "سيدة الهوامش" التي جعلت من الهامش مركزًا للرؤية. رحيلها المبكر كان خسارة فادحة، لكن فيلمها الوحيد "بطريقة ما" يظل حتى اليوم أحد أهم عشرة أفلام في تاريخ سينما أميركا اللاتينية، لأنه الفيلم الذي تجرّأ على قول الحقيقة بلسان امرأة سوداء في وقت كان الجميع يفضّل فيه الصمت أو المديح.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.