}

الغيم يمر من القلب

شعر الغيم يمر من القلب
"رجل برأس مليء بالغيوم" لسلفادور دالي

 

1

 

كنت أراقب قلبي

يتقلب في قاع كوبٍ فارغ

يصدر صوتًا

أشبه بطقطقة مفاتيح فقدت أبوابها.

لا شيء يُكسر من تلقاء نفسه

حتى الزجاج

يحتاج إلى إصبع غافل

أو ريحٍ تأتي من ناحية العدم.

 

الأمس

خاطبتني كلمة صغيرة.

مبلّلة

كقطعة سحاب

نسيت طريقها إلى الأعلى.

وقفت عند مفرق أضلعي

ونطقتني.

لا أدري إن كانت قالت: "صباح الخير"

أو فقط خافت من الصمت.

 

كان في الغرفة ظلٌّ يتنفس.

ينظر إليّ من زاوية الضوء المهمل

كأنه يعرف

أن العتمة لا تأتي

إلا لمن يشعل شمعة الكلمات.

كنتُ أسمع لونها.

نعم

للكلمة لون.

برتقاليٌّ محروق

يشبه صمت البرتقال حين يُقشَّر فجأة.

وأشمّ دفئها

كرائحة فرنٍ حجريّ

أعدَّ الخبز لجوعٍ لم يعد موجودًا.

 

القلوب

ليست فخارًا هشًّا

ولا أعشابًا في مهبّ العبارات.

هي أكثر خبثًا

تنتظر تلك الجملة التي لا تُقال من فم

بل تُولد بين سطرين

وتفلت مثل رعشة

من يد الزمن.

 

مرّة

رأيت قلبي يطرق باب نافذة

يطلب قليلًا من الغيم

ليروي زجاجه المتصدّع.

هل كان ذلك وهمًا؟

ربما.

لكنّي أذكر جيدًا

أن النافذة فتحت نفسها

وسمعت ارتطام المطر

بشكل يشبه الضحك المكتوم.

 

2

أنا الآن

أعيش داخل لحظة نسيت أن تنتهي.

كأنّ الزمن خرج لشراء الحليب

ولم يعد.

في غيابه

بدأتُ أكل الوقت بالملعقة

كان بطعم الغبار...

وملمس الرسائل التي لم تُرسل أبدًا.

 

الكلمة التي سقطت البارحة

نبتت اليوم.

لكنها لم تصبح زهرة

بل مِرآة.

حين نظرتُ فيها

رأيتني أتكلم بشفتين ليستا لي

وأبكي بماء لم يزر عينيّ من قبل.

 

الريح…

أعرفها.

ليست تلك التي تهزّ الأشجار.

بل التي تهزّ القصائد

حين يخطئ الشعراء في تهجئة الألم.

جاءتني لاهثة

تحمل بخار صوتٍ

يشبه مناديل من رثا نفسه حيًّا

وقالت:

"حتى الصمت، يحتاج أحيانًا

إلى أن يتهجّى اسمه بصوت عالٍ."

 

مرّت غيمة.

أقسم أنها حدّقت بي.

بعيون خضراء

غارقة في النعاس

وقالت شيئًا ما لم أسمعه

لكنّي شممته…

رائحة خبز وحنين وعطش

في آنٍ واحد.

 

في تلك اللحظة

خُيّل إليّ أن الجفاف له أصابع

تخدش وجهي

كلما تأخرت الكلمة في الوصول.

لكن الكلمة جاءت

بطيئة كسلحفاة تعرف الطريق

وتكره الوصول.

 

كان في داخلي رعدٌ

يرتدي معطف شاعر عجوز

يتلعثم في الحديث

لكنّه يكتب برقًا لا يُنسى.

قال لي:

"القلوب لا تتهرُّب، يا ولد،

بل تنتظر من يفهم ارتعاشتها،

كما يفهم الأعمى الضوء من دفء اليد."

 

3

ذات ظهيرة

شعرت بأن الجدار يتنفس خلف ظهري.

كان يتضجّر

كعاشق أُجبر على حفظ القصيدة ذاتها

لألف عام.

حين وضعت أذني عليه

سمعت صوت قلبي

لكنّه يتكلم لغةً أجهل قواعدها.

 

كان الطين في الحذاء يسألني:

"من أي أرض جئتَ،

حتى يلتصق بك كل هذا العدم؟"

ضحكت.

ضحكت بصوت يشبه صفير قطار

ينطلق بلا ركّاب.

الضحك أحيانًا

يكون الطريقة الوحيدة لتقليب القلب

دون أن يُكسر.

 

في الزاوية

جلستُ مع ضوء مهترئ

يحمل على كتفيه غبار القرون.

سألته عن الطيبة

تلك الكلمة السهلة

التي تسير حافية على قلوبنا.

هزّ كتفيه

ثم همس لي وهو يذوب في الغروب:

"القلوب لا تُسقى،

بل تُستدرج

إلى لحظةٍ تنسى فيها عطشها."

 

أشمّ طيفًا

كأنه موسيقى قديمة

معجونة برائحة دهانٍ رخيص

وسقفٍ انتظر المطر طويلًا

ولم يأتِ.

الألوان تعبت من نفسها

فبدأت تُصفّر كأوراق الخريف

حين تتذكّر أنها كانت سماءً يومًا ما.

 

حتى الكلمات...

أراها أحيانًا تتثاءب.

تفتح فمها

ولا تقول شيئًا.

أعرف أنها مثلي

ترغب فقط في أن تلمس قلبًا

وتعود إلى نومها

دون أن تُكتب.

 

إنني أتقدّم… إلى الخلف.

أمشي في طرقٍ ترجعني إليّ

كلّما اعتقدت أنني أفلتّ من جلدي.

 

الغيم يضحك من فوق

لأنه الوحيد الذي يرى

أننا كلنا نحمل مظلات مكسورة

ونخاف من المطر الذي لن يأتي.

 

4

أعرف هذا الطريق.

ليس لأنه يؤدي إلى مكانٍ أعرفه

بل لأنه لا يؤدي إلى شيء.

 

الأحذية تعرف اليأس أكثر مما نعتقد.

تخزّن داخله مثل حبوب القمح

في جرارٍ لا تُفتح.

وأنا

أمشي كمن يبحث عن ظله

في كتابٍ مفقود.

 

الكرسي الخشبي تحدّث إليّ.

قال لي بصوتٍ مشقوق كعود مهمل:

"اجلس،

لكن لا تظن أنك سترتاح.

أنا مجرد خشب…

لكنني أعرف كم تترك الأرواح من أوزانها

على أطراف الأشياء."

 

في المطبخ

كان الحليب يتجلّى ببطء.

كأنه يُفكّر:

هل أُغلي لأدفئ أحدهم؟

أم أنتظر أن ينساني؟.

بخار الكأس كان أصدق من كثيرين:

رسم على الزجاج وجهًا

يشبه أمّي حين تنسى اسمي

وتناديني بأسماء من رحلوا.

 

هل شممت يومًا صوتًا؟

أنا فعلت.

كان رطبًا، رماديًا، يشبه عطسة خجلى

من غيمةٍ مرّت بالخطأ فوق المدينة.

هكذا كانت تلك الكلمة

كلمة طيبة

نطقتني كما لو أني حبة سكر

تذوب على لسان العطش.

 

وفي لحظة لم يتوقّعها أحد

حتى أنا

اهتزّ في داخلي شيء

كأن أحدهم أزاح الغبار عن قلبي

بكفّ من هواءٍ طيّب

ثم اختفى.

 

وحده الرحيل

يجلس في الزاوية

يبتسم بسخرية

ويراقبنا ونحن نجمّع الفتات

من جمل لا نعرف كيف نقولها.

 

كأن الكسر فيه نعمة

والعطب شكل آخر من الصدق

والقلب لا ينهار

بل يختبئ أحيانًا في حرفٍ صغيرٍ

يقال دون أن يُقصد.

 

 

5

في النهاية

لم أعد أبحث عن المعنى

بل عن ملمسٍ يشبه قبلة

لا يتطلّب تفسيرًا.

 

القلب

هذا الكائن الطينيّ

يضع قبعة من خيال

ويخرج كل صباح

يطرق أبوابًا نسيها الزمن

يسأل:

"هل قالت إحداهن شيئًا طيّبًا هذا اليوم؟

مجرد شيء صغير،

حقيقي،

رطب كخطأٍ في مكان دافئ؟"

 

أنا الذي كنتُ أخاف من الغيم

لأني لا أفهم نواياه.

لكنّي اليوم أشرب منه قطرة قطرة

كما تُشرب الحكايات الهامسة

من فم جدّة تنسى التفاصيل

وتتذكر الشعور فقط.

 

أشعر بالأشياء قبل أن تصل.

رأيت ظلًّا يسبق كلمة.

رأيت ابتسامة على وجه الهواء

قبل أن تتكوّن في فم العابر.

حتى الحجارة تنهّدَتْ.

أقسم أنني سمعتها تقول:

"نحن نصدأ أيضًا، لكن من الداخل".

 

ما عاد يؤلمني أن أتكسّر

صرت أرى في الشقوق خرائط سرّية

لأمكنة لم أزرها

لكن قلبي زارها قبلي بسنوات ضوئية.

 

كل شيءٍ صار يحمل نبضًا خفيًّا:

الماء حين ينسكب

الساعة حين تختنق بثوانيها

حتى القلم

حين يرفض الكتابة

كأن الحبر فيه يتذكّر جرحًا قديما.

 

وأنا

أنا لم أعد "أنا" بالكامل

صرت خليطًا من أصواتٍ مرّت بي

ونظراتٍ نزلت في قلبي

كحبّات مطرٍ وحيدة.

 

في اللحظة التي لم يتوقّعها أحد

قال لي أحدهم كلمة.

كانت بسيطة.

لكنها خرجت من عمق طينته.

كأنها سقطت من غيمة نسيت اسمها

وتذكّرت أن تكون فقط… عطوفة.

 

وفي تلك اللحظة انفتح قلبي

كما تنفتح نافذة دون أن يلمسها أحد

فقط لأن الغيم أراد أن يمرّ.

 

قصائد اخرى للشاعر

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.